فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 522

المقدمة الرابعة

مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة

الجرحُ والتعديل جميعًا يتأثران بهذا ، فيعدَّلُ من ليس بأهل ، وهو الأقلُّ ورودًا في كلامهم ، ويجرَحُ من هو عدلٌ ، ووقع من طائفة بسبب المخالفة في العقائد والمسالك ، كما قدمت التمثيل له بجرح الجوزجاني لأهل الكوفة بسب فشو التشيع فيه ، والدولابي لمخالفي الحنفية ، وكما وقع من طائفة من أهل الحديث في أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم .

قال ابن حجر:"وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة ، وعبارة طلقة ، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية ، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه ، فوثق رجلًا ضعفه ؛ قبل التوثيق ."

ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ ، فإنه من غلاة الشيعة ، بل نسب إلى الرفض ، في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين وغيره فكلُّ هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل" [1] ."

ومن أمثلة ذلك في النقلة ما جاء في ترجمة ( أحمد بن الفرات أبي مسعود الرازي) وكان من الثقات الحفاظ المتقنين ، من المعروفين بالسنَّة ، قال ابن عدي: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول: سمعت ابن خراش يحلف بالله:"إن أبا مسعود أحمد بن الفرات يكذب متعمدًا".

فتعقبه ابن عدي فقال:"وهذا الذي قاله ابن خراش لأبي مسعود هو تحامل ، ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة ، وهو من أهل الصدق والحفظ" [2] .

وعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في"كتابه"، فقال:"ذكره ابن عدي فأساء ، فإنه ما أبدى شيئًا غير أن ابن عقدة روى عن ابن خراش ، وفيهما رفض وبدعة"وذكر النص السابق .

وأقول: لا عيب على ابن عدي ، فإنه يذكر في كتابه من تكلم فيه ، فإن كان بباطل رده ، وهكذا فعل هنا .

وقال الذهبي في"السير" [3] :"مَنِ الَّذِي يُصَدِّقُ ابْنَ خِرَاشٍ ذَاكَ الرَّافِضِيُّ فِي قَوْلِهِ؟!".

قلت: ومما نرد قول ابن خراش أنه لم يتكلم فيه إلا لأجل المذهب ، وأبو مسعود قد استقرت ثقته وثبت إتقانه ، وشاع علمه .

ومن قبيح ما سودت به صحف كثيرة ما وقع من نقمة جماعة من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه ، بسبب المذهب .

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم:"وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ:"أَصْحَابُنَا يُفْرِطُونَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ"فَقِيلَ لَهُ: أَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْذِبُ ؟ فَقَالَ:"كَانَ أَنْبَلَ مِنْ ذَلِكَ"" [4] .

قلت: وتلك الطعون التي سودت بها صحف كثيرة لا تعود في التحقيق إلا إلى التحامل بسبب خلاف المذهب، كمن أطلق أن أبا حنيفة كان يبيح المسكر ، وهو إنما أباح باجتهاده النبيذ الذي لم يستثن من حفاظ وأئمة الكوفيين من موافقته فيه إلا الفرد بعد الفرد ، إلى أشياء أخرى طعن فيها على أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، كانت بسبب مخالفة الطاعن لأبي حنيفة في مذهبه ، وأنه كان يدعُ الحديث بالرأي ، وهذا لو صحَّ فمعروف أن الفقيه قد يدعُ العمل بالحديث لأسباب صحيحة معتبرة ، ولم يسلم من ذلك فقيه من فقهاء الأمة الكبار المتبوعين .

قال الإمام ابن حزم:"جميعُ الحنفية مجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفةَ (رحمه اللهُ) أنَّ ضعيفَ الحديثِ أولى منَ القياسِ ولا يحلُّ القياسُ مع وجودهِ" [5] .

وقال علي القاري في المرقاة:"إن مذهبهُم القويَّ تقديمُ الحديثِ الضعيفِ على القياسِ المجرَّدِ الذي يحتملُ التزييفَ" [6] .

أقول: فاتهامهم بأنهم أصحابُ رأي،وأنَّ بضاعتهم في الحديث مزجاةٌ , فيه شططٌ كبيرٌ،وعصبيةٌ مقيتة .

فهذا مالك بن أنس ، وقد أجمعوا على ثقته ، ومع ذلك فقد ترك القول بأحاديث هي عنده صحيحة ، لمعارضات معتبرة لديه ، وهذا ابن عبد البر المالكي يورد عن الليث بن سعد قوله:"أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً ، كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا قَالَ فِيهَا بِرَأْيِهِ قَالَ: وَلَقَدْ كَتَبْتُ إِلَيْهِ أَعِظُهُ فِي ذَلِكَ"قَالَ أَبُو عُمَرَ: " لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ يُثْبِتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يَرُدُّهُ دُونَ ادِّعَاءِ نَسْخِ ذَلِكَ بِأَثَرٍ مِثْلِهِ أَوْ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِعَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعْنٍ فِي سَنَدِهِ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا وَلَزِمَهُ اسْمُ الْفِسْقِ , وَلَقَدْ عَافَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ [7] ، وَنَقَمُوا أَيْضًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْإِرْجَاءَ ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْإِرْجَاءِ كَثِيرٌ لَمْ يُعْنَ أَحَدٌ بِنَقْلِ قَبِيحِ مَا قِيلَ فِيهِ كَمَا عُنُوا بِذَلِكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ لِإِمَامَتِهِ ، وَكَانَ أَيْضًا مَعَ هَذَا يُحْسَدُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَيُخْتَلَقُ عَلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَفَضَّلُوهُ وَلَعَلَّنَا إِنْ وَجَدْنَا نُشْطَةً نَجْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ وَفَضَائِلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كِتَابًا ، أَمَّلْنَا جَمْعَهُ قَدِيمًا فِي أَخْبَارِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"" [8] ."

وللشافعي في الرد على مالك ، كما له في الرد على محمد بن الحسن والأوزاعي ، وكثير مما يعود إليه ذلك: القول بالحديث أو تركه .

فمثل هذا لا يجوز التعلق به من أقوال المجرحين ، في حق من عرف مقامه في الدين.

كما يجب أن يتفقد من عبارة الجارح في كل مخالف له في مذهبه ، إذ هو بشر يعتريه من حال البشر ، ويتكلم في الغضب والرضى ، والعدل مجاهدة ، وكم من جرح يمكن تخريجه على مثل هذا ؟

وأما الميل إلى التعديل ، فكتوثيق ابن عقدة الحافظ الشيعي لبعض من على مذهبه من المجروحين ، وهو قليل .

وقال يحيى بن معين:"كان أبو نعيم [9] إذا ذكر إنسانًا فقال: هو جيد وأثنى عليه ، فهو شيعي ، وإذا قال: فلان كان مرجئًا ، فاعلم أنه صاحب سنَّة لا بأس به" [10] .

ـــــــــــــــ

(1) - لسان الميزان ( 1 / 108 - 109 ) والتنكيل للمعلمي اليماني - (ج 1 / ص 148) وجرح الرواة وتعديلهم - (ج 10 / ص 8)

(2) - الكامل ( 1 / 312 ) .

(3) - سير أعلام النبلاء ( 12 / 487 ) .

(4) - أخرجه ابنُ عبد البر في"بيان العلم" ( رقم: 2106 ) وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (ج 2 / ص 290) (1099) ومعرفة الرجال لابن معين"230"1/ 79. وإسناده صحيح .

(5) - ملخص إبطال القياس ص 98 والإحكام 7/54

(6) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (ج 1 / ص 3)

(7) - انظر ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - في كتابه الماتع"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"بتحقيقنا.

(8) - جامع بيان العلم وفضْله ( رقم: 2105 ) تعليقًا و وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (ج 2 / ص 288) (1098)

وقد وفّى ابن عبد البر بوعده فجمع كتابا في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء. وهو مطبوع بعنوان:"الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء".

(9) - يعني الفَضل بَن دُكين ، وهوَ من حُفاظ الكوفة ومُتقنيهم .

(10) - سؤالان ابن الجُنيد ( النص: 797 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت