فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 522

قال أبو بكر الجصاص رحمه الله [1] :

"مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَقْبُولَةٌ . وَكَذَلِكَ عِنْدِي: قَبُولُهُ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ , بَعْدَ أَنْ يُعْرَفَ بِإِرْسَالِ الْحَدِيثِ عَنْ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ ."

فَأَمَّا مَرَاسِيلُ مَنْ كَانَ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ مِنَ الْأُمَّةِ: فَإِنِّي كُنْت أَرَى بَعْضَ شُيُوخِنَا يَقُولُ: إنَّ مَرَاسِيلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ , لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام: أَنَّ الْكَذِبَ يَفْشُو فِيهِ , وَحَكَمَ النَّبِيُّ عليه السلام لِلْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ , لِقَوْلِهِ عليه السلام: { خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ } [2] .

قَالَ: فَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ: الْفَسَادُ وَالْكَذِبُ , لَمْ نَقْبَلْ فِيهِ إلَّا خَبَرَ مَنْ عَرَفْنَاهُ بِالْعَدَالَةِ , وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ . وَلَمْ أَرَ أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرَاسِيلِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ . [3]

وَأَمَّا عِيسَى بْنُ أَبَانَ [4] فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرْسَلَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام فَإِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ - وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - فَإِنَّ مُرْسَلَهُ مَقْبُولٌ , كَمَا يُقْبَلُ مُسْنَدُهُ , وَمَنْ حَمَلَ عَنْهُ النَّاسُ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ , وَلَمْ يَحْمِلُوا عَنْهُ الْمُرْسَلَ , فَإِنَّ مُرْسَلَهُ عِنْدَنَا مَوْقُوفٌ .

قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: فَفَرَّقَ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ: بَيْنَ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمُرْسَلَ , دُونَ مَنْ لَمْ يَحْمِلُوا عَنْهُ إلَّا الْمُسْنَدَ , وَاَلَّذِي يَعْنِي بِقَوْلِهِ: حَمَلَ عَنْهُ النَّاسُ , قَبُولَهُمْ لِحَدِيثِهِ , لَا سَمَاعَهُ , فَإِنَّ سَمَاعَ الْمُرْسَلِ وَغَيْرِ الْمُرْسَلِ جَائِزٌ .

وَقَالَ عِيسَى فِي كِتَابِهِ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ: الْمُرْسَلُ أَقْوَى عِنْدِي مِنَ الْمُسْنَدِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي , وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مُرْسَلَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ مَقْبُولٌ , مَا لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي مِمَّنْ يُرْسِلُ الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ , فَإِنَّ مَنْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ , لَا لِمُسْنَدٍ وَلَا لِمُرْسَلٍ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّ ظَاهِرَ أَحْوَالِ النَّاسِ كَانَ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ الصَّلَاحُ وَالصِّدْقُ , لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،وَمِنْ أَجْلِهِ كَانَ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه:"الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ مَجْلُودٌ فِى حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبٌ فِى شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ ظَنِينٌ فِى وَلاَءٍ أَوْ قَرَابَةٍ. [5] ".

وَكَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ:"الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مُرْسَلَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ مَقْبُولٌ , مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ رِيبَةٌ , وَكَذَلِكَ كَانَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ , فَإِنَّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ مَرَاسِيلَ غَيْرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ وَمَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ - غَيْرُ مَقْبُولٍ . وَالدَّلِيلُ عَلَى لُزُومِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي بَيَّنَّا: مَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ مِنْ عُمُومِ الْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِقَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ . مِنْهَا: قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) [البقرة/159، 160] } وَغَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ , وَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ دَلَالَتِهَا فِي وُجُوبِ الْعِلْمِ بِالْمُسْنَدِ دُونَ الْمُرْسَلِ , لِأَنَّ التَّابِعِيَّ إذَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام: كَيْتَ وَكَيْتَ , فَقَدْ بَيَّنَ , وَتَرَكَ الْكِتْمَانَ , فَيَلْزَمُ قَبُولُهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ , وَكَذَلِكَ قوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة/122] } . فَدَلَّ: عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ مِنَ التَّابِعِينَ إذَا رَجَعَتْ إلَى قَوْمِهَا فَقَالَتْ: أُنْذِرُكُمْ مَا قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام , وَأُحَذِّرُكُمْ مُخَالَفَتَهُ , قَدْ لَزِمَهُمْ قَبُولُ خَبَرِهَا , كَمَا دَلَّ عَلَى لُزُومِ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ إذَا قَالَ: قَالَ - صلى الله عليه وسلم - . وَأَيْضًا: فَلَمَّا كَانَ الْمُسْنَدُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ مَقْبُولًا , وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْسَلُ مِنْهَا بِمَثَابَتِهِ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ الْحُكْمُ بِعَدَالَةِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ , مِنْ حَيْثُ شَهِدَ النَّبِيُّ عليه السلام لِأَهْلِ عَصْرِهِ وَالتَّابِعِينَ بِالصَّلَاحِ , كَمَا شَهِدَ لِلصَّحَابَةِ , فَوَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِمْ عَلَى مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ أَمْرَ الصَّحَابِيِّ , إذْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِمْ يَقْضِي تَعْدِيلَهُمْ , بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ عليه السلام لَهُمْ بِذَلِكَ . أَلَا تَرَى: { أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا قَالَ: نَعَمْ . } [6] قَبِلَ خَبَرَهُ . وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ بِنَفْسِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ , قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا آخَرَ مِنْ أَحْوَالِهِ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ عَرَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ , لَمَا سَأَلَهُ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ لَا ؟ كَذَلِكَ يَجِبُ هَذَا الْحُكْمُ لِأَهْلِ عَصْرِ التَّابِعِينَ , بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُمْ بِهِ . فَيُقْبَلُ خَبَرُ مَنْ رَوَى عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ , مَا لَمْ يَكُنْ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ لَنَا مَعْرُوفًا بِإِرْسَالِ الْحَدِيثِ عَمَّنْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِهِ , فَإِنَّ مَنْ عَرَفْنَاهُ بِذَلِكَ لَمْ نَلْتَفِتْ إلَى خَبَرِهِ , كَمَا أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِزَوَالِ عَدَالَتِهِ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ , حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَتُهُ . وَثُبُوتُهُ كَنَحْوِ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فِسْقِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } [7] . وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: لِأَنَّ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مَنْ قَدْ أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: أَنَّهُمْ لَا يُرْسِلُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ عِنْدَهُمْ . قَالَ الْأَعْمَشُ: قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ: إنْ حَدَّثْتنِي فَأَسْنِدْ . فَقَالَ: إذَا قُلْت لَك حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: فَهُوَ الَّذِي حَدَّثَنِي , وَإِذَا قُلْت لَك: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ , فَقَدْ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ عَنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: ( كُنْت إذَا اجْتَمَعَ لِي أَرْبَعُ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكْتهمْ , وَأَسْنَدْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ) . وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , حَدِيثَ النَّبِيِّ عليه السلام { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } وَأَرْسَلَهُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ , أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ الْعَدْلُ الرَّضِيُّ , وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ أَخْبَرَهُ . فَاكْتَفَى مِنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِذَلِكَ , وَقَبِلَهُ , وَعَمِلَ بِهِ . وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَالْحَسَنُ , وَغَيْرُهُمَا , يُرْسِلُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا سُئِلُوا عَنْ إسْنَادِهِ أَسْنَدُوهُ إلَى الثِّقَاتِ , وَعَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ جَرَى أَمْرُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فِي إرْسَالِهِمْ الْأَخْبَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا , وَالْبَاقِي سَمَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ , وَلَيْسَ يَكَادُ يَذْكُرُ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام , إنَّمَا يُرْسِلُهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنه ( مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام , وَلَكِنَّا سَمِعْنَاهُ , وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا , وَلَكِنَّا لَا نَكْذِبُ ) [8] .

(1) - الفصول في الأصول - (ج 2 / ص 191) /218 /بَابٌ الْقَوْلُ فِي الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ

(2) - قلت: هو مركب من حديثين وليس حديثا واحدا

الأول مارواه البخارى (2652 ) ومسلم (6635 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ » . قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ .

والثاني عن عمر كمارواه الترمذى (2318 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِينَا فَقَالَ « أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - .

(3) - الكَرْخِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بنُ الحُسَيْنِ بنِ دَلاَّلٍ الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الزَّاهِدُ، مُفْتِي العِرَاق، شَيْخُ الخنفيَّة، أَبُو الحَسَنِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ الحُسَيْنِ بنِ دَلاَّلٍ البَغْدَادِيُّ، الكَرْخِيُّ، الفَقِيْهُ.سَمِعَ:إِسْمَاعِيْلَ بنَ إِسْحَاقَ القَاضِي، وَمُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ الحَضْرَمِيَّ، وَطَائِفَةً.حَدَّثَ عَنْهُ:أَبُو عُمَرَ بنُ حَيُّوْيَه، وَأَبُو حَفْصٍ بنُ شَاهِيْنٍ، وَالقَاضِي عَبْدُ اللهِ بنُ الأَكْفَانِي، وَالعَلاَّمَة أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الرَّازِيّ الحَنَفِيّ، وَأَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ التَّنُوْخِيُّ، وَآخَرُوْنَ.

انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِئاسَةُ المَذْهَب، وَانْتَشَرت تلاَمِذَتُهُ فِي البِلاَد، وَاشْتُهِرَ اسْمُهُ، وَبَعُدَ صيتُهُ، وَكَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العُبَّاد ذَا تهجُّد وَأَورَاد وَتَأَلُّه، وَصَبْرٍ عَلَى الفَقْرِ وَالحَاجَة، وَزُهدٍ تَامٍّ، وَوقْعٍ فِي النُّفُوْس، وَمِنْ كِبَار تَلاَمِذته أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ المَذْكُوْر، وَعَاشَ ثَمَانِيْنَ سَنَةً.

كَتَبَ إِلَيَّ المُسَلَّمُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بنُ الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُوْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّيْمَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو القَاسِمِ بنُ عَلاَّنَ الوَاسِطِيُّ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ أَبَا الحَسَنِ الكَرْخِيّ الفَالِج فِي آخِرِ عُمُرِهِ، حَضَرْتُهُ، وَحَضَرَ أَصْحَابُه:أَبُو بَكْرٍ الدَّامَغَانِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الشَّاشِي، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ البَصْرِيّ، فَقَالُوا:هَذَا مَرَضٌ يحتَاجُ إِلَى نَفَقَة وَعِلاج، وَالشَّيْخ مُقِلٌّ وَلاَ يَنْبَغِي أَن نَبذُلَه لِلنَّاسِ، فَكَتَبُوا إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَة بنِ حَمْدَان، فَأَحسّ الشَّيْخُ بِمَا هُم فِيْهِ، فَبَكَى وَقَالَ:اللَّهُمَّ لاَ تجعلْ رِزْقِي إِلاَّ مِنْ حَيْثُ عَوَّدتَنِي، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْمَل إِلَيْهِ شَيْءٌ،ثُمَّ جَاءَ مِنْ سَيْف الدَّوْلَة عَشْرَة آلاَف دِرْهَم، فتُصدِّق بِهَا عَنْهُ.تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.،وَكَانَ رَأْسًا فِي الاعتزَال - الله يُسَامحه - .سير أعلام النبلاء (15/427) (238 )

(4) - عِيْسَى بنُ أَبَانٍ فَقِيْهُ العِرَاقِ، تِلْمِيْذُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، وَقَاضِي البَصْرَةِ.حَدَّثَ عَنْ: إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ، وَهُشَيْمٍ، وَيَحْيَى بنِ أَبِي زَائِدَةَ.وَعَنْهُ: الحَسَنُ بنُ سَلاَّمٍ السَّوَّاقُ، وَغَيْرُهُ، وَلَهُ تَصَانِيْفُ وَذَكَاءٌ مُفْرِطٌ، وَفِيْهِ سَخَاءٌ وَجُودٌ زَائِدُ، تُوُفِّيَ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ. سير أعلام النبلاء (10/441) (141 )

(5) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 197) (21351) وبنحوه مرفوعا عبد الله بن عمرو في مصنف ابن أبي شيبة (ج 6 / ص 172) ( 21042 ) والصواب الوقف

(6) - سنن الترمذى (694 و695) عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلاَلَ. قَالَ « أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِى النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا » . قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلاَفٌ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ رَوَوْا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِى الصِّيَامِ . وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. قَالَ إِسْحَاقُ لاَ يُصَامُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى الإِفْطَارِ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ فِيهِ إِلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.

(7) - قال العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله:

"أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية « إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ . . . » ، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد ، أو قتادة أو ابن أبي ليلى ، أو يزيد بن رومان ، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث ، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة ، وإن الذين لهم هوى في تسويء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقاما من الوليد قد ملأوا الدنيا أخبارا مريبة ليس لها قيمة علمية . وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم ، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسمائهم ، فمن غير الجائز شرعا وتاريخا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها وترتيب الأحكام عليها . وهنالك خبران موصولان أحدهما عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة . وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة . وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم ، فلم يذكر في تهذيب التهذيب ولا في تقريب التهذيب ولا في خلاصة تذهيب الكمال ، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني ( ميزان الاعتدال ) و ( لسان الميزان ) . وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحدا واحدا فلم أجد فيها هذا الخبر ، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابتا ، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر - إن صح عنها ، ولا سبيل إلى أن يصح عنها -: إن الآية نزلت في الوليد ، بل قالت - أي قيل على لسانها -: « بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( رجلا ) في صدقات بني المصطلق » . والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس: والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه ، لأن ابن سعد لما توفي ببغداد سنة 230 كان الطبري طفلا في نحو السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلد آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها . وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم ، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلا عن أن يعرفوا شيئا من أحوالهم ( وبعد كتابة ما تقدم للطبعة الأولى من كتابنا تبين لي أن ابن سعد الذي روى عنه الطبري هو محمد بن سعد العوفي . وقد وصف الشيخ أحمد شاكر سنده بأنه « سند مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة » . انظر تفسير الطبري طبعة دار المعارف 1: 263 - 264 ) . فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مُجاهِدٌ كان موضع ثقة أبي بكر وعمر ، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله . أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن ... .العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 95) "

(8) - أثرٌ صحيح . أخرجه الرامهرمزي في"المحدث الفاصل" ( ص: 235 ) _ ومن طريقه: ابن رُشيْد في"السنن الأبين" ( ص: 117 ) _ والخطيب في"الكفاية" ( ص: 548 ) من طريق إسحاق بن منصور السلولي ، والحاكم في"المستدرك" ( 1 / 127 رقم: 438 وكما في"إتحاف المهرة"لابن حجر 2 / 512 ) والخطيب في"الجامع لأخلاق الراوي" ( رقم: 99 ) من طريق عبد الله بن مُحمد بن سالم المفْلوج ، كلاهما عن إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، قال: سمعت البراء بن عازب ، به . ( في كتابي: المحدث ، والمستدرك ، سقط ) .قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرْط الشيخين ولم يُخرجاه . ومُحمد بن سالم وابْنه عبْد الله مُحتج بهما . فأما صحيفة إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، فقد أخرجها البخاري في الجامع الصحيح".

قلت: إسناده حسن ، من أجل أن إبراهيم بن يوسف لا يتجاوز حديثه الحُسن ، وسائر الإسناد ثقات .،وإنما صححته ، لكون يوسف لم يتفرد به عن أبيه ، بل هو متابع على معناه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت