المقدمة الحادية عشرة
التحقق من اللفظة المنقولة عن الناقد
ومن ذلك أن يأمن التصحيف أو التحريف للعبارة بما قد يحيل معناها ، مثل ما وقع في كثير من الكتب من تحريف قول عبد الله بن عون البصري في ( شهر بن حوشب ) :"نزكوه"بالنون والزاي في أوله ، حرفت إلى"تركوه"بتاء فوقية في أوله فراء ، في كثير من المراجع ، وبين العبارتين فرق كبير في المعنى ، فمعنى: ( نزكوه ) قال مسلم بن الحجاج:"أخذته ألسنة الناس ، تكلموا فيه" [1] ، وقال عياض:"معناه: طعنوا عليه ، مأخوذ من النيزك ، وهو الرمح القصير" [2] .
ومن قبيح التحريف أيضًا ما وقع في"الميزان"للذهبي في ترجمة ( أبي صالح باذام مولى أم هانئ ) :"وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب ، فما سألته عن شيء إلا فسره لي" [3] . وصواب العبارة:"كان أبو صالح يكتب" [4] .
ومن ذلك أن يقف على سياق لفظ الناقد بتمامه ، لا يبني على اللفظ المختصر ، فربما صدر لفظ الناقد في راو بما يوهم الجرح حين سئل عنه وعمن هو أوثق منه على سبيل المقارنة ، كأن يقول: ( فلان ثقة ، وفلان ضعيف ) ، أي مقارنة بمن ذكر معه ، لا مطلقًا ، وربما نقلت العبارة عنه بتصرف ، فإذا تم الوقوف على نصها كانت على دلالة أخرى ، وربما نقلت على المعنى ، كأن يقال: ( وثقه فلان ) أو: ( ضعفه فلان ) أو ( تركه فلان ) ، ولا تذكر الصيغة المفيدة لذلك ، وربما عكس الأمر ، فيكون أصل المنقول: ( تركه فلان ) فتحكى عنه قولا:"متروك".
وفي الكفاية:"قال يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ وَذَكَرَ مَسْلَمَةَ بْنَ عُلَيٍّ فَقَالَ:"لَا يُتْرَكُ حَدِيثُ رَجُلٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ , قَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ ضَعِيفٌ , فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ مَتْرُوكٌ فَلَا , إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ" [5] "
وله أمثلة كثيرة ، منها:
وقال العقيلي:"حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ بَصْرِيٌّ ، ضَعِيفٌ ، مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى وَذَكَرَ أَحَادِيثَ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: إِنَّ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ رَوَى عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَمَّتِهَا ، فَقَالَ يَحْيَى: كُنَّا نَعْرِفُ حُسَيْنًا ، يَعْنِي الْمُعَلِّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ".
، فصدر العقيلي بقوله:"حسين بن ذكوان المعلم ، بصري ، مضطرب الحديث" [6] ، أخذها من عبارة يحيى القطان متوسعًا فيها حتى جعل الوصف اللازم لحسين هذا أنه مضطرب الحديث .
ومن هذا أيضًا: الاختصار في نقل عبارة الناقد ، أو حكايتها بالمعنى ، مما يقع به الخروج عن أصل دلالتها .
وهذا يقع كثيرا في كتب المتأخرين ولا سيما المختصرات
ـــــــــــــــ
(1) - مقدمة صحيح مُسلم ( ص: 17 ) وقد أخرج الأثر عن ابنِ عونٍ بإسناد صَحيح .
(2) - إكمال المعلم ( 1 / 134 ) .
(3) - ميزان الاعتدال ( 1 / 296 ) .
(4) - الضعفاء ، للعُقيلي ( 1 / 165 ) ، والكامل ، لابن عدي ( 2 / 256 ) .
(5) - المعرفة والتاريخ ( 2 / 191 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية"ص: 181 ( 271 ) .
(6) - الضعفاء ( 1 / 250 ) .