إن الحافظ الخليلي لم يقصد بالتفرد تفردا مطلقا بحيث يتضمن ما تفرد به إمام متقن ومن دونه، وإنما أراد به تفردا خاصا ينفرد به شيخ، وهو دون مرتبة الأئمة والحفاظ، يقول الحافظ ابن رجب:
''ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره ، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات أو أفراد إمام عن الحفاظ والأئمة صحيح متفق عليه، ومثله بحديث مالك في المغفر. اهـ [1] .
فالحافظ الخليلي لا يعتبر تفردات الأئمة أو الثقات الحفاظ المشهورين شواذ ، كما هو ظاهر من تعريفه للشاذ ، ويشهد له ما صرح به في مسألة الأفراد: وأما الأفراد فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه - كحديث مالك عن الزهري في قصة المغفر - فهذا وأمثاله من الأسانيد متفق عليها [2] .
على أنه لم يشترط في صحة الحديث والاحتجاج به تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند ، وهذا لم يعرف إلا عن الخوارج وطوائف من أهل البدع .
فمراده واضح بقوله في تعريف الشاذ، إنه تفرد خاص ينفرد به الشيوخ، ويثير ذلك التفرد في قلب الناقد ريبة حول ضبط الراوي المتفرد .
وعليه فلا يبقى هنا مجال للاعتراض عليه بأنه يلزم من تعريفه للشاذ أن يدخل تفردات الثقات المعروفين التي اتفق على صحتها والاحتجاج بها الشيخان، كحديث: ''إنما الأعمال بالنيات ''وغيره من الأحاديث الكثيرة المخرجة في الصحيحين ، مع أنها أفراد تفرد بها الثقات.
وقد اعترض عليه بها بعض المتأخرين كابن الصلاح والنووي والحافظ ابن حجر وغيرهم، حين نظروا إلى قول الخليلي كتعريف ، إذ التعريف ينبغي أن يكون جامعا مانعا وواضحا وموجزا، كما هو معروف في علم المنطق، ولا ينفع القول في التعريف أن صاحبه قصد المعنى المطلوب، وإن لم يكن ذلك واضحا من التعريف.
وهذا النوع من التفرد لا يختلف الإمام الشافعي مع غيره من الحفاظ في عدم الاحتجاج به، كما أن الحفاظ الذين نقل عنهم الخليلي معنى الشاذ لا يختلفون مع الإمام الشافعي في عدم الاحتجاج بالحديث الشاذ الذي فيه مخالفة لما هو أرجح ، لأنه إذا كان الحديث الغريب الذي ليس له أصل غير مقبول عندهم ، فإن الذي خالف الواقع يكون من باب أولى أن لا يقبلوا ذلك الحديث لظهور خطأ فيه، وأما الخليلي فقد يقبله، إذ من رأيه أن يقبل زيادة الثقة مطلقا [3] .
3-حكم الشاذ عند الحاكم
أما الحاكم فقد أراد بالشاذ ما هو أدق وأغمض من الحديث المعلول، إذ إنه فرق بينهما بقوله:
'' هَذَا النَّوْعُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الشَّاذِّ مِنَ الرِّوَايَاتِ ، وَهُوَ غَيْرَ الْمَعْلُولِ ، فَإِنَّ الْمَعْلُولَ مَا يُوقَفُ عَلَى عِلَّتِهِ ، أَنَّهُ دَخَّلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ ، أَوْ وَهِمَ فِيهِ رَاوٍ أَوْ أَرْسَلَهُ وَاحِدٌ ، فَوَصَلَهُ وَاهِمٌ ، فَأَمَّا الشَّاذُّ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ مُتَابِعٌ لِذَلِكَ الثِّقَةِ '' . [4]
يقول الحافظ ابن حجر معلقا عليه: ''وهو على هذا أدق من المعلل بكثير ، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة، وأسقط الزين العراقي من قول الحاكم قيدا لا بد منه ، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك'' [5] .
وهذا القيد - وإن لم يصرح به الحاكم - فإنه يفهم من سياق كلامه، والأمثلة التي ساقها للحديث الشاذ.
يقول السخاوي: والشاذ لم يوقف له على علة ، وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (يعني المعلول) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والملكة القوية بالأسانيد والمتون ، وهو كذلك، بل الشاذ أدق من المعلل بكثير اهـ [6] .
فمقصود الحاكم بقوله: ''الشاذ غير المعلول'' أنه غير واضح العلة، ولا يعني أنه نوع منفصل عن العلة.
كما أن الحاكم ( رحمه الله ) لم يرد بقوله في الشاذ تفردا مطلقا، وإنما أراد نوعا خاصا من تفردات الثقات مما يتوقف الناقد الجهبذ عن قبوله والاحتجاج به لوجود الوهم فيه ، والدليل على ذلك ما شرحه في قسم الغريب والأفراد ، وهذا نصه:
'' ذِكْرُ النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْغَرِيبِ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ ضِدَّ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَنَوْعٌ مِنْهُ غَرَائِبُ الصَّحِيحِ ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا 189 حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَيْمَنُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:"كُنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَعَرَضَتْ فِيهِ كَذَّانَةٌ وَهِيَ الْجَبَلُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّانَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"رُشُّوا عَلَيْهَا", ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَاهَا ، وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ مِنَ الْجُوعِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ ذِكْرُ أَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَدَعْوَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِيَّاهُمْ ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي وَرَقَةٍ قَالَ الْحَاكِمُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى الْمَكِّيِّ , عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ ، فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ , عَنْ أَبِيهِ , وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ( 190 ) حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَسَدٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَعْمَى الشَّاعِرِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ:"إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا"فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَنَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ ؟ فَقَالَ::"لَهُمُ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ", فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا", فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"قَالَ الْحَاكِمُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَهُوَ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو غَيْرَ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّائِبِ بْنِ فَرُّوخَ الشَّاعِرِ ، وَلَا عَنْهُ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَلَا عَنْهُ غَيْرُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَهُوَ غَرِيبٌ صَحِيحٌ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ غَرَائِبُ الشُّيُوخِ ، مِثَالُهُ مَا ( 191 ) حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ , عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ نَافِعٍ ، وَهُوَ إِمَامٌ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ إِمَامٌ مُقَدَّمٌ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ حُصَيْنٍ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدِيثَ التَّشَهُّدِ قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ يُعَدُّ فِي أَفْرَادِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ , عَنْ شُعْبَةَ ، وَقَدْ تَابَعَهُ بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ رَاوِيًا ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلِ غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ غَرَائِبُ الْمُتُونِ ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا (192 ) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيُّ بِمَكَّةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا أَبُو عَقِيلٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى"قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، فَكُلُّ مَا رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الْخِلَافِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، فَأَمَّا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرٍ ، فَلَيْسَ يَرْوِيهِ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، وَعَنْهُ أَبُو عَقِيلٍ ، وَعَنْهُ خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى اهـ [7] ."
وإن كانت الشبهة التي أثارها الإمام ابن الصلاح وغيره حول التعريف لكونه غير مانع لدخول الأحاديث الصحيحة الغريبة فيه، قد يجاب عنها بأنه لم يقصد بالشاذ التفرد المطلق كما سبق، بيد أن قول الحاكم باعتباره تعريفا يبقى مشكلا فنيا لعدم استيفائه شروط التعريف، إذ لا ينفع القول في مناسبة التعريف إنه قصد المعنى المراد، وإن لم يفهم ذلك من ظاهر العبارة، وقد يقال إن الحاكم ليس من أهل المنطق، وبالتالي لا ينبغي النظر في نصوصه بزاوية المنطق.
يقول الحافظ ابن حجر (رحمه الله ) : والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح فكلامه أعم ، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة ، فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي ، لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه ، ويلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم ، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح ، وأن الرواية الراجحة أولى ، لكن هل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة ؟ محل توقف اهـ [8]
أقول:
فيه أمور لا بد من التأمل فيها:
أولا: إن الخليلي لم يسوِّ بين الشاذ والفرد المطلق كما سبق تحقيقه.
وثانيا: إن الحاكم لم يعرف الشاذ بما يشمل الغريب الصحيح ، وإنما عرفه بما يخرجه منه ، واستشهدنا عليه بقوله ، فإذا هو الآن يعقب على تعريف الحاكم بقوله:"إنه يلزم عليه أن يكون في الصحيح الشاذ وغيره"
وثالثا: إن الشاذ عند الشافعي مردود وغير محتج به ، كما سبق تحقيقه ، لأنه اشترط في الخبر المحتج به عدم المخالفة لما رواه الناس ، فلا مجال للتساؤل هل يلزم منه عدم الحكم عليه بالصحة أو لا ؟ اهـ [9]
ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أنه قد يرد لفظ الشاذ في نصوص بعض الأئمة، مثل الخليلي، والحاكم والبيهقي في غير ما ذكروا من المعنى، ألا وهو مجرد الغرابة، فكما يقال هذا حديث غريب صحيح يقال هذا شاذ صحيح، ومعنى الشاذ هنا غريب فقط .
وعلى العموم فالحديث الشاذ مردود لدى الجميع، ولا يعني بما سبق من اختلافهم في التعريف أن كل واحد منهم يصحح الحديث الشاذ حسب تعريف الآخر، ولا يرده إلا إذا كان حسب تعريفه، فإنهم ليسوا على حدود أهل المنطق. والله أعلم.
وبقي لنا شيء آخر يقتضي منا النظر فيه، وهو ما ذكره ابن الصلاح تلخيصا لموضوع الشاذ.
تلخيص ابن الصلاح لموضوع الشاذ
يقول ابن الصلاح ( رحمه الله تعالى)
''إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا،وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما سبق من الأمثلة ،وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارجا له مزحزحا له عن حيز الصحيح ، ثم هو بعد ذلك بين مراتب متفاوتة بحسب الحال ،فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ،وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر.
فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:
أحدهما الحديث الفرد المخالف.
والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف''. والله أعلم اهـ [10] .
أقول:
إنه تحرير وتلخيص جيد ، ويكون للعمل به مجال خاص، ينبغي أن يحدد هذا المجال في ضوء ما شرحه في نوع العلة [11] ، ولا يصلح أن يعتبر كقاعدة مطردة، كما جعلها كثير من المعاصرين ، وبنوا على ذلك دراساتهم الحديثية، فصححوا حديثا إذا كان رواته ثقات، متساهلين في مدى استيفائه بقية شروط الصحة ، لا سيما سلامته من الشذوذ والعلة، وإن كان فيهم صدوق حسَّنه ، وإن كان فيه ضعيفٌ ضعَّفه.
ومما يدلُّ على أن ما لخصه ابن الصلاح إطلاق فيما ينبغي تقييده قول ابن رجب الحنبلي:
''وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه ، إنه لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه'' [12] .
4-الفرق بين تعريف الإمام الشافعي للشاذ وتعريف الحاكم
قال الشافعي رحمه الله:"ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره ، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثًا ، فيشذ عنهم واحد ، فيخالفهم" [13] .
وعرفه الحاكم بقوله:"حديث يتفرد به ثقة من الثقات ، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة" [14] .
ومثل له بقوله: ( 253 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ: ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ , عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ"إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ سَارَ ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ ، فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا حَدِيثٌ رُوَاتُهُ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ ، وَهُوَ شَاذُّ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ لَا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً نُعَلِّلَهُ بِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ اللَّيْثِ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنَا بِهِ الْحَدِيثَ ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ لَعَلَّلْنَا بِهِ ، فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ لَهُ الْعِلَّتَيْنِ ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا ، ثُمَّ نَظَرْنَا ، فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رِوَايَةً ، وَلَا وَجَدْنَا هَذَا الْمَتْنَ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، فَقُلْنَا الْحَدِيثُ شَاذُّ ، وَقَدْ حَدَّثُونَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الثَّقَفِيِّ ، قَالَ: كَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ لَنَا: عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَامَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ حَتَّى عَدَّ قُتَيْبَةُ أَسَامِي سَبْعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، كَتَبُوا عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَدْ أَخْبَرْنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ: ثَنَا قُتَيْبَةُ فَذَكَرَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَأَئِمَّةُ الْحَدِيثِ إِنَّمَا سَمِعُوهُ مِنْ قُتَيْبَةَ تَعَجُّبًا مِنْ إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً ، وَقَدْ قَرَأَ عَلَيْنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ هَذَا الْبَابَ ، وَحَدَّثَنَا بِهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ، وَهُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَا أَبُو عَلِيٍّ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً ، فَنَظَرْنَا ، فَإِذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ثِقَةٌ ، مَأْمُونٌ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْفَقِيهُ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ حَفْصَوَيْهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ:"أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ صَاحِبُ حَدِيثٍ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ:"قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: مَعَ مَنْ كَتَبْتَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ؟"، فَقَالَ: كَتَبْتُهُ مَعَ خَالِدٍ الْمَدَايِنِيِّ ، قَالَ: الْبُخَارِيُّ ، وَكَانَ خَالِدٌ الْمَدَايِنِيُّ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ
ثم استدل بتعريف الشافعي للشاذ ، وبين التعريفين مفارقة ، وهي أن الشافعي اشترط لصحة الوصف بالشذوذ المخالفة من قبل الثقة ، واقتصر الحاكم على مجرد تفرد الثقة بما لم يأت عن غيره .
والتحقيق أن تعريف الشافعي يبطل تعريف الحاكم الذي استشهد به ، فإنه نفى أن يكون الشذوذ تفرد الثقة ، والحاكم يجعله تفرد الثقة ، وأكده بالمثال الذي مثل به ، وهو حديث معاذ بن جبل في جمع الصلاتين في غزوة تبوك ، وهو حديث لم تأت في إسناده ولا في متنه مخالفة من ثقة ، ولكنه حديث فرد .
والحاكم حكم عليه بالشذوذ ، بل زعم أن الحديث موضوع ، مع أنه قال:"لا نعرف له علة نعلله بها" [15] .
والتحقيق: أن تفرد الثقة بحديث من غير مخالفة لا يعد من الشذوذ ، بل وقوع المخالفة شرط في الشذوذ ، أو ما ينزل منزلة المخالفة ، كزيادة الثقة المتوسط الرفع أو الوصل وليس محله في الإتقان محل من تسلم زيادته على من لم يأت بها ، هذه هي القاعدة.
5-أين يقع الشذوذ ؟
يقع الشذوذ في السند ، كما يقع في المتن أيضًا .
(1) - - شرح العلل ص:256 .
(2) - - الإرشاد1/187 .
(3) - - سبق البيان بأن الخليلي ممن يقبل زيادة الثقة مطلقا كوصل ثقة ضابط لما أرسله الجماعة ، فإنه يقبله لكون الوصل زيادة ثقة .
(4) - معرفة علوم الحديث ص119 و المنهج المقترح لفهم المصطلح - (ج 1 / ص 199) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 26) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 243) وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 53)
(5) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 172) والحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 31) وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 379) وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد - (ج 1 / ص 53)
(6) - - فتح المغيث 1/232 (تحقيق الشيخ علي حسن علي ، ط:إدارة البحوث الإسلامية - الهند ، سنة 1407( ) .
(7) - - معرفة علوم الحديث ص:94 وما بعدها
(8) - ( النكت 2/652 - 653) . وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 188)
(9) - الحديث المعلول قواعد وضوابط - (ج 1 / ص 31)
(10) - - مقدمة ابن الصلاح ص:104 (مع التقييد والإيضاح بتحقيق عبد الرحمن ) .
(11) - - وهو قوله الدقيق: ''ويستعان على إدراك العلة بالتفرد والمخالفة ... ''
(12) - - شرح ابن رجب الحنبلي ص:208 .
(13) - أخرجه ابن أبي حاتم في"آداب الشافعي ومناقبه" ( ص: 233 ) بإسناد صحيح , ونحوه ( ص: 234 ) .
(14) - معرفة علوم الحديث ( ص: 119 ) ، وفي سؤالات مسعود السجزي له ( النص: 150 ) قال:"بهْز بن حكيم بن معاوية بن حيْدة القشيري من ثقات البصريين ممن يُجمع حديثه ، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده ؛ لأنها شاذةٌ لا مُتابع لها في الصحيح".
قلت: بل لم يُخرجاها لأنها دون شرطهما في القوة ، وإلا فهي جيدة قوية .
(15) - معرفة علوم الحديث ( ص: 120 ) .