سوء الحفظ باعتبار أثره على حديث الراوي درجات متفاوتة ، محصورة في الجملة في قسمين:
القسم الأول: اختلال الضبط بما لا يسقط به الراوي
وتحته أربعة أصناف من الرواة:
الصنف الأول: من غلب ضبطه ، واعتراه الوهم والخطأ في اليسير من حديثه:
تقدم أنه ليس من شرط الثقة أنه لا يخطئ ، وأن الخطأ لا تعصم منه نفس بشر ، وإنما العبرة بغلبة الحفظ ، وندرة الخطأ أو قلته .
فمن أمثلة في الثقات:
1 -فراس بن يحيى المكتب .
قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن فراس المكتب ؟ فقال:"ما بلغني عنه شيء ، ولا أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء" [1] .
ولذا اتفق على توثيقه النقاد: أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبو حاتم الرازي ، والنسائي ، ومحمد بن سعد ، والعجلي ، وابن حبان ، وغيرهم ، ولم يضعفه أحد لروايته حديثًا منكرًا ؛ نظر لكثرة ما حدَّث به ، وغاية ما جرح به قول يعقوب بن سفيان:"في حديثه لين ، وهو ثقة" [2] ، وكأنه اطلع على كلمة يحيى القطان فلينه قليلًا مع توثيقه .
2 -إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل المروزي .
كان ثقة في الحديث ، ما عيب عليه إلا في رأيه في مسألة القرآن [3] ، لكن قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه ؟ فقال:"كان عندي أنه لا يكذب"، فقيل له: إن أبا حاتم قال: ما مات حتى حدث بالكذب ، فقال:"حدث بحديث منكر" [4] .
قلت: فهذا إن سلم فإنه لم يتجاوز الحديث اليسير الذي لا يؤثر على ثقته في الجملة وصحة حديثه .
3 -الحسن بن سوار البغوي .
هو صدوق ثقة ، لكنه حدث بحديث واحد بإسناد منكر .
فقد قال الحافظ أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: ( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت ) أعده علي ، وكان قد حدثتني به قبل هذه المرة بسنتين . قال: نعم ، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي ، عن ضمضم بن جوس ، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب ، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت على ناقة ، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك .
قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ؟ فقال:"هذا الشيخ ثقة ثقة ، والحديث غريب"، ثم أطرق ساعة ، وقال:"أكتبتموه من كتاب ؟"، قلنا: نعم [5] .
وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ الْبَغَوِيُّ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَةٍ لَا ضَرَبَ وَلَا طَرَدَ وَلَا إِلَيْكِ إِلَيْكِ"وَلَا يُتَابَعُ الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَوَّارٍ هَذَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَحَادِيثُ مُسْتَقِيمَةٌ ، وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَهُوَ مُنْكَرٌ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى النَّهْرُتِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ: أُلْقِيَتْ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: أَمَّا الشَّيْخُ فَثِقَةٌ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمُنْكَرٌ ، قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ قُرَّانُ بْنُ تَمَامٍ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَائِلٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيِّ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَكَذَا وَلَمْ يُتَابَعُ عَلَيْهِ قُرَّانُ وَرَوَى النَّاسُ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَائِلٍ الثَّوْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى نَاقَةٍ بِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ عَنْ أَيْمَنَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ بِإِسْنَادِ صَالِحٍ [6] .
وأنكر هذا الحديث غير أحمد من الحفاظ: علي بن المديني ، وظاهر صنيع البخاري [7] ، والعقيلي [8] .
وذلك أن صواب الإسناد لهذا الحديث عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ ، لاَ ضَرْبَ ، وَلاَ طَرْدَ ، وَلاَ إلَيْكَ إلَيْكَ. [9] .
فهؤلاء النقلة وشبههم لا يتوقف عن شيء من حديثهم حتى يقوم برهان على خطأ أحدهم في شيء معين من ذلك ، ولا يلحقون بالمجروحين ، بل هم ثقات ، إنما يردُّ عين ما أخطأ فيه أحدهم ، لا سائر حديثه .
كما تقدم أن الثقات درجاتٌ ، والراوي الصدوق نازلُ عن درجة الثقة العليا لنزول درجته في الحفظ لكنا لا نسقط حديثه .
ومن أمثلة هذا الصنف: ( محمد بن مصعب القرفساني ) ، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه ؟ فقال:"صدوق في الحديث ، ولكنه حدث بأحاديث منكرة"، قلت فليس هذا مما يضعفه ؟ قال: نظن أنه غلط فيها". قال: سألت أبي عنه فقال:"ضعيف الحديث"، قلت له: إن أبا زرعة قال كذا ، وحكيت له كلامه ، فقال:"ليس هو عندي كذا ، ضعف لما حدث بهذه المناكير" [10] ."
وقال العقيلي: مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ كَانَ بِبَغْدَادَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ ، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ: كَانَ لِي رَفِيقٌ , وَكَانَ غَزَا كَثِيرًا . فَحَدَّثَنَا يَوْمًا عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ , قَالَ: يَحْيَى , فَقُلْتُ: أَنَا لِمُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ هَذَا يَرْوِيهِ , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مِنْ قَوْلِهِ , فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتُهُ , ثُمَّ قَالَ: إِنَّ يَحْيَى لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ , وَسَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ مُحَمَّدَ بْنَ مُصْعَبٍ , فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ . وَحَدَّثَنَا لَهُ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ , رَوَى عَنِ ابْنِ الْأَشْهَبِ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ , وَإِنَّمَا هَذَا عَنْ أَبِي رَجَاءٍ أَنَّهُ نَهَى , عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ , فَقَالَ: هُوَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , وَقَدْ رَوَاهُ سَلْمُ بْنُ زُرَيْرٍ , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ , عَنْ عِمْرَانَ , وَلَمْ يَرْفَعْهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى ، يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ , لَا تُبَالِي أَنْ لَا تَرَاهُ , وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعْرَفُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ بَحْرٍ السَّقَّاءِ . [11]
فمثل هذا لا يلغي وصف الراوي بالصدق ، ويبقيه في منزلة التوثيق وقبول الحديث ، لكن ينظر في حديثه ويتأنَّى فيه حتى تزول شبهة النكارة عن حديثه المعين الذي يرويه .
وهذا الشأن فيمن ثبت أنه وقعت في حديثه بعض المناكير بسبب سوء الحفظ .
أما من ادعي ذلك عليه ولم يوقف منه على شيء من ذلك ، فهذا باق على مطلق الثقة وصحة حديثه .
وهذا مثل ( محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ) ، وقد قال فيه علي بن المديني:"كان عندنا ثقة ، وقد أنكرت عليه أحاديث" [12] ، فهذا الإنكار لا أثر له ، وابن المديني لم يعتد به ، وكذلك جرى غيره من النقاد على توثيقه .
الصنف الثاني: من كان ضابطًا لكتابه ، غير ضابط إذا حدَّث من حفظه .
إذا كان الراوي المعروف بسوء الحفظ رجع إلى كتاب صحيح ، فكان يحدث من كتابه ، فحديثه من الكتاب صحيح ، ويردُّ من حديثه ما كان حدَّث به من حفظه .
وذلك مثل ( شريك بن عبد الله القاضي ) ، فقد كان كثير الحديث جدًا ، لكنه سيىء الحفظ ، وحديثه القديم صحيح مطلقًا ، أما ما لم يتبين منه فهو ضعيف لسوء حفظه ، إلا ما كان من كتابه فهو صحيح .
قال الحافظ قَالَ ابْنُ عَمَّارٍ:"شَرِيكٌ كُتُبُهُ صِحَاحٌ , فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنْ كُتُبِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ"قَالَ: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ شَرِيكٍ مِنْ كِتَابِهِ إِلَّا مِنْ إِسْحَاقَ [13] الْأَزْرَقِ" [14] ."
قلت: وقد يتكلم في الراوي لمثل هذه العلة ، لكنه يعرف بتعاهد كتابه ، فمثل يغلب في حديثه جانب الثقة .
وذلك مثل: ( همام بن يحيى العوذي البصري ) ، فقد كان ثقة صادقًا ، لكنه كان سيىء الحفظ ، يغلط إذا حدث من حفظه .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ المِنْهَالِ: سَمِعْتُ يَزِيْدَ بنَ زُرَيْعٍ يَقُوْلُ:هَمَّامٌ حِفْظُه رَدِيْءٌ، وَكِتَابُهُ صَالِحٌ. [15] ،
وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ ,: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الرَّأْسَ , يَسْأَلُ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: مَا تَقُولُ فِي هَمَّامٍ فَقَالَ:"كِتَابُهُ صَالِحٌ وَحِفْظُهُ لَا يَسْوَى شَيْئًا" [16]
وقال أبو حاتم الرازي:"ثقة صدوق في حفظه شيء" [17] .
قلت: لكنه كان يتعاهد كتابه ويرجع إليه ، فاندفع ما يخشى من سوء حفظه .
قال أحمد بن حنبل:"من سمع من همام بأخرة هو أصح ، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة ، فكان يحدثهم من كتابه ، فسماع عفان وحبان وبهز أجود من سماع عبد الرحمن ؛ لأنه كان يحدثهم ( يعني لعبد الرحمن ، أي أيامهم ) من حفظه ."
قَالَ عَفَّانُ: ثنا هَمَّامٌ , يَوْمًا بِحَدِيثٍ , فَقِيلَ لَهُ فِيهِ , فَدَخَلَ فَنَظَرَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ:"أَلَا أُرَانِي أُخْطِئُ , وَأَنَا لَا أَدْرِي ، فَكَانَ بَعْدُ يَتَعَاهَدُ كِتَابَهُ"" [18] ."
قلت: لكن تبقى حاجة إلى اعتبار هذا الوصف فيه ، فإن بيَّن أن ذلك الحديث من كتابه ، فهو صحيح ، لكن إن لم يبين فربما كان قد استثبته من كتابه وربما اعتمد فيه على مجرد حفظه ، غير أن هذا لا يوجب التوقف عن قبول خبره ، إنما يوجب الاحتياط فيه ، فيبحث فيه عن وهمه وخطئه ، فإن عدم فحديثه صحيح ، وهكذا ما احتج به الشيخان من حديثه ، وذلك من أجل ما عرف به من الصدق والأمانة والحرص على التثبت في الرواية ، فذلك يجعله في محل من يقبل حديثه.
الصنف الثالث: من تميز ضبطه في حال ، وسوء حفظه ولينه في حال .
وهذا جرح نسبي ، لا يسقط بالراوي جملة ، وإنما حيث تميز ما يتقنه من غيره ، قبل المحفوظ ، وطرِحَ ما سواه ، وهنا يجب أن تتنبه إلى أن بعض النقاد ربما أطلق وصف الضعف على من هذا نعته ، فظنَّ من لا خبرة له أنه ضعيف مطلقًا ، وليس كذلك .
ولهذا الصنف صور:
الصورة الأولى: أن يكون ضابطًا إلا في حديث بعض الشيوخ .
مثل ( عبد الرزاق بن عمر ) ثقة إلا عن الزهري .
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر - أو قيل له -: فعبد الرزاق بن عمر ؟ فأخبرنا أنه سمع سعيد بن عبد العزيز يقول:"ذهبت أنا وعبد الرزاق بن عمر إلى الزهري ، فسمعنا منه"، فحدثنا أبو مسهر أن عبد الرزاق بن عمر أخبره من بعد ما أخبرهم سعيد ما أخبرهم ، من حضوره معه عند الزهري: أنه ذهب سماعه من الزهري . قال أبو مسهر: ثم لقيني عبد الرزاق بعد ، فقال: قد جمعتها ، من بعد ماأخبره أنها ذهبت ، فقال لنا أبو مسهر:"فيترك حديثه عن الزهري ، ويؤخذ عنه ما سواه"، قلت لأبي مسهر: يحدث عن إسماعيل بن عبيد الله ، فقال:"ثقة"يعني في إسماعيل بن عبيد الله وغيره خلا الزهري ، يعني لذهابها ، أو لأنه تتبعها بعد ذهابها [19] .
ومثل ( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي ) ثقة عن شيوخه من أهل بيته ، لين عن غيرهم ، وكان أيضًا قد اختلط .
قال الدارقطني:"إذا حدث عن أبي إسحاق وعمرو بن مرة والأعمش فإنه يغلط ، وإذا حدث عن معن والقاسم وعون فهو صحيح ، وهؤلاء هم أهل بيته" [20] .
ومثل ( عكرمة بن عمار ) ، صدوق عن إياس بن سلمة ، لين عن غيره .
قال أحمد بن حنبل:"مضطرب عن غير إياس بن سلمة ، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح" [21] ، وقال:"أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ، ليس بصحاح"قال له عبد الله ابنه: من عكرمة أو من يحيى ؟ قال:"لا ، إلا من عكرمة"، وقال:"أتقن حديث إياس بن سلمة" [22] .
ومثل ( جرير بن حازم ) ثقة إلا عن قتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري ، فكان سيىء الحفظ .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى ( يعني ابن معين ) عن جرير بن حازم ؟ فقال:"ليس به بأس"، فقلت له: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير ؟ فقال:"ليس بشيء ، هو عن قتادة ضعيف" [23] .
وقال ابن عدي:"وجرير بن حازم له أحاديث كثيرة عن مشايخه وهو مستقيم الحديث صالح فيه الا روايته عن قتادة فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره وجرير عندي من ثقات المسلمين حدث عنه الأئمة من الناس أيوب السختياني وابن عون وحماد بن زيد والثوري والليث بن سعد ويحيى بن أيوب المصري وابن لهيعة" [24] .
وقال مسلم بن الحجاج:"وجرير لم يعن في الرواية عن يحيى ، إنما روى من حديثه نزرًا ، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة ، وقد يكون من ثقات المحدثين من تضعف روايته عن بعض رجاله" [25] .
ومثل ( حماد بن سلمة ) ، فقد كان من أثبت الناس في ثابت البناني ، لكن قال مسلم:"وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت ، كحديثه عن قتادة وأيوب ويونس وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد وعمرو بن دينار وأشباههم ، فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا" [26] .
قال ابن عدي: ولحماد بن سلمة هذه الأحاديث الحسان والأحاديث الصحاح التي يرويها عن مشايخه ،وله أصناف كثيرة كتاب ومشايخ كثيرة وهو من كثرة المسلمين وهو كما قال علي بن المديني من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين وهكذا قول أحمد بن حنبل فيه". [27] "
وقال الذهبي [28] :
"قَالَ أَحْمَدُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِثَابِتٍ البُنَانِيِّ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، وَهُوَ أَثْبَتُهُم فِي حُمَيْدٍ الطَّوِيْلِ."
وَرَوَى: إِسْحَاقُ الكَوْسَجُ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ، قَالَ: حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: ثِقَةٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: هُوَ عِنْدِي حُجَّةٌ فِي رِجَالٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِثَابِتٍ البُنَانِيِّ، وَعَمَّارِ بنِ أَبِي عَمَّارٍ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي حَمَّادٍ، فَاتَّهَمُوْهُ فِي الدِّيْنِ.
قُلْتُ: كَانَ بَحْرًا مِنْ بُحُورِ العِلْمِ، وَلَهُ أَوهَامٌ فِي سَعَةِ مَا رَوَى، وَهُوَ صَدُوْقٌ، حُجَّةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - وَلَيْسَ هُوَ فِي الإِتقَانِ كَحَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَتَحَايدَ البُخَارِيُّ إِخرَاجَ حَدِيْثِهِ، إِلاَّ حَدِيْثًا خَرَّجَه فِي الرِّقَاقِ، فَقَالَ:قَالَ لِي أَبُو الوَلِيْدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ.
وَلَمْ يَنحَطَّ حَدِيْثُه عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ.
وَمُسْلِمٌ رَوَى لَهُ فِي الأُصُوْلِ، عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ، لِكَوْنِهِ خَبِيْرًا بِهِمَا.""
الصورة الثانية: أن يكون متقنًا فيما حدث به في بلد ، دون ما حدث به في غيره .
وذلك من أجل عدم التمكن في غير بلده ، يخطئ لذلك .
مثل ( شبيب بن سعيد الحبطي ) ، قال علي بن المديني:"بصري ثقة ، كان من أصحاب يونس [29] ، كان يختلف في تجارة إلى مصر ، وكتابه كتاب صحيح ، قد كتبته عن ابنه أحمد." [30] .
قال ابن عدي:"عنده عن يونس عن الزهري ، وهي أحاديث مستقيمة ، وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير ، وكأن شبيبًا إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة يونس عن الزهري إذ هي أحاديث مستقيمة ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير ، ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب ومن حفظه ؛ فيغلط ويهم ، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب" [31] .
وتكلم فيما حدث به ( محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ) في العراق دون الحجاز [32] .
الصورة الثالثة: أن يكون متقنًا فيما حمله من حديث أهل بلده دون غيرهم .
وهذا متصور من أجل اعتناء الراوي بحديث أهل بلده فيتقن حفظه ، دون ما حدث به عن غيرهم .
وذلك مثل ( إسماعيل بن عياش الحمصي ) ، قال يحيى بن معين:"إذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح ، وإذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت" [33] .
وقال ابن عدي بعد أن ذكر طائفة من حديثه عن غير أهل بلده الشاميين:"هذه الأحاديث من أحاديث الحجاز ليحيى بن سعيد ، ومحمد بن عمرو ، وهشام بن عروة ، وابن جريج ، وعمر بن محمد ، وعبيد الله الوصافي ، وغير ما ذكرت من حديثهم ، ومن حديث العراقيين ، إذا رواه ابن عياش عنهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه ، إما أن يكون حديثًا موصولًا يرسله ، أو مرسلًا يوصله ، أو موقوفًا يرفعه ، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم الحديث ، وفي الجملة: إسماعيل بن عياش ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة" [34] .
ومن هؤلاء ( بقية بن الوليد الشامي ) ، قال ابن عدي:"قال ابن عدي: ولبقية حديث صالح غير ما ذكرناه ففي بعض رواياته يخالف الثقات ،وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت ،وإذا روى عن غيرهم خلط كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشامين فهو ثبت وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم ،قال الشيخ قد تقدم ذكري في ذلك أن صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشاميين فهو ثبت وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه ،وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم وربما كان الوهم من الراوي عنه ،وبقية صاحب حديث ومن علامة صاحب الحديث أنه يروي عن الكبار والصغار ويروي عنه الكبار من الناس وهذا صورة بقية" [35] .
الصورة الرابعة: أن يكون ثقة مقبولًا في أحاديث الرقائق والمواعظ ، دون الأحكام .
وهذه الصورة راجعة في الأصل إلى تسهل أهل الحديث في روايات المعروفين بالصدق في غير ما يثبت حكمًا أو أصلًا ، لعلة أن الأحكام مما تتوافر الهمم على حفظه ، فكونه لا يأتي إلا من طريق من في حفظه ضعف ، فذلك شبهة على عدم إتقانه ، بخلاف أبواب الرقائق وشبهها فالشواهد لها في الأصل قائمة ، فالراوي المتكلم في حفظه لا يأتي فيها بما لا يحتمل مثله .
(1) - تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 285) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 7 / ص 91) (514)
(2) - تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 285)
(3) - وَذلك أنه كان يتوقف في القرآن حينَ وقَعت المِحنةُ به ، لا يقول: مَخلوقٌ ، ولا غيرُ مخلوق .
(4) - تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 286) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 2 / ص 210) (715 )
(5) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 2 / ص 102) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 286) وتهذيب التهذيب - (ج 2 / ص 246) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 6 / ص 170)
(6) - الضعفاء للعقيلي ( 364 )
(7) - العلل الكبير ، للترمذي ( 1 / 385 ) .
(8) - في"الضعفاء"له ( 1 / 228 ) .
(9) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 642) (13927 ) وهو صحيح
(10) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 8 / ص 103)
(11) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 8 / ص 103) الكامل لابن عدي - (ج 6 / ص 265) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 26 / ص 462) وضعفاء العقيلي - (ج 4 / ص 139)
(12) - سؤالات ابن أبي شيبة ( النص: 110 ) .
(13) - هُوَ أبو مُحَمَّد إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشي الواسطي المخزومي المعروف بالأزرق: ثقة ، ولد سنة ( 117 هـ ) ، وتوفي سنة ( 195 هـ ) .تهذيب الكمال 1/203 ( 389 ) ، وسير أعلام النبلاء 9/171 ، والتقريب ( 396 ) .
(14) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 332 ) ( 686 ) وإسناده صحيح .
(15) - أخرجه ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 4 / 108 ) والعُقيلي ( 4 / 367 ) والخطيب في"الكفاية" ( ص: 332 ) وسير أعلام النبلاء (7/301) وإسناده صحيح .
(16) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 685 )
(17) - الجرح والتعديل ( 4 / 109 ) .
(18) - سؤالات أبي داود السجستاني لأحمد ( النص: 490 ) وأخرج الخطيب في"الكفاية" ( ص: 32 ) منه قصة عفان من طريق أبي داود ، ونقل عبد الله بن أحمد عن أبيه نحوَ ذلك في"العلل" ( النص: 682 - 683 ) ومن طريقه: الخطيب في"الجامع" ( رقم: 1027 ) .
قلت: عفان هوَ ابنُ مُسلم ، وحبان هوَ ابن هلال ، وبهْزٌ هوَ ابن أسد .
(19) - تاريخ أبي زُرعة الدمشقي ( 1 / 378 ) .
(20) - سؤالات السلمي للدارقطني ( النص: 255 ) .
(21) - العلل ومعرفة الرجال ، لأحمد بن حنبل ( النص: 733 ) .
(22) - العلل ( النص: 3255 ) .
(23) - العلل ومعرفة الرجال ، رواية: عبد الله عن أبيه وزياداته عن غيره ( النص: 3912 ) .
(24) - الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 130)
(25) - التمييز ، لمسلم ( ص: 217 ) .
(26) - التمييز ، لمسلم ( ص: 218 ) .
(27) - الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 266)
(28) - سير أعلام النبلاء (7/447) وتهذيب التهذيب - (ج 3 / ص 14)
(29) - هوَ ابنُ يزيد الأيلي .
(30) - ميزان الاعتدال - (ج 2 / ص 262) والكامل لابن عدي - (ج 4 / ص 30) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 12 / ص 361) وتهذيب التهذيب - (ج 4 / ص 269)
(31) - المصادر السابقة
(32) - التمييز ، لمسلم بن الحجاج ( ص: 191 ) .
(33) - أخرجه ابن حبان في"المجروحين" ( 1 / 77 ) وإسناده لا بأس به .
(34) - الكامل لابن عدي - (ج 1 / ص 300) و تهذيب الكمال للمزي - (ج 3 / ص 180)
(35) - الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 80) وميزان الاعتدال - (ج 1 / ص 337) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 4 / ص 198) وتهذيب التهذيب - (ج 1 / ص 417)