تنحصرُ أسباب الضعف والقدح في الرواة في فئتين:
إحداهما تضمُّ ما يقدح في العدالة: كالكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،أو التهمة به أو الكذبِ في أحاديث الناس،أو الفسق أو جهالة الراوي أو الابتداع بمكفر ونحو ذلك،فكلُّ ما كان ضعفُه ناشئًا عن مثل هذه الأسباب لا تؤثِّرُ فيه كثرةُ الطرق،ولا يرتقي عن درجة الضعف لشدةِ أسبابِ هذا الضعف،وتقاعدِ الجابر عن جبر ضعفِ المروي،نعم, قد يَرْتقي بمجموع طُرقه عن كَوْنهِ مُنْكرًا, أو لا أصل له, كما صرَّح به ابن حجر،حيث قال:"بَلْ ربَّما كَثُرت الطُّرقُ, حتَّى أوصلتهُ إلى درجة المَسْتُور, أو السَّيء الحفظ, بحيث إذا وجد له طريق آخر, فيه ضعفٌ قريبٌ مُحتمل, ارتقَى بمجمُوع ذلك إلى درجة الحَسَن.." [1]
والفئةُ الثانيةُ: ينطوي تحتها ما يقدحُ في الحفظ والضبط والاتصال،والأسباب القادحةُ فيهما: الغفلةُ وكثرةُ الغلط وسوءُ الحفظ والاختلاطُ والوهمُ،كوصل مرسل أو منقطع،فكلُّ ما كان ضعفُه بسببِ عدمِ ضبطِ راويه الصدوقِ الأمينِ،الذي لم تثلمْ عدالتُه فإنَّ كثرة الطرق تقويه،ويجبرُ ضعفُه بمجيئهِ من وجهٍ آخرَ؛ لأننا نعرفُ من الوجهِ الآخر أنَّ حفظَ راو الطريقِ الأول لم يختلَّ فيه ضبطُه وبهذا يرتقي من درجة الضعيفِ ضعفًا يسيرًا إلى درجةِ الحسَنِ لغيرهِ .
قال النووي:"الحديثُ الضعيف عندَ تعددِ الطرق يرتقي عن الضعفِ إلى الحسن،ويصير مقبولًا معمولًا به". [2]
وقال ابن تيمية:"وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُمْ ضَعِيفًا لِكَثْرَةِ الْغَلَطِ فِي حَدِيثِهِ وَيَكُونُ حَدِيثُهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاعْتِضَادِ بِهِ؛ فَإِنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ وَكَثْرَتَهَا يُقَوِّي بَعْضَهَا بَعْضًا حَتَّى قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهَا،وَلَوْ كَانَ النَّاقِلُونَ فُجَّارًا فُسَّاقًا،فَكَيْفَ إذَا كَانُوا عُلَمَاءَ عُدُولًا وَلَكِنْ كَثُرَ فِي حَدِيثِهِمْ الْغَلَطُ؟"
وَمِثْلُ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ فَإِنَّهُ مِن أَكَابِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ قَاضِيًا بِمِصْرِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ لَكِنِ احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَصَارَ يُحَدِّثُ مَنْ حَفِظَهُ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِهِ غَلَطٌ كَثِيرٌ،مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى حَدِيثِهِ الصِّحَّةُ،قَالَ:أَحْمَد: قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لِلِاعْتِبَارِ بِهِ: مِثْلَ ابْنِ لَهِيعَةَ . وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ مِنهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَمِنهُمْ مَنْ لَا يَرْوِي عَنْ هَذَا شَيْئًا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ،لَمْ يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ عَمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ [3] ؛ لَكِنْ يَرْوِي عَمَّنْ عَرَفَ مِنهُ الْغَلَطَ لِلِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاعْتِضَادِ .
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ مَنْ يُكَذِّبُ وَيقول: إنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يُكَذِّبُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يُكَذِّبُهُ،وَيُذْكَرُ عَنِ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الْكَلْبِيِّ وَيَنْهَى عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُ وَيُذْكَرُ أَنَّهُ يَعْرِفُ،وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ خَبِيرًا بِشَخْصِ إذَا حَدَّثَهُ بِأَشْيَاءَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا صَدَقَ فِيهِ وَمَا كَذَبَ فِيهِ بِقَرَائِنَ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا . وَخَبَرُ الْوَاحِدِ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَدَقَ،أَوْ تَقْتَرِنُ بِهِ الْقَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَذَبَ" [4] ."
وقال السخاوي:"ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف،فإنَّ الاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر،ولو كان ضعيفًا كما قاله الشافعي والجمهور،وكذلك يقوَى الحديثُ إنْ كان له متابعٌ مثلُه فأكثرُ،أو كان لهُ شاهدٌ بلفظهِ أو معناهُ،أو آيةٌ قرآنيةٌ،أو عمِلَ بهِ كثيرٌ منَ العلماء السابقينَ،أو تلقَّوهُ بالقبولِ ونحو ذلك .." [5] .
ـــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 69 ) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي- (ج 1 / ص 119 )
(2) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 69 ) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر- (ج 1 / ص 12 ) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر- (ج 1 / ص 297 )
(3) - قلت: هذا في حدود علم الإمام ، وإلا فقد روى عن محمد بن القاسم الأسدي ، وهو متهم انظر مسند أحمد (21399 ) .
(4) - مجموع الفتاوى- (ج 18 / ص 26 )
(5) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 69 ) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث- (ج 1 / ص 66 ) الشاملة2 وأصول الحديث 349-350 وتدريب الراوي ص 104 و فتح المغيث 1/42-43 وقواعد التحديث 109-110 والرسالة للشافعي 461-462 و شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر- (ج 1 / ص 408 )