المقدمة الثانية عشرة
التيقظ إلى ما يقع أحيانًا من المبالغة في صيغة النقد
وذلك كاستعمال العبارات المشعرة بشدة جرح الراوي ، كأن يحمل خطأه على الكذب ، وإنما هو الوهم ، أو يحمل منكرًا رواه ، عليه ، وإنما هو التدليس .
مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: قلت لأبي: كان يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب ، فعظم ذلك عنده جدًا ، قال:"هؤلاء - يعني أهل حران- يحملون عليه ، كان أبو قتادة يتحرى الصدق ، لربما رأيته يشك في الشيء"، وأثنى عليه وذكره بخير . قال أحمد:"لعله كبر واختلط ، الشيخ وقت ما رأيناه كان يشبه الناس ما علمته ، كان يتحرى الصدق". وقال:"أظن أبا قتادة كان يدلس" [1] .
قلت: وفي هذا كذلك فرق ما بين نعت الناقد العارف بهذا الشأن وأدبه ، وغيره ، فيعقوب بن إسماعيل هذا ليس معدودًا فيمن يعرف هذا الشأن .
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب ؟ قال:"معاذ الله ، ولكنه كان يخطئ" [2] .
وكان يحيى بن معين ربما بالغ في عبارة النقد ، فكن يقظًا لذلك .
وذلك كقوله وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح ، فقال له رجل: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي ؟ فقال:"من قدم عبد الرحمن على وكيع - فدعا عليه - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" [3] .
فهذا مما عيب على يحيى ، وأنكر منه .
قال يعقوب بن سفيان:"كان غير هذا الكلام أشبه بكلام أهل العلم ، ومن حاسب نفسه وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا" [4] .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: سُئِلَ أَبُو دَاوُدَ: أَيُّمَا أَحْفَظُ: وَكِيْعٌ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ؟
قَالَ: وَكِيْعٌ أَحْفَظُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَتْقَنُ، وَقَدِ التَقَيَا بَعْدَ العِشَاءِ فِي المَسْجَدِ الحَرَامِ، فَتَوَاقَفَا، حَتَّى سَمِعَا أَذَانَ الصُّبْحِ.
عَبَّاسٌ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: سَمِعَا يَحْيَى يَقُوْلُ: مَنْ فَضَّلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَهْدِيٍّ عَلَى وَكِيْعٍ، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ.
قُلْتُ: هَذَا كَلاَمٌ رَدِيءٌ، فَغَفَرَ اللهُ لِيَحْيَى، فَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَعْلَمُ الرَّجُلَيْنِ، وَأَفْضَلُ، وَأَتْقَنُ، وَبِكُلِّ حَالٍ هُمَا إِمَامَانِ نَظِيْرَانِ." [5] ."
ـــــــــــــــ
(1) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 1533 ) ، ومعناه في ( النص: 216 ، 1065 ) .
(2) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 3638 ) .
(3) - تاريخ يحيى بن مَعين ( النص: 2677 ) .
(4) - المعرفة والتاريخ ( 1 / 728 ) .
(5) - سير أعلام النبلاء ( 9 / 152 ) .