المبحث العاشر
ردُّ الإمام السندي رحمه الله أيضًا على من يقرأ كتب الحديث لا للعمل
قال العلامة الفلاني في إيقاظ الهمم [1] :"وقال الشيخ محمد حياة أيضًا: لو تتبع الإنسان من النقول لوجد أكثر مما ذكر، ودلائل العمل على الخير أكثر من أن تذكر وأشهر من أن تشهر، لكن لبس إبليس على كثير من البشر فحسَّن لهم الأخذ بالرأي لا الأثر ، وأوهمهم أن هذا هو الأولى والأخير، فجعلهم بسبب ذلك محرومين عن العمل بحديث خير البشر صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهذه البليةُ من البلايا الكبر إنا لله وإنا لله راجعون."
ومن أعجب العجائب أنهم إذا بلغهم عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ما يخالفُ الصحيح من الخبر ولم يجدوا له محملًا جوزوا عدم بلوغ الحديث إليه ولم يثقل ذلك عليهم ،وهذا هو الصواب، وإذا بلغهم حديثٌ يخالف قول من يقلدونه اجتهدوا في تأويله القريب والبعيد، وسعوا في محامله النائية والدانية، وربما حرَّفوا الكلم عن مواضعه، وإذا قيل لهم عند عدم وجود المحامل المعتبرة لعلَّ من تقلدونه لم يبلغه الخبر أقاموا على القائل القيامة، وشنعوا عليه أشد الشناعة، وربما جعلوه من أهل البشاعة ،وثقل ذلك عليهم، فانظر أيها العاقل الى هؤلاء المساكين يجوزون عدم بلوغ الحديث في حقِّ أبي بكر الصديق الأكبر وإخوانه ، ولا يجوزون ذلك في أرباب المذاهبِ ، مع أن البون بين الفريقين كما بين السماء والأرض، وتراهم يقرأون كتب الحديث ويطالعونها ويدرسونها لا ليعملوا بها ؛ بل ليعلموا دلائل من قلدوه وتأويل ما خالف قوله ،ويبالغون في المحامل البعيدة، وإذا عجزوا عن المحمل قالوا: من قلدنا أعلم منا بالحديث ،أولا يعلمون أنهم يقيمون حجَّة الله تعالى عليهم بذلك ،ولا يستوي العالمُ والجاهل في ترك العمل بالحجَّة ، وإذا مرَّ عليهم حديثٌ يوافقُ قول من قلَّدوه انبسطوا ،وإذا مرَّ عليهم حديثٌ يخالف قوله، أو يوافقُ مذهب غيره ربما انقبضوا ، أولم يسمعوا قول الله: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء
وكثيرٌ من هؤلاء الطائفة المتعصبة من يدَّعي عدم فهمِ الحديث إذا قيل له لم لا تعملُ بالحديث ، مع ادعائِه الفضيلةَ وتعليمهِ وتعلمهِ واستدلالِه لمنْ قلَّده ،وهذا من أغرب الغرائب ،ولو أذهبُ لأذكرَ لك ما فيهم من العجائبِ لطالَ الكلامُ ،وفي هذا المقدار كفايةٌ لمن نوَّر الله بصيرتَهُ ،وأرشده إلى الصواب انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي بطوله .
قلتُ: ولقد صدق الشيخُ رحمه الله وبذل النصيحة وأرشد والله الهادي
لقد أسمعتَ لو ناديت حيًّا 0000 ولكنْ لا حياةَ لمنْ تنادي
ـــــــــــــــ
(1) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 71) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 244)