فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 522

39 -قولهم :( تركه فلان ).

هذه صيغة جرح ، ولا تلازم بينها وبين صيغة ( متروك ) أو ( متروك الحديث ) ؛ فقد يراد بها ذلك ، وقد يراد بها أن الناقد ترك ذلك الراوي لمجرد ضعفه عنده .

ومن أبرز النُّقُّاد الذين يجدر بك أن تلاحظ طريقتهم في ذلك: الإمامان يحيى بن سعيد القطان ، وصاحبه عبد الرحمن بن مهدي ، وأكثر من نقل عنهما الحافظان: عمرو بن على الفلاس ، ومحمد بن المثنى الزمن .

فقد كان علماء هذا الفن والمصنِّفُون فيه يزنون النقلة من خلال ما بلغهم من اختيار هذين الإمامين ، في موضع اتفاقهما وافتراقهما .

وطريقة يحيى معروفة عندهم بالتشدد ، وطريقة ابن مهدي بالاعتدال ، فإن اتفقا على ترك الراوي ، فلا يكاد جرحه يندمل ، وإذا اتفقا على الرواية عنه فقد جاز القنطرة ، وإذا افترقا ، فقبله ابن مهدي وتركه يحيى فعندئذ يغلب الاعتدال ، فيكون رأي ابن مهدي أرجح عند النقاد ، أو قبله يحيى وتركه ابن مهدي رجح القبول بطريقة الأولى ، لكن حال اختلافهما لا يعني أن يكون القبول فيه بمعنى الاحتجاج ، كما لا يكون الترك بمعنى السقوط ، بل ربما كان الراوي في موضع من يكتب حديثه للاعتبار .

فمن أمثلة من اتفقا على الرواية عنهم: واصل بن عبد الرحمن أبو حرة البصري [1] ، وعبد الله بن عثمان بن خثيم [2] ، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي [3] ، وما من هؤلاء إلا مقبول الحديث ، فثلاثتهم من أهل الصدق .

ومن أمثلة من اتفقا على ترك الرواية عنهم ، وهي كثيرة: أشعث بن سوار [4] ، ورباح بن أبي معروف [5] ، ومحمد بن راشد المكحولي [6] ، والمثنى بن الصباح [7] ، ومسلم بن كيسان الأعور [8] ، وهؤلاء لم يبلغ حديثهم الترك عند سائر الأئمة ، بل هم موصوفون بالصدق في الجملة ، لكن لا يحتجُّ بهم ، إنما يكتب حديثهم للاعتبار ، وبعضهم أضعف من بعض والأخيران أضعفهم .

والصلت بن دينار [9] ، وعمرو بن عبيد المعتزلي [10] ، ومحمد بن عبيد الله العرزمي [11] ، وإبراهيم بن يزيد الخوزي [12] ، والحسن بن دينار [13] ، ونصر بن طريف أبو جزي [14] ، وأبان بن أبي عياش [15] ، هؤلاء متروكون ، بل بعضهم معروف بوضع الحديث .

ومن أمثلة من افترقا فيهم فروى عنهم يحيى وتركهم ابن مهدي: قابوس بن أبي ظبيان [16] ، وأبو صالح باذام مولى أم هانئ [17] .

وممن روى عنهم ابن مهدي وتركهم يحيى: الحسن بن أبي جعفر [18] ، وحبيب المعلم [19] ، وحرب بن شداد [20] ، والرَّبيع بن صبيح البصري [21] ، وعمران بن داور القطان [22] .

والراجح في جميع هؤلاء من روى عنهم يحيى أو ابن مهديِّ الصدق في حديثهم ، وقبول رواياتهم ، منهم احتجاجًا ومنهم اعتبارًا ، وليس يلحق واحد منهم بالمتروكين .

قال الترمذي: قَالَ يَحْيَى سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ فِيهِ نَحْوَ مَا قُلْتُ قَالَ عَلِيٌّ قَالَ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَعْلَى مِنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ عِنْدِي فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ عَلِيٌّ فَقُلْتُ لِيَحْيَى مَا رَأَيْتَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُلَقِّنَهُ لَفَعَلْتُ قُلْتُ كَانَ يُلَقَّنُ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلِيٌّ وَلَمْ يَرْوِ يَحْيَى عَنْ شَرِيكٍ وَلَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَلَا عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ وَلَا عَنْ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى وَإِنْ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَدْ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ فَلَمْ يَتْرُكْ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِالْكَذِبِ وَلَكِنَّهُ تَرَكَهُمْ لِحَالِ حِفْظِهِمْ ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ يُحَدِّثُ عَنْ حِفْظِهِ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا لَا يَثْبُتُ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ تَرَكَهُ وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَبُو عِيسَى وَهَكَذَا تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَئِمَّةِ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُمْ الْأَئِمَّةُ" [23] ."

ونقل الليث بن عبدة عن يحيى بن معين قال:"كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد ، وقال: أيش هذه الأحاديث ؟ وكان ابن مهدي لا يبالي عمن روى ، ويحيى ثقة في حديثه" [24] .

قلت: لا يقبل من يحيى هذا الإطلاق في حق ابن مهدي .

وقد ذكرت في ( صفة الناقد ) ما روي عن ابن المديني قال:"إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه ، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن ؛ لأنه أقصدهما ، وكان في يحيى تشدد" [25] .

وإذ قال ابن معين هذه العبارة المشعرة بتساهل ابن مهدي وأشار إلى تقديم القطان عليه ، فإنه أيضًا قال في موضع آخر:"كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن إسرائيل ، ولا شريك ، وكان يستضعف عاصمًا الأحوال ، وكان يروي عمن هو دونه: مجالد" [26] .

وإنما كان ابن معين يتشدد ، بل هو معروف بذلك ، كما بينته في غير موضع .

وفي الجملة: فهذا جرح غير مفسر السبب ، وربما كان مرجع التارك إلى علة لا تكون جرحًا قادحًا .

كما وقع من عبد الله بن المبارك ، وكان من أئمة النقاد ، وقد اعتدَّ أهل العلم بتركه فيمن ترك ، وبروايته فيمن روى عنهم ، كان ربما ترك الراوي فأعاد السَّبب إلى أنه اقتدى ببعض من يثق به في هذا العلم ، وليس من أجل علة بينة بنى عليها تركه ، كما قال عبد العزيز بن أبي رزمة ( وكان ثقة ) : جلس ابن المبارك بالبصرة مع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ، وذكر قومًا من أهل الحديث ، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ، لم تركت الحسن بن دينار ؟ قال:"تركه إخواننا هؤلاء" [27] .

وقال فيه ابن المبارك أيضًا:"اللهم إني لا أعلم إلا خيرًا ، ولكنَّ أصحابي وقفوا فوقفت" [28] .

ـــــــــــــــ

(1) - الجرح والتعديل ( 4 / 2 / 31 ) .

(2) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 112 ) الكامل ( 5 / 267 ) .

(3) - الكامل ، لابن عدي ( 8 / 525 ) .

(4) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 271 ) .

(5) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 489 ) الكامل ( 4 / 106 ) .

(6) - الكامل ( 7 / 419 ) .

(7) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 324 ) الكامل ( 8 / 172 ) .

(8) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 192 ) .

(9) - الجرح والتعديل ( 2 / 1/ 438 ) .

(10) - الجرح والتعديل ( 3 / 1 / 247 ) الكامل ( 2 / 35 ) .

(11) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 2 ) .

(12) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 147 ) الكامل ( 1 / 367 ) الضعفاء للعقيلي ( 1 / 70 ) .

(13) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 12 ) الكامل ( 3 / 116 ) .

(14) - الكامل ( 8 / 274 ) .

(15) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 296 ) الضعفاء للعقيلي ( 1 / 40 ) .

(16) - الجرح والتعديل ( 3 / 2 / 145 ) .

(17) - العلل ، لأحمد بن حنبل ( النص: 4690 ) الكامل ( 2 / 255 ) .

(18) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 79 ) الكامل ( 3 / 133 ) .

(19) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 101 ) الكامل ( 3 / 321 ) .

(20) - الكامل ( 3 / 332 ) .

(21) - التاريخ الكبير ، للبخاري ( 2 / 1 / 278 -279 ) .

(22) - الكامل ( 6 / 162 ) .

(23) - سنن الترمذي - (ج 12 / ص 499)

(24) - الكامل ( 8 / 145 ) .

(25) - أخرجه الخطيب في"تاريخه" ( 10 / 243 ) بإسناد لين . و تهذيب الكمال للمزي - (ج 17 / ص 438)

(26) - تاريخ يحيى ( النص: 2445 ) الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 12 ) الكامل ( 2 / 128 ) ، ومجالد هو ابن سعيد .

(27) - أخرجه أبو زرعة الدمشقي في"تاريخه" ( النص: 2079 ) ومن طريقه: ابن عدي ( 3 / 116 ) وابن حبان في"المجروحين" ( 1 / 232 ) وإسناده صحيح .

(28) - أخرجه ابن عدي ( 3 / 116 ) وإسناده صالح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت