فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 522

ويتبيَّنُ بذلك صحَّةُ المرسل وما عضده [وأنَّهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق واحدة رجَّحناهما عليه بتعدُّد الطُّرق إذا تعذَّر الجمعُ بينهما.

فوائدُ:

الأولى: اشْتهرَ عن الشَّافعي أنَّه لا يحتجُّ بالمُرسل, إلاَّ مراسيل سعيد بن المُسيب.

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ [1] وفِي الْإِرْشَادِ: إنَّ ما اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ إلَّا مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي إطْلَاقِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ غَلَطٌ بَلْ هُوَ يُحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُحْتَجُّ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدٍ إلَّا بِهَا أَيْضًا ا هـ ..

قال: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي آخِرِ بَابِ الرِّبَا: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ [2] .

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ: أَعْطُونِي بِهَذِهِ الْعَنَاقِ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: لَا يَصْلُحُ هَذَا . [3]

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَرِّمُونَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ [4] , قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ.

قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه .

قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ". انتهى.

فَإذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ:"إرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ"عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ اللُّمَعِ , وَحَكَاهُمَا أَيْضًا الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابَيْهِ كِتَابِ"الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ""وَالْكِفَايَةُ [5] "وَحَكَاهُمَا جَمَاعَاتٌ آخَرُونَ .

أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهَا حُجَّةٌ عِنْدَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَرَاسِيلِ . قَالُوا: لِأَنَّهَا فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مُسْنَدَةً.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ , بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ , وَقَالُوا: وَإِنَّمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمُرْسَلِهِ , وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ جَائِزٌ .

وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ ( الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ ) وَالصَّوَابُ: الْوَجْهُ الثَّانِي , وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ مَا لَمْ يُوجَدْ مُسْنَدًا بِحَالٍ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ., وكذا قال البَيْهقيُّ [6] .

قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ لِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ , كَمَا اسْتَحْسَنَ مُرْسَلَ سَعِيدٍ , هَذَا كَلَامُ الْخَطِيبِ.

قال المُصنِّف: وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَدَّمْتُهُ ثُمَّ قَالَ: فَالشَّافِعِيُّ , يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ كِبَارِ التَّابِعِينَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , فَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ لَمْ يَقْبَلْهَا , سَوَاءٌ كَانَ مُرْسَلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَرَاسِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَقْبَلْهَا الشَّافِعِيُّ حِينَ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , وَمَرَاسِيلُ لِغَيْرِهِ قَالَ بِهَا حَيْثُ انْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا , قَالَ: وَزِيَادَةُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي هَذَا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ أَصَحُّ التَّابِعِينَ إرْسَالًا فِيمَا زَعَمَ الْحُفَّاظُ , فَهَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ وَالْخَطِيبِ , وَهُمَا إمَامَانِ حَافِظَانِ فَقِيهَانِ شَافِعِيَّانِ , مُضْطَلِعَانِ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ , وَالْخِبْرَةِ التَّامَّةِ بِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَعَانِي كَلَامِهِ , وَمَحَلُّهُمَا مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْإِتْقَانِ , وَالنِّهَايَةِ فِي الْعِرْفَانِ , بِالْغَايَةِ الْقُصْوَى , وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا.

قال: وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ( شَرْحُ التَّلْخِيصِ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ الصَّغِيرِ: مُرْسَلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ , فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْبَيْهَقِيّ وَالْخَطِيبِ وَالْمُحَقِّقِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ..

قُلْتُ: وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ مَنْ قَالَ: إنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ حُجَّةٌ بِقَوْلِهِ: إرْسَالُهُ حَسَنٌ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ , بَلْ اعْتَمَدَهُ لَمَّا انْضَمَّ إلَيْهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمَنْ حَضَرَهُ وَانْتَهَى إلَيْهِ قَوْلُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ , وَهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ , وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحُكْمَ عَنْ تَمَامِ السَّبْعَةِ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . فَهَذَا عَاضِدٌ ثَانٍ لِلْمُرْسَلِ .

, فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِمُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ , فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ إذَا أُسْنِدَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى اُحْتُجَّ بِهِ , وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ تَسَاهُلٌ ; لِأَنَّهُ إذَا أُسْنِدَ عَمِلْنَا بِالْمُسْنَدِ , فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي الْمُرْسَلِ وَلَا عَمَلَ بِهِ .

فَالْجَوَابُ: أَنَّ بِالْمُسْنَدِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الْمُرْسَلِ , وَأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ , فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ حَتَّى لَوْ عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ , وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ قَدَّمْنَاهُمَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ [7]

وقال الماوردي [8] :

"فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلٌ ، وَالْمَرَاسِيلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ حُجَّةً ، قِيلَ: أَمَّا مَرَاسِيلُ غَيْرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَلَيْسَتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِانْفِرَادِهَا حُجَّةً ، وَأَمَّا مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ بن المسيب ، فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَخَذَ بِهَا فِي الْقَدِيمِ ، وَجَعَلَهَا عَلَى انْفِرَادِهَا حُجَّةً ، وَإِنَّمَا خُصَّ سَعِيدٌ بِقَبُولِ مَرَاسِيلِهِ ، لِأُمُورٍ:"

مِنْهَا أَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُرْسِلْ حَدِيثًا قَطُّ إِلَّا وُجِدَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ مُسْنَدًا .

وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ قَلِيلَ الرِّوَايَةِ لَا يَرْوِي أَخْبَارَ الْآحَادِ ، وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَوْ رَآهُ مُنْتَشِرًا عِنْدَ الْكَافَّةِ ، أَوْ وَافَقَهُ فِعْلُ أَهْلِ الْعَصْرِ .

وَمِنْهَا أَنَّ رِجَالَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ وَرَوَى عَنْهُمْ هُمْ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ ، وَلَيْسَ كَغَيْرِهِ الَّذِي يَأْخُذُ عَمَّنْ وَجَدَ .

وَمِنْهَا أَنَّ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ سُيِّرَتْ فَكَانَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ يُرْسِلُهَا لِمَا قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ مِنَ الْأُنْسِ بَيْنَهُمَا وَالْوَصْلَةِ ، وَإِنَّ سَعِيدًا كَانَ صِهْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ابْنَتِهِ فَصَارَ إِرْسَالُهُ كَإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ: مُرْسَلُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَصَفْنَا ، اسْتِئْنَاسًا بِإِرْسَالِهِ ، ثُمَّ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَارَبَهُ مِنَ الدَّلِيلِ ، فَيَصِيرُ الْمُرْسَلُ حِينَئِذٍ مَعَ مَا قَارَبَهُ حُجَّةً .

وَالَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمُرْسَلُ حُجَّةً أَحَدَ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا قِيَاسٌ ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَإِمَّا فِعْلُ صَحَابِيٍّ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، وَإِمَّا أَنْ يَنْتَشِرَ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَافِعٍ لَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُوجَدَ دَلَالَةٌ سِوَاهُ ، وَقَدِ اتَّصَلَ بِمُرْسَلِ سَعِيدٍ هَذَا أَكْثَرُ هَذِهِ السَّبْعَةِ ، فَمِنْ ذَلِكَ إِسْنَادُ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ ، فَقَالَ أَعْطُونِي جَزُورًا بِهَذِهِ الْعَنَاقِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصْلُحُ هَذَا . فَكَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ انْتِشَارِهِ فِي النَّاسِ عَدَمَ مُعَارِضًا لَهُ وَحُصُولُ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلٌ وَكَيْدٌ فِي لُزُومِ الْأَخْذِ بِهِ"."

قال السيوطي رحمه الله:

"هذا الحديث الذي أوردهُ الشَّافعي من مراسيل سعيد يَصُلح مثالًا لأقْسَام المُرْسل المقبول, فإنَّه عضده قولُ صحابيٍّ, وأفْتَى أكثرُ أهل العلم بمقتضَاهُ, وله شَاهدٌ مُرْسل آخر, أرسله من أخذ العِلْم عن غير رِجَال الأوَّل, وشاهدٌ آخر مُسْند, فروى البَيْهقي في «المَدْخل» من طريق الشَّافعي عن مسلم بن خالد, عن ابن جُريج, عن القاسم بن أبي بَزَّة قال: قدمتُ المَدِينة فوجدتُ جَزُورًا قد جُزِرت, فجُزِّئت أربعة أجْزَاء, كل جُزء منها بِعَناقٍ, فأردتُ أن أبْتَاع منها جُزْءًا, فقال لي رجل من أهل المَدِينة: إنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُباع حي بميت. فسألتُ عن ذلك الرَّجُل فأُخبرتُ عنهُ خيرًا [9] . قال البَيْهقي: فهذا حديث أرْسَلهُ سعيد بن المُسيب, ورواه القَاسم بن أبي بَزَّة عن رَجُل من أهل المَدِينة مُرْسلا, والظَّاهر أنَّه غير سعيد, فإنَّه أشهر من أن لا يعرفه القاسم بن أبي بَزَّة المَكِّي, حتَّى يسأل عنه."

قال: وقد رويناهُ من حديث الحَسنِ, عن سَمُرة بن جُنْدب عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , إلاَّ أنَّ الحُفَّاظ اختلفُوا في سَمَاع الحسن من سَمُرة في غير حديث العَقِيقة, فمنهم من أثبتهُ, فيَكُون مِثَالًا للفصل الأوَّل, يعني ما له شاهد مُسند, ومنهم من لم يُثبته, فيكون أيضًا مُرسلا, انضمَّ إلى مرسل سعيد. انتهى.

الثَّانية: صوَّرَ الرَّازي وغيره من أهل الأصول المسنَدَ العاضدَ, بأن لا يكون مُنتهضُ الإسناد, ليَكُونِ الاحتجاج بالمجموع, وإلاَّ فالاحتجاجُ حينئذٍ بالمُسنَدِ فقط, وليسَ بمخصوص بذلك كما تقدَّم الإشارة إليه في كلام المُصنِّف. [10]

الثَّالثة: زاد الأصُوليون في الاعتضاد أن يُوافقه قِيَاسٌ, أو انتشار من غير إنكار, أو عمل أهل العصر به, وتقدَّم في كلام الماوردي ذكرُ الصُّورتين الأخيرتين, والظَّاهر أنَّهما داخلتان في قول الشَّافعي, وأفتى أكثر أهل العلم بمُقتضاهُ.

الرَّابعة: قال القاضي أبو بكر: لا أقبل المُرْسل ولا في الأماكن التي قَبِلها الشَّافعي حَسْمًا للباب, بل ولا مرسل الصَّحابي, إذا احتمل سماعهُ من تابعي.

قال: والشَّافعي لا يوجب الاحتجاج به في هذه الأماكن, بل يستحبُّه كما قال: أستحب قبوله, ولا أستطيع أن أقول: الحُجَّةُ تثبتْ به ثبوتها بالمُتَّصل. [11]

وقال غيره: فائدةُ ذلك أنَّه لو عارضهُ مُتَّصلٌ قدم عليه, ولو كان حُجَّةٌ مُطْلقًا تعارضا, لكن قال البيهقي: مُرادُ الشَّافعي بقوله: أستحبُّ, أختار, وكذا قال المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» .

الخامسة: إن لم يكن في الباب دليلٌ سوى المُرسلِ, فثلاثةُ أقوال للشَّافعي, ثالثها وهو الأظهر, يجب الانكفافُ لأجله.

السَّادس: تلخَّص في الاحتجاج بالمُرْسل عشرةُ أقوال:

حُجَّة مُطلقًا.

لا يحتجُّ به مُطلقًا.

يُحتجُّ به إن أرسله أهل القُرون الثلاثة.

يحتجُّ به إن لم يُرو إلاَّ عن عدل.

يحتجُّ به إن أرسله سعيد فقط.

يحتجُّ به إن اعْتُضد.

يحتجُّ به إن لم يكن في الباب سواه, هو أقوى من المُسند.

يحتجُّ به ندبا لا وجوبا.

يحتجُّ به إن أرسله صحابي.

السَّابعة: تقدَّم في قول ابن جرير: إنَّ التَّابعين أجمعوا على قَبُول المُرْسل, وإنَّ الشَّافعي أوَّل من أباه, وقد تنبَّه البَيْهقي لذلك فقال في «المدخل» : باب ما يُستدل به على ضَعْف المَرَاسيل بعد تغير النَّاس وظُهور الكذب والبِدَع, وأورد فيه ما أخرجه مُسلم عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ، قَالَ: لَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَمَا يُسْأَلُ عَنْ إِسْنَادِ الحَدِيْثِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، سُئِلَ عَنْ إِسْنَادِ الحَدِيْثِ، فَيُنْظَرُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، تُرِكَ حَدِيْثُهُ.." [12] "

ـــــــــــــــ

(1) - 1/101-102 و المجموع - (ج 1 / ص 61) ط دار الفكر

(2) - مر تخريجه

(3) - معرفة السنن والآثار للبيهقي (3448) وفي سنده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متروك

(4) - معرفة السنن والآثار للبيهقي (3448) وسند حسن

(5) - ص 571-572 والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي - (ج 3 / ص 405) والمجموع شرح المهذب - (ج 1 / ص 61)

(6) - في مناقب الشافعي 2/31-32

(7) - المجموع شرح المهذب - (ج 1 / ص 61-62) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 253) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 116) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 140)

(8) - الحاوي في فقه الشافعي - الماوردي - (ج 5 / ص 157) فما بعد

(9) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 5 / ص 296) (10877) فإن كان الذي قال له صحابي فالحديث قوي وإلا ففيه مبهم

(10) - واعترض البعض على كلام الزاري هذا ، فقالوا: هذا المسند العاضدُ لا بد وأن يكون صحيحًا ، وأنه هو الذي يدلُّ عليه كلام النووي وغيره ، وأنه ظاهر كلام الشافعي ، وما فهمه الناس من كلامه ..اهـ هامش تدريب الراوي 1/303

(11) - توجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 11)

(12) - القراءة خلف الإمام للبيهقي (388) وسير أعلام النبلاء (4/614) والكامل لابن عدي - (ج 1 / ص 121) وهو صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت