المبحث الخامس والعشرون
بيانُ معرفة الحقِّ بالدليل [1]
قال الإمام الرباني أبو العباس أحمد الشهير بزروق المغربي في كتابه"قواعد التصوف":
"العلماءُ مصدَّقون فيما ينقلون، لأنه موكولٌ لأمانتهم مبحوثٌ معهم فيما يقولون، لأنه نيتجةُ عقولهم، والعصمةُ غيرُ ثابتة لهم، فلزم التبصُّرُ طلبًا للحقِّ والتحقيق، لا اعتراضًا على القائلِ والناقلِ، ثم إنْ أتى المتأخِّرُ بما لم يسبقْ إليه فهو على رتبيه، ولا يلزمه القدحُ في المتقدِّم ولا إساءةُ الأدب معه؛ لأنَّ ما ثبت من عدالة المتقدَّم قاضٍ برجوعِه للحقِّ عند بيانهِ لو سمعَهُ"انتهى
وقال الأصفهاني في"أطباق الذهب في المقالة السابعة والثلاثين": الحقُّ يتضحُ بالأدلة ، والشهورُ تشتهرُ بالأهلَّة، وشفاءُ الصدور يحصل بالبلَّة ، وطالبُ الحقِّ ضيفُ الله ، والدليلُ القاطعُ سيفُ الله ، به يفكُّ العلمُ وينشرُ، وبه يبقَرُ الحقُّ ويقشَرُ،ومثلُ العلوم والبرهانِ كمثلِ المصباح والأدهانِ، الحجَّةُ للأحكام كالعمادِ للخِيام، إعصارُ الظنِّ كدرٌ كعصارةِ الدنِّ، الزمِ اليقينَ تكنْ منَ المتقين، فشواظُ الوهمِ يشوي حمامةَ القلبِ شيًّا ، { وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (28) سورة النجم"انتهى"
وفي كتاب قاموسُ الشريعة": لا يصحُّ لامرئ إلا موافقة الحقِّ، ولا يلزمُ الناسُ طاعةَ أحدٍ لأجل أنه عالمٌ أو إمامُ مذهبٍ، وإنما يلزمُ الناسُ قبولَ الحقِّ ممن جاء به على الإطلاق، ونبذِ الباطلِ ممن جاء به بالاتفاق)"
وفيه أيضًا": كلُّ مسألةٍ لم يخلُ الصواب فيها من أحدِ القولينِ ففسدَ أحدُهما لقيامِ الدليل على فساده صحَّ أن الحقَّ في الآخرِ، قال الله تعالى: { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (32) سورة يونس"
وفيه أيضًا": والذي يحرِّمُ على العالم تصنييعُ الاجتهاد والسكوتُ بعد التبصرة والإفرادُ بعد القطع، حديثُ عبادة بن الصامت: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. [2] "انتهى
وقال الإمام مفتي مكة الشيخُ محمد عبد العظيمُ بنُ ملا فروخ في رسالته"القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد"في الفصل الأول [3] ": اعلمْ أنه لم يكلف الله تعالى أحدًا من عبادة أن يكون حنفيًا أو مالكيًا أو شافعيًا أو حنبليًا ، بلْ أوجبَ عليهم الإيمانَ بما بُعثَ به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والعملَ بشريعته ،غير أن العمل بها متوقفٌ على الوقوف عليها ، والوقوفُ عليها له طرقٌ فما كان منها مما يشتركُ فيه العامَّةُ وأهلُ النظر، كالعلم بفريضة الصلاة والزكاة والحج والصوم والوضوء إجمالًا، وكالعلم بحرمة الزنا والخمر واللواطة وقتل النفس ونحو ذلك مما علِمَ من الدِّين بالضرورة فذلكَ لا يتوقفُ فيه على اتباعِ مجتهدٍ، ومذهبٍ معيَّنٍ، بل كلُّ مسلمٍ عليه اعتقادُ ذلك يجبُ عليه، فمنْ كان في العصر الأول فلا يخفى وضوحُ ذلك في حقِّه، ومَن كان في الأعصارِ المتأخرةِ فلوصولِ ذلك إلى عمله ضرورةً من الإجماع والتواترِ، والآياتُ والسنَنُ -أي الأحاديثُ الشريفةُ المستفيضةُ- المصرحةُ بذلك في حقِّ مَن وصلتْ إليه ."
وأمَّا مالا يتوصلُ إليه إلا بضربٍ من النظرِ والاستدلالِ، فمنْ كان قادرًا عليه بتوفرِ آلاتهِ وجبَ عليه فعلَهَ؛ كالأئمةِ المجتهدينَ رضوانُ الله عليهم أجمعين، ومَنْ لم يكنْ له قدرةٌ عليه وجبَ عليه اتباعُ مَن أرشدَهُ إلى ما كلِّفَ به ممنْ هو من أهلِ النظر والاجتهادِ والعدالةِ، وسقطَ عن العاجزِ تكليفُه بالبحثِ والنظرِ لعجزهِ، بقوله تبارك وتعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } (286) سورة البقرة ، وقوله عز مِنْ قائلٍ: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (43) سورة النحل، وهي الأصلُ في اعتماد التقليدِ كما أشارَ إليه المحققُ الكمالُ بنُ الهمام في التحرير.
إذا علمتَ ذلك فاعلمْ أن أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن محمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين كلٌّ كانَ من أهل الذكرِ الذين وجبَ سؤالُهم لمنْ لم يصلْ إلى درجة النظرِ والاستدلالِ، فإذا عملَ أحدُ من المقلِّدين في طهارته وصلاته أو شيء مما جرَى به التكليفُ بقولِ واحدٍ منهم مقلِّدًا له فيهِ، أو صادفَ قولَه- ولو لم يعلمْ بهِ حينَ العملِ- فقلَّده فيهِ بعد انقضائهِ على ما ظهرَ لي في المسألة، كما يدلُّ عليهِ ما استشهدَ به في المسالةِ بعد هذا، فقد أدَّى ما عليه، وليس لأحدٍ ممن هو في درجته التقليدُ له، قلتُ بلْ و لا للمجتهدِ الإنكارُ عليه كما صُرِّحَ به ( في غير كتابٍ) عندنا من تصانيفِ الصدر الشهيد حسامُ الدين وغيره من كتب المذهبِ المعتبرةِ كالتجنيس والمزيد لشيخ الإسلام برهانُ الدين صاحبُ الهداية كما نقلته بخطي عنها في مظانه، إذا ثبتَ ذلك فليسَ لحنفيٍّ أو مالكيٍّ أو شافعيٍّ من المقلِّدين أن يمتنعَ منَ الاقتداءِ بالإمامِ المخالفِ لمذهبهِ، و ليس له أن يحتجَّ بأني لما قلدتُ الشافعيَّ أو أبا حنيفةَ مثلًا فقدْ وجبَ عليَّ الحكمُ ببطلانِ ما خالفَ اجتهادَه ، لأننا نقولُ: إنما أبيحَ التقليدُ بقدْر الضرورةِ ، وذلك يندفعُ بتقليدِكَ لهُ في عملكَ وكيفيتِه فقط، وإنْ شئتَ قلْ في كيفيةِ إيقاعِ ما كلِّفتَ به فقط، وأمَّا الحكمُ ببطلانِ مخالفِه فليس ذلكَ إليكَ، بلْ للكلام مجالٌ في تسويغِ ذلكَ للمجتهدِ الذي قلَّدتَهُ.
وأمَّا أنتَ ومَن هو في مرتبتِكَ منَ المقلِّدين فقولُ كلِّ مجتهدٍ عندهُ على حدٍّ سواءٍ، إذ ليس الترجيحُ بالدليلِ من وظائفِكَ، ولكنتَ في درجتِهم ، ووجبَ عليكَ الاجتهادُ وارتفعَ التقليدُ، ولكنْ لابدَّ للعملِ في تصحيحِه من مستنَدٍ، فأنتَ استندتَ إلى إمامِكَ، ونِعمَ الإمامُ ،وهذا الآخرُ استند إلى إمامٍ في فعلِه مثلَ إمامِك، أو أعلَى منهُ، فلا يمكنُكَ الحكمَ على عملِه بالبطلانِ البتَّةَ، فلستَ حينئذٍ في تخلفِكَ عن الاقتداءِ به إلا عاملًا بمحضِ التعصُّبِ، وقد نصَّ علماؤُنا وغيرُهم من أصحاب المذاهب على حُرمةِ التعصُّبِ وتصويبِ الصلابةِ في المذهبِ، ومعنى الصلابةِ- أي الثباتُ على ما ظهرَ للمجتهدِ من الدليلِ- وليس ذلكَ إلا للمجتهدِ نفسِه ،أو لمنْ هو منْ أهلِ النظرِ ممنْ أخذَ بقولِه ، والتعصُّبُ هو الميلُ مع الهوَى لأجلِ نصرةِ المذهبِ ومعاملةِ الإمامِ الآخرِ ومقلِّديه بما يحطُّ عنهم، وقد نصَّ في جواهر الفتاوَى وغيرِها من كتب أصحابِنا أنَّ الإمامَّ الشافعيَّ رحمه الله تعالى لم يكنْ له تعصُّبٌ على أئمتِنا رحمهم الله تعالى.
وقد كانَ الصحابةُ رضي الله عنهم يقتدي بعضُهم ببعضٍ ، وكذا التابعونَ لهم وفيهم المجتهدونَ، ولم ينقَلْ عن أحدٍ من السَّلَف رحمهم الله تعالى أنه كانَ لا يرَى الاقتداءَ بمنْ يخالفُ قولَه في بعضِ المسائل، ولو في خصوصِ الطهارةِ والصلاةِ؛ بل كانَ يقتدي بعضُهم ببعضٍ، وربما اعتقدَ بعضُهم ولايةَ بعضٍ ، حتى أنَّ الشافعيَّ رضي الله عنه بعثَ يطلبُ قميصَ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل من بغدادَ يستشفي بهِ في مدةِ مرضِه بغسلهِ وشربِ مائهِ كما رأيتُه مثبتًا في مناقبِ أحمد رضي الله تعالى عنهم، يعامِلُ بعضُهم بعضًا كما يعلَمُ ذلك من سِيرهِم وأحوالِهم .
ولا يلتفتُ إلى ما قد تمسكَ به من لا معرفةَ عنده بأنَّ الاختلافَ بينهم لم يكن بينهم بهذه الصِّفة التي عليها المذاهبُ الآن، لأنا قد قررنا أن ذلك لا يمنعُ ، لأنِّ الكلَّ كانوا في طلب الحقِّ على حدٍّ متساوٍ ،واجتهادُ كلِّ واحدٍ منهم يحتملُ الخطأَ كغيره، بعد تسليمِ بلوغِهم درجةَ الاجتهادِ وإنْ تفاوتوا فيه. اهـ
وقال الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس" [4] : اعلمْ أن المقلدَ على غير ثقةٍ فيما قلَّد فيه ، وفي التقليدِ إبطالُ منفعةِ العقلِ؛ لأنه إنما خلِقَ للتأملِ والتدبرِ . وقبيحٌ بمَنْ أعطيَ شمعةً يستضيءُ بها أنْ يُطفئَها ويمشي في الظُّلْمَةِ ."
واعلمْ أنَّ عمومَ أصحابِ المذاهبِ يعظُمُ في قلوبهِم الشخصُ فيتبعونَ قولهُ منْ غيرِ تدبُّرٍ بما قالَ: وهذا عينُ الضلالِ، لأنَّ النظرَ ينبغي أنْ يكونَ إلى القولِ لا إلى القائلِ كما قالَ عليٌّ رضي الله عنه للحارثِ بن عبدالله الأعور بن حوطٍ، وقد قالَ لهُ: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطلٍ، فقال له: يا حارثُ إنه ملبوسٌ عليكَ، إنَّ الحقَّ لا يعرفُ بالرجالِ،"اعْرَفْ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ" [5]
وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقول: مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ في اعتقادهِ رجلًا ، ولهذا أخذ أحمدُ بنُ حنبل بقول زيدٍ في الجدِّ وتركَ قولَ أبي بكرِ الصديقِ رضي الله عنه ، « فإنْ قالَ قائلٌ » : فالعوامُ لا يعرفونَ الدليلَ فكيفَ لا يقلِّدون؟
فالجوابُ: - إنَّ دليلَ الاعتقادِ ظاهرٌ على ما أشرنا إليه في ذكر الدهرية، ومثلُ ذلك لا يخفَى على عاقلٍ، وأمَّا الفروعُ فإنها لمَّا كثرتْ حوادثُها واعتاصَ على العاميِّ عرفانُها وقربَ لها أمرُ الخطأِ فيها كانَ أصلحَ ما يفعلُه العاميُّ التقليدُ فيها لمَنْ قدْ سبرَ ونظرَ إلا أنَّ اجتهادَ العاميِّ في اختيارِ مَنْ يقلِّدُهُ . اهـ
قلتُ: هذا يقالُ في حقِّ القادرِ على الاستنباطِ والفهمِ من النصوصِ، فإنه يجبُ عليه هجرُ التقليدِ، وفي تقليدهِ إبطالٌ لمنفعةِ عقلِه، أمَّا العاميُّ ومَنْ في حكمه فليسَ له طريقٌ إلا التقليدَ، وهو مأمورٌ بسؤالِ العلماءِ.
وقال ابن القيم [6] :"فإذا جاءت هذه- أي النفس المطمئنة - بتجريد المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - جاءتْ تلكَ -أي الإمارةُ- بتحكيم آراءِ الرجال وأقوالهِم،فأتت بالشبهةِ المضلَّة بما يمنعُ من كمالِ المتابعةِ، وتقسم بالله ما مرادها إلا الإحسانُ والتوفيقُ واللهُ يعلم أنها كاذبةٌ، وما مرادُها إلا التفلتَ من سجنِ المتابعةِ إلى فضاءِ إرادتِها وحظوظِها وتريهِ - أي وترَى النفسُ الأمارةُ صاحبَها تجريدَ المتابعةِ للنبي صلى اله عليه وسلم وتقديمَ قولِه على الآراءِ في صورةٍ تنقصُ العلماءَ وإساءةِ الأدبِ عليهم المفضي إلى إساءةِ الظنِّ بهم، وأنهم قدْ فاتهُم الصوابُ، فكيف لنا قوةَ الردِّ عليهِم أو نحظَى بالصوابِ دونهم ، وتقاسِمُهم باللهِ إنْ أرادتْ إلا إحسانًا وتوفيقًا، {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} (63) سورة النساء . والفرقُ بينَ تجريدِ متابعةِ المعصومِ وإهدارِ أقوالِه وإلغائِها أنْ تجريدَ المتابعةِ أنْ لا تقدِّمَ على ما جاءَ بهِ قولَ أحدٍ ولا رأيَه كائنًا مَن كانَ، بل تنظرُ في صحَّةِ الحديثِ أولاَ، فإذا صحَّ لكَ نظرتَ في معناهُ ثانيا ، فإذا تبينَ لك لم تعدلْ عنه ولو خالفكَ مَن بينَ المشرقِ المغربِ، ومعاذَ اللهِ أن تتفقَ الأمةُ على مخالفةِ ما جاء بهِ نبيُّها - صلى الله عليه وسلم - ، بل لا بدَّ أن يكونَ في الأمةِ مَن قالَ به ولو لمْ تعلمْهُ، فلا تجعلْ جهلكَ بالقائلِ به حجَّةً على اللهِ ورسولهِ ، بلِ اذهبْ إلى النصِّ ولا تضعُفْ، واعلمْ أنهُ قد قالَ به قائلٌ قطعًا ، ولكنْ لم يصلْ إليكَ هذا مع حفظِ مراتبِ العلماءِ وموالاتِهم واعتقادِ حرمتِهم وأمانتِهم واجتهادِهم في حفظِ الدِّينِ وضبطهِ، فهم دائرونَ بينَ الأجرِ والأجرينِ والمغفرةِ، ولكنْ لا يوجبُ هذا إهدارُ النصوصِ وتقديمُ قولِ الواحدِ منهم عليها بشبهةِ أنهُ أعلمُ بها منكَ، فإنْ كان كذلكَ فمَنْ ذهبَ إلى النصِّ أعلمُ به منكَ، فهلَّا وافقتَه إنْ كنتَ صادقًا ؟."
فمنْ عرضَ أقوالَ العلماءِ على النصوصِ ووزنَها بها وخالفَ منها ما خالفَ النصَّ لم يهدرْ أقوالَهم ، ولم يهضمْ جانبَهم، بلِ اقتدَى بهم ، فإنهم كلَّهم أمروا بذلكَ، فمتَّبِعُهم حقًّا مَنِ امتثلَ ما أوصوا به، لا مَن خالفَهم ، فخلافُهم في القول الذي جاء النصُّ بخلافِه أسهلُ من مخالفتِهم في القاعدةِ الكليةِ التي أَمروا ودعوا إليها من تقديمِ النصِّ على أقوالِهم، ومِنْ هنا يتبينُ الفرقُ بينَ تقليدِ العالِم في كلِّ ما قالَ وبينَ الاستعانةِ بفهمِِهِ والاستضاءَةِ بنورِ علمِه ، فالأولُ يأخذُ قولَه منْ غيرِ نظرٍ فيهِ، ولا طلبٍ لدليلِه منِ الكتابِ والسنَّةِ، بلْ يجعلُ ذلكَ كالحبلِ الذي يلقيهِ في عنقِه يقلِّدهُ بهِ، ولذلكَ سمِّيَ تقليدًا بخلافِ ما استعانَ بفهمِه واستضاءِ بنورِ علمِه في الوصولِ إلى الرسولِ صلوات الله وسلامه عليه ، فإنه يجعلُهم بمنزلةِ الدليلِ إلى الدليلِ الأولِ، فإذا وصلَ إليه استغنَى بدلالتِه عنِ الاستدلالِ بغيرهِ، فمَنِ استدلَّ بالنَّجمِ على القبلَةِ فإنهُ إذا شاهدَها لم يبقَ لاستدلالهِ بالنجمِ معنًى ،قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ .
ومن هذا يتبينُ الفرقُ بين الحُكمِ المنزَّلِ الواجبِ الاتباعِ والحكمِ المؤوَّلِ الذي غايتُه أنْ يكونَ جائزَ الاتباعِ، بأنَّ الأولَ هو الذي أنزلَ الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - متلوًّا أو غيرَ متلوٍّ إذا صحَّ ، وسلِمَ منَ المعارضَةِ، وهو حكمُه الذي ارتضاهُ لعبادهِ ولا حكمَ له سواهُ، وإنَّ الثاني أقوالُ المجتهدينَ المختلفَةِ التي لا يجبُ اتباعُها ولا يكفُرُ ولا يفسُقُ مَنْ خالفَها ، فإنَّ أصحابَها لم يقولوا هذا حكمُ الله ورسولِه قطعًا، وحاشاهُم عن قولِ ذلكَ، وقد صحَّ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - النهيُ عنهُ ، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: « اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِى يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِى الْغَنِيمَةِ وَالْفَىْءِ شَىْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ » . [7]
بلْ قالوا: اجتهدنا رأيَنا فمنْ شاءَ قبِلَه ومنْ شاءَ لم يقبلْهُ، ولم يلزمْ أحدٌ منهم بقولِ الأئمةِ، قالَ الإمامُ أبو حنيفةَ: هذا رأيي فمن جاء بخير منه قبلته انتهى.
ولو كان هو عنْ حكم اللهِ لما ساغَ لأبي يوسفَ ومحمدَ وغيرهِما مخالفتُه فيه، وكذلك قال مالكٌ لمَّا استشارَهُ هارونُ الرشيدُ في أنْ يحملَ الناسَ على ما في الموطأِ فمنعَهُ من ذلك، وَقَالَ لَهُ: قَدْ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْبِلَادِ ، وَصَارَ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ .
وهذا الشافعيُّ نهى أصحابه عن تقليدِه ويوصيهِم بتركِ قولِه إذا جاءَ الحديثُ بخلافِه،وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ أَتْبَعُ مِنْ مَالِكٍ ؟ قَالَ: لَا تُقَلِّدْ دِينَك أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ ، مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ فَخُذْ بِهِ ، ثُمَّ التَّابِعِيُّ بَعْدَ الرَّجُلِ فِيهِ مُخَيَّرٌ .
وَقَدْ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالِاتِّبَاعِ فَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعَتْهُ يَقُولُ: الِاتِّبَاعُ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ هُوَ مِنْ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الْأَوْزَاعِيَّ ، وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا .
وَقَالَ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ الرِّجَالَ .
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَقَالَتَنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا .
وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَرَكَ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِقَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مِثْلِهِ ؟ .اهـ [8]
وقال الأمير عبد القادر الجزائري في مقدمة كتابه"ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"في الباب الأول -تقديم في العلم والجهل:
اعلموا: أنه يلزم العاقلُ، أن ينظر في القول، ولا ينظر إلى قائله. فإن كان القولُ حقًا، قبله، سواءٌ كان قائلُه معروفًا بالحقِّ، أو الباطلِ، فإنَّ الذهبَ يُستخرجُ من التراب. والنرجسَ، منَ البصل، والترياقَ، منَ الحيَّاتِ ويجتنَى الوردُ، منَ الشوك، فالعاقلُ: يعرفُ الرجالِ بالحقِّ، ولا يعرفُ الحقَّ بالرجالِ. والكلمةُ من الحكمةِ، ضالَّةُ العاقلِ يأخذُها من عندِ كلِّ مَن وجدها عندهُ، سواءٌ كانَ حقيرًا، أو جليلًا. وأقلُّ درجاتِ العالِم، أن يتميزَ عن العاميِّ بأمورٍ، منها:
أنه لا يعافُ العسلَ إذا وجدَه في محجمةِ الحجَّامِ، و يعرفُ أن الدمَ قذِرٌ، لا لكونِه في المحجَمةِ ولكنهُ قذرٌ في ذاتِه، فإذا عدمتْ هذه الصفةُ في العسلِ، فكونُه في ظرفِ الدمِ المستقذَرِ، لا يكسبُه تلك الصفةَ، ولا يوجبُ نفرهُ عنه. وهذا وهمٌ باطلٌ، غالبٌ على أكثر الناس. فمهما نُسِبَ كلامٌ إلى قائلٍ، حسُنَ اعتقادُهم فيه، قبلوهُ. وإنْ كان القولُ باطلًا. وإن نسِبَ القولُ، إلى من ساءَ فيه اعتقادُهم ردُّوه، وإنْ كان حقًّا ، ودائمًا يعرفونَ الحقَّ بالرجالِ، ولا يعرفونَ الرجالَ بالحقِّ، وهذا غايةُ الجهلِ والخسرانِ.
فالمحتاجُ إلى الترياقِ إذا هربتْ نفسُه منه، حيثُ علِم أنهُ مستخَرجٌ من حيَّةٍ، جاهلٌ. فيلزمُ تنبيهُه على أن نفرتَه جهلٌ محضٌ. وهو سببُ حرمانِه من الفائدةِ، التي هيَ مطلوبةٌ.
فإنَّ العالِمَ، هو الذي يسهلُ عليه إدراكَ الفرقِ بين الصدقِ والكذبِ في الأقوال، وبينَ الحقِّ والباطلِ في الاعتقاداتِ، وبينَ الجميلِ والقبيحِ في الأفعالِ.
لا بأنْ يكون ملتبسًا عليه الحقُّ بالباطلِ والكذبُ بالصدْقٍ، والجميلُ بالقبيحِ، ويصيرُ يتبعُ غيرَه، ويقلدُه فيما يعتقدُ وفيما يقولُ، فإنَّ هذه ما هي إلا صفاتُ الجهَّالِ.
والمتبوعون منَ الناس على قسمينِ: قسمٌ عالمٌ مسعِدٌ لنفسِه، ومسعِدٌ لغيره، وهو الذي عرفَ الحقَّ بالدليلِ، لا بالتقليدِ، ودعا الناسَ إلى معرفةِ الحقِّ بالدليلِ، لا بأنْ يقلدوهُ. وقسمٌ مهلكٌ لنفسِه، ومهلكٌ لغيرهِ، وهو الذي قلَّد آباءَه وأجدادَه، فيما يعتقدونَ ويستحسنونَ، وتركَ النظرَ بعقلِه، ودعا الناسَ لتقليدِه.
والأعمَى لا يصلُح أن يقودَ العميانِ، وإذا كان تقليدُ الرجالِ مذمومًا، غيرَ مرضيٍّ في الاعتقاداتِ، فتقليدُ الكتبِ، أولى وأحرَى بالذمِّ، وأنَّ بهيمةً تقادُ، أفضلُ منْ مقلِّدٍ ينقادُ، وإنَّ أقوالَ العلماءِ والمتدينينَ، متضادةٌ، متخالفةٌ في الأكثرِ، واختيارُ واحدٍ منها، واتباعُهُ بلا دليلٍ، باطلٌ ؛ لأنه ترجيحٌ بلا مرجِّحٍ، فيكونَ معارضًا بمثلِهِ.
(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 278)
(2) - صحيح مسلم (4874 )
(3) - القول السديد - (ج 1 / ص 37)
(4) - إرشاد النقاد - (ج 1 / ص 146) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 19) وإيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 113) و تلبيس إبليس لابن الجوزي - (ج 1 / ص 32)
(5) - التحبير شرح التحرير - (ج 8 / ص 4112) وإيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 113)
(6) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 113) والروح لابن القيم - (ج 1 / ص 108)
(7) - صحيح مسلم (4619 )
تخفر: تنقض العهد تغل: تسرق من الغنيمة قبل أن تقسم
(8) - إيقاظ همم أولي الأبصار - (ج 1 / ص 114) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 305) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 279)