فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 522

قلت: من هذه النقول يتبين لنا أن مجرد خبر الآحاد لا يفيد العلم اليقيني، بل لا بد من احتفاف القرائن به حتى يفيد العلم.

وهذا ينقض ما ذهب إليه المؤلف، وقد ورد عن الإمام أحمد وغيره عكس ما يقول ويدَّعي.

وأمَّا اتهامه لعلماء الأصول بأنهم لا يرجعون إلى السُّنَّة، ولكن إلى علم الكلام فقولٌ باطلٌ عريٌّ عن الدليل، ففيهم المحدِّثُ وفيهم المفسِّرُ وفيهم النظارُ. فهذا القول تهمة خطيرة لعلماء الأصول، والذين نتطفل على موائدهم، بل طعن بالدِّين الذي حموه وقعَّدوا قواعدَهُ.

قال ابن تيمية رحمه الله:"... وَأَمَّا الْمُتَوَاتِرُ: فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ, بَلْ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ عَنْ إخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ كَانَ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا, وَكَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعِلْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ. فَرُبَّ عَدَدٍ قَلِيلٍ أَفَادَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ بِمَا يُوجِبُ صِدْقَهُمْ, وَأَضْعَافِهِمْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ, وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ إذَا احْتَفَتْ بِهِ قَرَائِنُ تُفِيدُ الْعِلْمَ. وَعَلَى هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مُتَوَاتِرُ اللَّفْظِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ, وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا يَعْلَمُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ عِلْمًا قَطْعِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَهُ: تَارَةً لِتَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ, وَتَارَةً لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ."

وَخَبَرُ الْوَاحِدِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ, وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ كَالإسْفَرايِينِيّ وَابْنِ فُورَكٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ, لَكِنْ لَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى تَلَقِّيه بِالتَّصْدِيقِ, كَانَ بِمَنْزِلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ عَلَى حُكْمٍ, مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إلَى ظَاهِرٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ خَبَرِ وَاحِدٍ, فَإِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَصِيرُ قَطْعِيًّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ, وَإِنْ كَانَ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ, فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى تَحْلِيلِ حَرَامٍ, وَلَا تَحْرِيمِ حَلَالٍ, كَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى التَّصْدِيقِ بِكَذِبٍ, وَلَا التَّكْذِيبِ بِصِدْقٍ, وَتَارَةً يَكُونُ عِلْمُ أَحَدِهِمْ لِقَرَائِنَ تَحْتَفِي بِالْأَخْبَارِ تُوجِبُ لَهُمْ الْعِلْمَ, وَمَنْ عَلِمَ مَا عَلِمُوهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا حَصَلَ لَهُمْ. [1]

وهذا الذي نقلته عن ابن تيمية رحمه الله بيَّن أنّ خبر الواحد لا يفيد القطعَ واليقينَ إلا بقرائنَ، وهو المذهب الثالث فكيف تقولُ عليهم ما لم يقولوا؟؟.

قلتُ: وهذا قول صاحب كتاب"شرح الكوكب المنير"وهو من أوثق كتب الحنابلة في الأصول:

قال:"وَيُفِيدُ الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ الْمَشْهُورُ عِلْمًا نَظَرِيًّا نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فُورَكٍ. وَقِيلَ: يُفِيدُ الْقَطْعَ وَغَيْرُهُ أَيْ وَغَيْرُ الْمُسْتَفِيضِ مِنَ الْأَحَادِيثِ يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى مَا دُونَ عَدَدِ رُوَاةِ الْمُسْتَفِيضِ لِقُرْبِ احْتِمَالِ السَّهْوِ والخطأ عَلَى عَدَدِهِمْ الْقَلِيلِ. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَالطُّوفِيُّ وَجَمْعٌ: إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَصَحُّ, لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْقَرَائِنُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِعَادَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِمَا تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ, كَسُكُونِهَا إلَى الْمُتَوَاتِرِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهَا احْتِمَالٌ عِنْدَهُ."

إلَّا إذَا نَقَلَهُ أَيْ نَقَلَ غَيْرَ الْمُسْتَفِيضِ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى إمَامَتِهِمْ مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ وَتُلُقِّيَ الْمَنْقُولُ بِالْقَبُولِ فَالْعِلْمُ أَيْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي قَوْلٍ ،قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ وَعَمَلًا بِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ إلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً اتَّبَعُوا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ: ذَكَرَهُ أَبُو إسْحَاقَ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ, وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ, وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ. انْتَهَى

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا أَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ وَاقِعٌ بِهِ, خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ نَفَى ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي أَصْلِهِ إلَّا الظَّنَّ. وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ, وَالظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ, قَالَ: وَقَدْ كُنْت أَمِيلُ إلَى هَذَا, وَأَحْسِبُهُ قَوِيًّا, ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّحِيحُ; لِأَنَّ ظَنَّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَإِ لَا يُخْطِئُ, وَالْأُمَّةُ فِي إجْمَاعِهَا مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَإِ [2] .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: خَالَفَ ابْنَ الصَّلَاحِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ, وَقَالُوا: يُفِيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ, انْتَهَى. [3]

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ وَأَبُو حَامِدٍ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأُمَّةِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِمْ إذَا تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ. [4]

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: يُفِيدُهُ عَمَلًا لَا قَوْلًا وَيُعْمَلُ بِآحَادِ الْأَحَادِيثِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ. وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا. [5]

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا فِيمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ, وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْمُتَلَقَّاةَ بِالْقَبُولِ تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينُ فِي عَقِيدَتِهِ [6] .

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: لَا يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا. [7]

وَلَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ أَيْ مُنْكِرُ خَبَرِ الْآحَادِ فِي الْأَصَحِّ. حَكَى ابْنُ حَامِدٍ الْوَجْهَيْنِ عَنِ الْأَصْحَابِ. [8]

وَنُقِلَ تَكْفِيرُهُ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. [9]

وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْنَا: يُفِيدُ الْعِلْمَ, كُفِّرَ مُنْكِرُهُ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. [10]

لَكِنَّ التَّكْفِيرَ بِمُخَالَفَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ, كَمَا سَبَقَ آخِرَ الْإِجْمَاعِ. إذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ أَنْ يُكَفَّرَ مُنْكِرُهُ". [11] "

ومن الأدلةُ التي ساقها الشيخ ابن جبرين على أنَّ خبرَ الواحدِ العدلِ يفيدُ القطعَ واليقينَ حيث قال:"أدلة إفادة خبر الواحد العلم:"

أ حيث اعتقد المسلمون وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولزوم امتثال طلبه، وتقبل كل ما جاء به عن ربه.

ب وبعد أن عرفت أن الحكمة التي هي سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة القرآن، في كونها وحيًا منزلًا من الله، كما في قوله تعالى: { وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} النساء: 113.

ج وحيث إن السُّنَّة مما يتلى على الأمة ليعملوا بما فيها كالقرآن، لقوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} الأحزاب: 34.

د وأنها من الشرع المنزل كالقرآن، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" [12] .

فإن كل ذلك ونحوه يؤكد أن لهذه الأخبار النبوية حكمَ الشرع، من حفظ الله وحمايته؛ لتقوم حجته على العباد، لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9 ، فلا بد أن تكون السُّنَّة داخلة في اسم الذكر الذي تكفل الله بحفظه، فمن جعلها ظنية الثبوت أجاز أن تكون في نفس الأمر كذبًا مع نسبتها إلى شرع الله، وأجاز أن يكون قد دخلها التغيير والتبديل والتحويل مما كانت عليه، والزيادة والنقص، والنسيان والإهمال ونحو ذلك، ولا شك أن في هذا تكذيبًا لله في خبره بحفظها، ثم هو وصف له بما لا يليق بحكمته وعدله من إضاعة دينه، وتضليل عباده، وغير ذلك مما يتعالى عنه جلاله وكبرياؤه سبحانه. [13]

قُلتُ:

هذه الأدلةُ تدلُّ على وجوبِ العمل بالسُّنَّة، وليس على أنها تفيدُ اليقين، كما أنَّ السُّنَّة دخلَها ما هبَّ ودبَّ، وإلَّا فلمَ وجدَ علمُ الجرحِ والتعديلِ إذًا؟!.

ولا شكَّ أنَّ السُّنَّة منَ الذِّكرِ، وقد أناطَ اللهُ تعالى بالأمةِ الإسلامية حفظَها، وليس بنفسه كما قالَ عن القرآنِ الكريم، فاختبرَ الأمةَ بذلك. ولذلكَ نشأتْ علومُ السُّنَّة النَّبويةِ والتَّثبُّت في نقلِها منذُ الأعصرِ الأولى. ولا نستطيعُ الجزمَ بأنَّ أخبارَ الآحادِ تفيدُ اليقينَ إلا بقرينةٍ، وهذا قولُ أكثرِ أهل العلمِ بعكس ما يقول المؤلف تمامًا.

وقالَ أيضًا:"أن أغلب أحاديث السُّنَّة جاءت مكملة ومبينة للأصول المذكورة في القرآن الذي أجمل الله فيه أغلب الأحكام، ووكل إيضاحها وتمثيلها إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، بل كلفه بذلك حيث قال: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } النحل: 44."

وكذلك أمره بتعليم الناس والحكم بينهم حيث قال: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} النساء: 105.

كما أمره بإبلاغ ما أنزله إليه بما فيه السُّنَّة بقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة:67.

وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - هذه الأوامر من ربه، حيث بلَّغ الرسالة وأوضح الأحكام المجملة في القرآن، ثم تقبَّل صحابته بعده جميع ما بيَّن وبلغ إليهم فعملوا به ونقلوه لمن بعدهم كما هو.

فلو جاز أن يتطرق إلى ذلك البيان شيء من الوهم والخطأ لبقي المسلمون في حيرة من مراد الله بتلك الأحكام، ولم يعلموا على أي وجه يوقعونها، ...". [14] "

قلتُ:

الحجَّةُ قامتْ بالقرآن الكريم وبالسُّنَّة المتواترةِ بيقينٍ، وأمَّا أحاديثُ الآحادِ فمكمِّلةٌ لذلك، وليستْ أصلًا مستقلًّا كما قد يُظَنُّ، فالدِّينُ محفوظٌ.

وقال أيضًا:"إنَّ الذين جعلوه مظنونًا -ولو مع القرائن- يجوِّزون أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأ، ثم هم مع ذلك يوجبون العمل به مع ما يخالج نفوسهم من احتمال كونه باطلًا، والعمل به ضلالًا وأمرًا مبتدعًا."

ولا شكَّ أن هذا التوقف في ثبوته مع كونه خلاف الظاهر يدفع الثقة بأصول الدين وفروعه التي تلقيَ أغلبُها عن طريق الآحاد؛ ويفتح الباب على مصراعيه لكل من أراد الطعن في شعائر الإسلام وتعاليمه بكون أدلته متوهمة مشكوكًا فيها، ويجلب لنا سوء الظن بسلفنا الصالح الذين تقبَّلوا هذه الأخبار وحكموا بها، واستباحوا بها الحرام، وسفكوا بها الدماء، وتصرفوا بها في سائر الأحكام، حيث اعتمدوا أدلة غير متحققة الثبوت...

وكلُّ هذا مما يحققُ لنا أن قد تبينوا ثبوتها، واستفادوا منها العلم اليقيني الذي لا تردد فيه البتة. [15]

قلتُ:

قولهُ هذا مردودٌ، فهناك انفكاكٌ بين العملِ بالسُّنَّة للاحتياطِ وبينَ وجوبِ اعتقادها، فلا تلازم بينهما بتاتًا.

وإلا فلمَ جَوَّزوا العملَ بالحديثِ الضعيف مع غالبِ ظنِّهم بعدمِ صحتِه وثبوته؟!! كما أنَّ الأئمةَ أنفسَهُم هذا يقبلُ خبرًا وآخرُ يردُّهُ وهذا يضعُ شروطًا كثيرةً لقبولِه، وذاك يخففُ في الشُّروطِ.

فالقولُ بأنه يفيدُ اليقين تأثيمٌ للأمةِ، وتكفيرٌ لها بتركِ خبرِ الآحادِ، وهذا لا يقولُ به أحدٌ يعوَّلُ على قولِه.

بل إنَّ خبرَ الآحادِ الذي احتفتْ به القرائنُ هو الذي يفيد اليقينَ - عند الكثيرين - لا أنه يفيدُ ذلك بحدِّ ذاتِه ؛ بلْ بدليلٍ خارجيٍّ كما هو معلومٌ.

وقال أيضًا:"إن هؤلاء المخالفين لما رأوا شهرة قبولها، والرجوع إليها عن السلف وفي مؤلفات أئمتهم الذين قلدوهم في الفروع - لم يجدوا بدًا من الحكم بقبولها في الأعمال، وهذا تناقض ومخالفة لما اعتقدوه من كونها ظنية الثبوت."

وما ذاك إلا لأن الأصل براءة الذمة، فلا تثبت التكاليف بخبر يمكن أن يكون موضوعًا مختلقًا.

وقد اعتقدوا أن السلف إنما عملوا بها- وإن كانت مظنونة- لأن أدلة العمل يجوز أن تكون ظنية.

وهذا خطأ على السلف، فإنهم لو لم يكونوا يقطعون بصحتها لم يقدموا على العمل بموجبها، وإثبات الأحكام بها أصولًا وفروعًا كما سيجيء إن شاء الله.

وما أدري ما حال عبادات هؤلاء التي فعلوها وقد قارن أنفسهم من الشك والريب في صحة أدلتها ما لابدَّ لهم منه بموجب مذهبهم. ولا شك أن من كان بهذا الاعتقاد لن ينفك من الوساوس في كل قربة يأتي بها، أو أمر يمتثله، من كون ذلك بدعة أو مغيرًا عن وضعه الأصلي.

ولا بد أيضًا أن يعتقد أن شريعة الله قد اختلط بها ما ليس منها، وامتزجت بما هو كذب، وأنه ليس في الإمكان تخليص دين الله من تلك البدع التي دخلت فيه بموجب تلك الأخبار التي يمكن كونها مكذوبة، ومن ظن شيئًا من ذلك فقد أجاز على المؤمنين أن تكون قرباتهم صادرة عن جهل، ومبعدة لهم عن الله، وجوز على الدين أن يكون قد تنوسي منه الكثير، وتغير ما فيه عما كان عليه، وعبثت به الأيدي، وكل هذا خلاف ما تقتضيه حكمة الله، وخلاف اعتقاد المسلمين جميعًا، وهو من لازم قول هؤلاء شاءوا أم أبوا. [16]

قلتُ:

هو يقوِّلُ السَّلفَ ما لم يقولوا، فلم ينصُّوا على أنها تفيدُ اليقينَ، بدليلِ ردِّ بعضِ الصحابةِ وكذا التابعينَ ومن بعدهم لبعضِها. بل هناك نصوص كثيرة بردِّ خبر الواحد الثقة الذي هو أوثق منا جميعًا؛ فقد ردَّ بعضُ الصحابة على بعضِهم أخبارًا صحيحةً، وهم خيرةُ الأمة على الإطلاق، وذلك لأنها إما معارضة للقرآن ظاهرًا أو لما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو لظنهم أو الراوي وهم في نقل الحديث أو لم يضبطه بشكل صحيح وهذه أمثلة لذلك:

ففي البخاري (6245 ) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى فَرَجَعْتُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَلْيَرْجِعْ » . فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ . أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَلِكَ . وبرقم (3476 ) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ ، وَسَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ خِلاَفَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ « كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا » .

وفي مسلم ( 846 ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِى سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِى التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ » . فَقَالَ عُمَرُ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. قَالَ الْحَكَمُ وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ قَالَ وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ فِى هَذَا الإِسْنَادِ الَّذِى ذَكَرَ الْحَكَمُ فَقَالَ عُمَرُ نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.

وفي مسلم ( 2196 ) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ « أَنْتُمْ تَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ » .

وفي البخاري ( 3325 ) عن سُفْيَانَ بْنِ أَبِى زُهَيْرٍ الشَّنَئِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِى عَنْهُ زَرْعًا وَلاَ ضَرْعًا ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ » . فَقَالَ السَّائِبُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ إِىْ وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 18 / ص 38)

(2) - مقدمة ابن الصلاح ص 14.

(3) - تدريب الراوي شرح تقريب النواوي 1/ 132، شرح النووي على مسلم 1/ 20.

وانظر: توضيح الأفكار 1/ 124.

(4) - انظر: الإحكام للآمدي 2/ 41، المستصفى 1/ 142، فواتح الرحموت 2/ 123، توضيح الأفكار 1/ 96، 124"."

(5) - انظر: المسودة ص 245.

(6) - انظر: المسودة ص 247، 248.

(7) - وهو رأي الجمهور.انظر تفصيل ذلك في"شرح تنقيح الفصول ص 372، كشف الأسرار 3/ 27، المعتمد 2/ 577، الكفاية ص 432".

(8) - انظر: المسودة ص 245.

الفرق بين الخبر المتواتر والخبر المشهور أن جاحد الخبر المتواتر كافر باتفاق، وجاحد الخبر المشهور مختلف فيه. فقال الجرجاني يكفر، وهو ما نقله الكمال بن الهمام عن الجصاص، بينما نقل ابن عبد الشكور وصدر الشريعة عنه أنه لا يكفر. وقال ابن عبد الشكور:"والاتفاق على أن جاحده لا يكفر، بل يضلل". وهو ما جاء فيه"كشف الأسرار"أيضًا، وأساس الاختلاف هو اختلافهم في المشهور هل يفيد علم يقين أم علم طمأنينة؟ على قولين. أما جاحد خبر الآحاد فلا يكفر عند الأكثرين. هامش شرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 347)

(9) - انظر: جامع بيان العلم 2/ 230-236، المسودة ص 245.

(10) - انظر: المسودة ص 245.

(11) - محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار, شرح الكوكب المنير , المسمى بمختصر التحرير أو المختصر المبتكر شرح المختصر, تحقيق: محمد الزحيلي، نزيه حماد, مكتبة العبيكان, الرياض, 1993م, (ج 2 / ص 353)

(12) - مسند أحمد (17637) صحيح

(13) عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين , أخبار الآحاد في الحديث النبوي, ص282-286

(14) عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين , أخبار الآحاد في الحديث النبوي, ص 284-286.

(15) عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين , أخبار الآحاد في الحديث النبوي, ص287-288.

(16) عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين , أخبار الآحاد في الحديث النبوي, ص287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت