مثال الشذوذ في السند:"ما رواه أبو داود [1] والسنن الكبرى للبيهقي [2] والترمذى [3] كلهم من طريق حَمَّادَ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَوْسَجَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّىَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « انْظُرُوا هَلْ لَهُ وَارِثٌ » . فَقَالُوا: لاَ إِلاَّ غُلاَمًا كَانَ لَهُ فَأَعْتَقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « ادْفَعُوا إِلَيْهِ مِيرَاثَهُ » ."وتابع ابن عيينة على وصله ابن جُرَيْج وغيره ، وَخَالَفَهُمَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مُرْسَلًا.ففي السنن الكبرى للبيهقي [4] أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِى حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ وَعَارِمٌ قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَوْسَجَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلاَّ مَوْلًى لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِيرَاثَهُ. قَالَ الْقَاضِى هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مُرْسَلًا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مُرْسَلًا قَالَ الْبُخَارِىُّ: عَوْسَجَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ قَالَ الشَّيْخُ: وَرَوَاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ غَلَطٌ لاَ شَكَّ فِيهِ.
قال أبو حاتم: المَحفُوظ حديث ابن عُيينة.
قال شيخُ الإسْلام ( الحافظ ابن حجر ) : فحمَّاد بن زيد من أهل العَدَالة والضَّبط, ومع ذلك رجَّح أبو حاتم رِوَاية من هم أكثر عددًا منه, قال: وعرف من هذا التقرير أنَّ الشَّاذ ما رواه المقبول مُخَالفًا لمن هو أولَى منهُ. قال: وهذا هو المُعتمد في حدِّ الشَّاذ بحسب الاصطلاح.. [5]
مثال آخر:
حديث رواه حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِىِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ « اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِى فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ » . يَعْنِى الْقَلْبَ." [6] ."
حماد بن سلمة ثقة ، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث .
وفي علل الحديث (1279) وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ ، وَحَدَّثَنَا: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَيَعْدِلُ ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ، وَلا أَمْلِكُ
فَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: لا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ حَمَّادًا عَلَى هَذَا
قُلْتُ: رَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ
قلت: خالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي ، فقالوا: عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر الحديث [7] .
وهذه رواية مرسلة ، وحماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة ، فكيف بهم مجتمعين ؟ .
فلذا حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة .
فرجح أبو زرعة الرازي الإرسال .
وقال الترمذي بعد ذكر مخالفة حماد بن زيد وغير واحد لابن سلمة:"وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة"، وكان في"العلل"سأل البخاري عنه ؟ فأشار إلى تعليله بإرسال حماد بن زيد له .
وكذلك أعقبه النسائي بذكر إرسال ابن زيد له ، مشيرًا إلى علته .
وحاصله: أن رواية الجماعة ( محفوظة ) ورواية ابن سلمة ( شاذة ) .
وهذا مثال للشذوذ مع أن وجه المخالفة فيه ليس على معنى المعارضة للرواية الأخرى ، وإنما جاء من جهة أن حماد بن سلمة ليس في الإتقان في درجة من يستقل عن الجماعة بزيادة ، لما له من الأوهام مع ثقته . [8]
مثال الشذوذ في المتن [9] :
ما رواه أبو داود [10] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ » . فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَمَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ ..قَالَ لاَ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ فَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ هَلْ تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ قَالَ لاَ وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فَمَا ذَنْبِى إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسُوا.
قال البيهقي [11] َقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىُّ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ حِكَايَةً عَنْ فِعْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ. أَخْبَرَنَاهُ أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ مِنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الصُّبْحِ بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. {ق} قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِمُوَافَقَتِهِ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وقال أبو إسحاق الحويني [12] :
"قلت: وهذا إسنادٌ ظاهرهُ الصحةُ، ولكن أعلّه البيهقي، ونقل ابن عبد البر في"التمهيد" (8-126) عن الأثرم قال:"سمعتُ أحمد بن حنبل يُسألُ عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فقال: ما أفعلُه أنا. قيل له: لِمَ لم تأخذ به؟ قال: ليس فيه حديث يثبُتُ. قلتُ له: حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؟ قال: رواه بعضهم مرسلًا". انتهى."
وقال الذهبي في"الميزان" (2-672) في ترجمة"عبد الواحد":"احتجا به في"الصحيحين"، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكر هذا الحديث وعزاه إلى أبي داود."
وهذا التصريح بالتحديث- الذي ذكره الذهبي- لم أقف عليه عند أحدٍ من المخرجين، وقد ذكر العقيليُّ في"الضعفاء" (3-55) عن أبي داود الطيالسي، وذُكر عنده عبد الواحد بن زياد فقال: عهد إليَّ نقل أحاديث كان يرسلها الأعمش، فوصلها كلَّها يقول: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مجاهدٌ في كذا وكذا. فهذا يدلُّ على أن عبد الواحد وهم في حديث الأعمش عن مجاهد خاصة، وكان الأعمش إذا روى عن صغار شيوخه مثل مجاهد أكثر من التدليس، بخلاف روايته عن أبي صالح، فإنه من جلة شيوخه، ثم هو مكثرٌ عنه. حتى استثناه الذهبي مع غيره ممن يروي عنهم الأعمش، أن يقبل حديثه إذا رواه الأعمش عنه بالعنعنة، كما تراه في ترجمة"الأعمش"من"الميزان"،
أما ما رواه العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: ما رأيتُ عبد الواحد بن زياد يطلبُ حديثًا قطُّ بالبصرة ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش، لا يعرفُ منه حرفًا". فهذا مقابلٌ بقول ابن معين وسئل عن أثبت أصحاب الأعمش بعد سفيان وشعبة؟ فقال: أبو معاية الضرير وبعده عبد الواحد بن زياد. وقد احتج به الشيخان في حديث عن الأعمش، ولم يقم دليلٌ على أن أحدًا من أصحاب الأعمش الكبار خالفه في هذا الحديث، فإن وجدنا عملنا بمقتضاه، فلو رواه من هو أثبتُ من عبد الواحد بن زيادٍ عن الأعمش فأرسله كما وقع في كلام أحمد، حكمنا لهذا الثبت عليه، إلاَّ أن يقوم مانعٌ. وقول أحمد: رواه بعضهم مرسلًا، فلا ندري من هذا"البعض"، وهل يقدَّم على عبد الواحد أم لا."
وأما قولُ المنذري في"تهذيب سنن أبي داود" (2-76) :"قيل: إن أبا صالح لم يسمع هذا الحديث من أبي هريرة، فيكون منقطعًا". وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر بن العربي، فقال في"عارضة الأحوذي" (2-217) :"وحديثُ أبي هريرة معلولٌ، لم يسمعه أبو صالح من أبي هريرة، وبين الأعمش وأبي صالحٍ كلام". اه.
فأما القول بأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة فلم أقف على قائله من أئمة الحديث الكبار، ولا على دليله. وابنُ العربي رحمه الله، فليس من أحلاس هذا العلم، وله أوهامٌ في تواليفه في التصحيح والتضعيف، والكلام على علل الحديث.
وقد صحَّحه الترمذي وابنُ حزمٍ في"المحلى" (3-196) لكنه اشتطَّ في الاستدلال به على فرضية الضجعة بعد ركعتي الفجر. وصحَّحه أيضًا من المتأخرين النووي في"شرح مسلم" (6-19) ، وفي"المجموع" (4-28) على شرط الشيخين.
وقال في"رياض الصالحين" (ص343) ، وفي"الخلاصة" (1-536) :"رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة"كذا قال! وهي عبارة يكثر منها النووي ولا معنى لها، وليس للحديث عندهما إلا هذا الإسنادُ الواحدُ. وصححه أيضًا الشيخ المحقق أبو الأشبال أحمد شاكر وشيخنا الألباني في"صحيح الجامع" (1-171) .
وقد أعلَّه البيهقي بأن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي صالحٍ قال: سمعتُ أبا هريرة يحدثُ مروان بن الحكم وهو على المدينة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفصلُ بين ركعتيه من الفجر وبين الصبح بضجعةٍ على شقه الأيمن.
وقد تابعه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه بهذا الإسناد.
أخرجه النسائيُّ في"الكبرى" (1-455) عن أبي كدينة يحيى بن المهلب وابنُ ماجه (1199) عن شعبة كلاهما عن سهيل بن أبي صالح بهذا.
قال البيهقيُّ:"وهذا أولى أن يكون محفوظًا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس". اه.
والأعمش أثبت منهما في أبي صالح. فإن قلت: نعم، ولكن الشأن في الراوي عنه وهو ابن زيادٍ. قلنا: نعم، وقد قدمنا لك أنه أحدُ الأثبات في الأعمش كما قال ابن معين. فالصوابُ الحكمُ له حتى يظهر لنا أنه قد خالفه من هو أمكنُ منه. فالراجح عندي: صحةُ الحديث بالشرط المذكور. والله أعلم.اهـ
قلتُ:
وأنا مع من صحح الحديث فتوهين عبد الواحد بن زياد بحجة رواية الحديث أنه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله ، دليلها ليس ظاهرا ، فلم لا يكون أنه قد روي من قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم - معًا ؟!!
مثال آخر:
ما رواه هَمَّامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ. وَالْوَهَمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ هَمَّامٌ." [13] ."
قلت:
أراد أبو داود بالمنكر الشاذ ؛ لأن مخالفة الثقة شذوذ لا نكارة ، وهمام ثقة ، لكن هذا معنى اصطلاحي واسع ، وإنما ذكرت هذا الحديث مثالًا للتنبيه أيضًا على إطلاقهم النكارة على الشذوذ ، بجامع الوهم والخطأ في كلٍّ .
وما ذكره من تفرد همام به بهذا اللفظ صحيح بالنظر إلى وروده من طريق ثقة ، وإلا فقد جاء من وجه آخر ضعيف لا يعتبر به .
وقد قال النسائي:"هذا الحديث غير محفوظ" [14] ، وهذه العبارة ألصق بالاصطلاح من عبارة أبي داود .
والحديث شاذ لمخالفة سياق متنه لما هو المحفوظ من رواية أصحاب الزهري كيونس بن يزيد الأيلي وشعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن سعد وزياد بن سعد وغيرهم ، والحكم بالوهم فيه من قبل همام مظنة لا قطع ، إذ يحتمل أن يكون ابن جريج دلس فيه [15] .
والحكم بشذوذ هذا اللفظ إدراك من الناقد لما وراء ظاهر الإسناد ، وإبانة لوهم الثقة بالبرهان ، إذ أتى بما هو على خلاف المحفوظ عن الزهري من رواية متقني أصحابه .
وتلاحظ من هذا أن اعتبار درجات الثقات هو المقياس لتمييز الحفظ من الشذوذ .
ويتفرع عن الكلام في ( الشذوذ ) مسألتان:
المسألة الأولى: زيادات الثقات .
الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره ، أو يشارك غيره في رواية حديث ، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه .
فهذان نوعان ، فأما الأول فليس مرادًا هنا ، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره ، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة ، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره ، خصوصًا أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به .
كما قال علي بن المديني:"نظرنا فإذا يحيى بن سعيد يروي عن سعيد بن المسيب ما ليس يروي أحد مثلها ، ونظرنا فإذا الزهري يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد ، ونظرنا فإذا قتادة يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد" [16] .
وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة .
وجملة ما يحتاج إليه في هذا المقام هو أن الزيادة كانت في الإسناد أو المتن ، لا تخلو من أن تكون مخالفة لرواية من لم يأت بها أو غير مخالفة:
فإن كانت مخالفة لرواية الأقوى ضبطًا ، حكمنا بكونها ( شاذة ) .
وإن كانت غير مخالفة نظرنا اعتبار أمرين لقبولها: أن تكون من ثقة متقن ، وأن لا يقوم دليل على خطئه فيها ، فإن كانت بهذه كانت المثابة حكمنا بكونها ( محفوظة ) .
وإن لم يكن من أتى بها في إتقانه في المنزلة التي ترجح معها زيادته ، للين في حفظه ، كحماد بن سلمة في المثال المتقدم ، حكمنا بكونها ( شاذة ) .
وما حكمنا بشذوذه فهو ( ضعيف ) .
المسألة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد .
هذا مبحث يراد به الإسناد الذي يأتي صريحًا بذكر السماع بين ثقتين ، فيقول الراوي الثقة المسمى ( خالد ) مثلًا: ( حدثني زيد ) ثم يوجد عن خالد هذا قوله: ( حدثني بكر عن زيد ) ، ويبحث في كل من الإسنادين إلى ( خالد ) فلا يوجد فيهما علة تدل على وهم أو خطأ ، وخالد نفسه لا يعاب في حفظه وصدقه ، بل هو ثقة ، فيقال: ( هذا من المزيد في متصل الأسانيد ) حملًا على كون ( خالد ) سمع الحديث أولا بواسطة ، ثم لقي ( زيدًا ) فحدثه به ، وهذا واقع في الأسانيد غير مستنكر.
فالقول: هو من المزيد في متصل الأسانيد أولى من تخطئة الثقة بغير حجة بينة ، إلا أن يوجد أن خالدًا لم يدرك زيدًا ، فيكون بعض الرواة أخطأ فيه ، أو وقع في الإسناد سقط من نسخة أو كتاب .
مثاله: ما روي عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِىَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ » . قَالَ عِكْرِمَةُ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالاَ صَدَقَ.. [17]
فهذا إسناد صحيح متصل ، جاء بيان سماع رواته بعضهم من بعض من وجوه عن حجاج الصواف ، وهو ثقة .
وروى الحديث معمر بن راشد ومعاوية بن سلام ، وهما ثقتان ، وسعيد بن يوسف ، وهو ضعيف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري .
فزادوا عن ابن كثير رجلًا بين عكرمة والحجاج .
وهذه رواية صحيحة كذلك ، لكنها لا تقدح في اتصال الأولى ، لثقة حجاج الصواف وإتقانه عن يحيى بن أبي كثير .
فهذه صورة للمزيد في متصل الأسانيد ، بنيت على اعتبار انتفاء المسوغ لتخطئة الثقة ، فيكون الجمع: أن عكرمة سمعه بواسطة عن الحجاج ، ثم لقي الحجاج فسمعه منه دون واسطة.
أما إن جاء الإسناد معنعنًا في موضع ، وجاء من جهة أخرى صحيحة بزيادة راو في محل العنعنة ، فليس من المزيد في متصل الأسانيد ، بل الرواية الناقصة ضعيفة للانقطاع ، لا للشذوذ ، والمزيدة هي المحفوظة .
وذلك مثل: ما رواه أَبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهُوَ يُخَاصِمُ فِى أَرْضٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ » ." [18] ."
ولا إشكال في صحته على هذا الظاهر ، لكن رواه أصحاب ابن أبي كثير مرة أخرى: علي بن المبارك ، وحسين المعلم ، وأبان العطار ، وحرب بن شداد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي سلمة ، به [19] .
فزادوا واسطة بين يحيى وأبي سلمة ، ولم نجد في شيء من الطرق أن يحيى سمعه من أبي سلمة ، فدل على أنه تلقاه عنه بالواسطة ، وروايته بدونها منقطعة .
أما مجيء الزيادة وهي مرجوحة شاذة ، فمثل ما رواه زهير بن معاوية ، عن حميد الطويل ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، قال: لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة والحج معًا ، فقال:"لبيك بعمرة وحجة".
قال البخاري:"هذا خطأ ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسًا" [20]
قلت: كذلك قال هشيم بن بشير [21] ، ويحيى بن سعيد القطان [22] ، وسفيان بن عيينة [23] ، ذكروا جميعًا عن حميد سمع أنسًا .
كما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفسًا من أصحاب حميد ، عنه ، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس ، بما يأتي على تأييد رواية من ذكر السماع .
(1) - برقم (2907 )
(2) - (ج 6 / ص 242) برقم (12766)
(3) - برقم (2252 )
(4) - (ج 6 / ص 242) برقم (12768)
(5) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 186) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 174) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 14)
(6) - أخرجه ابن أبي شيبة ( 4 / 386 ) وأحمد ( 6 / 144 ) والدارمي ( رقم 2127 ) وأبو داود ( رقم: 2134 ) والترمذي في"الجامع" ( رقم: 1140 ) و"العلل" ( 1 / 448 ) والنسائي ( رقم: 3943 ) وابن ماجة ( رقم: 1971 ) وابن أبي حاتم في"العلل" ( رقم: 1279 ) والطحاوي في"شرح المشْكل" ( رقم: 232 ، 233 ) وابن حبان ( رقم: 4205 ) والحاكم ( 2 / 187 رقم: 2761 ) والبيهقي في"الكبرى" ( 7 / 298 ) والخطيب في"الموضع لأوهام الجمع والتفريق" ( 2 / 107 ) من طرق عن حماد بن سلمة ، بإسناده به.
(7) - أخرجه ابن جرير في"تفسيره" ( 5 / 315 ) من طريق حماد بن زيد . وابن أبي شيبة ( 4 / 386 ) وابنُ سعد في"الطبقات" ( 8 / 168 ) عن ابنِ عُلية . وابن جرير أيضًا ( 5 / 314 ) من طريق ابنِ عُلية وعبد الوهاب ، وكان قد أخرجه عن عبد الوهاب بواسطة مُحمد بن بشار عنه ، بالرواية المرسلة ، وأخرجه ( 5 / 315 ) عن سُفيان بن وكيع ، عن عبد الوهاب ، بمثل رواية حماد بن سلمة موصولة ، لكن هذه رواية ضعيفة ، ابنُ وكيع ضعيف ، وخالف ابن بشار الثقة الحافظ عن عبد الوهاب .
(8) - انظر البدر المنير - (ج 7 / ص 481) الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
(9) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 174)
(10) - برقم (1263 ) و الترمذى برقم (422 ) من طريق بِشْرَ بْنِ مُعَاذٍ الْعَقَدِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍبه و قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ فِى بَيْتِهِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُفْعَلَ هَذَا اسْتِحْبَابًا.
(11) - في السنن الكبرى (ج 3 / ص 45) برقم (5085)
(12) - في الفتاوى الحديثية للحويني - (ج 2 / ص 26)
(13) - سنن أبي داود ( رقم: 19 ) .
(14) - السنن الكبرى ( رقم: 9542 ) .
(15) - وانظر الحديث بتخريجه والكلام في علته في تعليقي ( عبد الله الجديع ) على كتاب"المقنع في علوم الحديث"لابن الملقن ( 1 / 182 - 184 ) .
(16) - سؤالات ابن أبي شيبة ( النص: 76 ) .
(17) - سنن أبى داود (1864 )
(18) - أخرجه أحمد ( 6 / 64 ، 259 ) من طريق أبان بن يزيد العطار ، والطحاوي في"شرح المشْكل" ( رقم: 6145 ، 6146 ) من طريق حرْب بن شداد ، ومُحمد بن المثنى ، جميعًا ، عن يحيى بن أبي كثير ، به ، واللفظ لأبان .
(19) - أخرجه أحمد ( 6 / 78 ) والبخاري ( رقم: 2321 ) من طريق حسين المعلم ، والبخاري ( رقم: 3023 ) من طريق علي بن المبارك ، وأحمد ( 6 / 252 ) ومسلم ( رقم: 1612 ) من طريق حرْبٍ ، ومسلم من طريق أبان ، وفي رواية حُسين وأبان قال يحيى:"حدثني مُحمد بن إبراهيم ، أن أبا سلمة حدثه".
(20) - العلل الكبير ، للترمذي ( 1 / 375 ) .
(21) - أخرجه أحمد ( 19 / 22 رقم: 11958 ) ومسلم ( رقم: 1251 ) وأبو داود ( رقم: 1795 ) والنسائي ( رقم: 2729 ) وابنُ خزيمة ( رقم: 2619 ) والطبراني في"الصغير" ( رقم: 968 ) والبيهقي في"الكبرى" ( 5 / 9 ) .
(22) - أخرجه أحمد ( 20 / 236 رقم: 12870 ) .
(23) - أخرجه الحميدي ( رقم: 1215 ) وأبو يعلى ( 6 / 325 ، 391 رقم: 3648 ، 3737 - وسقط منه ذكر سفيان في الموضع الأول ) .