فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 522

المبْحَثُ الرَابع

صفة رواية الحديث [1]

1-المرادُ بهذه التسمية:

المراد بهذا العنوان بيان الكيفية التي يًرْوَى بها الحديث والآداب التي ينبغي التحلي بها وما يتعلق بذلك ،وقد تقدم شيء من ذلك في المباحث السابقة ، وإليك ما بقي:

2-هل تجوز رواية الراوي من كتابه إذا لم يحفظ ما فيه ؟

قد شدَّد قوم في الرِّواية فأفرطوا أي: بالغُوا وتساهل فيها آخرون ففرَّطُوا أي قصَّروا.

فمن المُشدِّدين من قال: لا حُجَّة إلاَّ فيما رواه الرَّاوي من حفظهِ وتذكره, روي ذلك عن مالك, وأبي حنيفة, وأبي بكر الصَّيدلاني المروزي الشَّافعي.

فروى الخطيب من طريق ابن عبد الحكم, قال: قال أشهب « وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أتؤخذ عنه الأحاديث فقال لا يؤخذ عنه أخاف أن يزاد في كتبه بالليل » [2] .

وعن يونس بن عبد الأعلى ، ثنا أشهب ، قال: قلت لمالك ، « الرجل يخرج كتابه وهو ثقة فيقول هذا سماعي إلا أنه لا يحفظ قال لا يسمع منه قال يونس لأنه إن أدخل عليه لا يعرف » [3] .

وعَنِ ابْنِ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ يُقَالُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. [4] .

ولفظ مالك: لم يكُونوا يعرفون ما يُحدِّثون, وهذا مذهب شديد, وقد استقرَّ العمل على خِلافه, فلعلَّ الرُّواة في «الصَّحيحين» مِمَّن يُوصف بالحفظ لا يبلغون النِّصف. [5]

ومنهم من جوَّزها من كتابه, إلاَّ إذا خرج من يده بالإعارة, أو ضياع, أو غير ذلك, فلا يَجُوز حينئذ منه, لِجَواز تغييره, وهذا أيضًا تشديد.

وأمَّا المُتساهلون, فتقدَّم بيانُ جمل عنهم في النَّوع الرَّابع والعشرين في وجوه التحمل.

ومنهم قومٌ رووا من نُسخ غير مُقَابلة بأصُولهم, فجعلهم الحاكم مجروحين, قال: وهذا كثير تعاطاهُ قومٌ من أكابر العُلماء والصُّلحاء.

ومِمَّن نُسبَ إليه التَّساهل ابن لَهِيعة, كان الرَّجُل يأتيه بالكِتَاب فيقول: هذا من حديثك, فيُحدثه به مُقلدًا له.

قال النووي: وقد تقدَّم في آخر الرَّابعة من النَّوع الماضي, أنَّ النسخة الَّتي لم تُقابل تَجُوز الرِّواية منها بشروط, فيحتمل أنَّ الحاكم يُخالف فيه, ويُحتمل أنَّه أراد بما ذكره إذا لم تُوجد الشُّروط, والصَّواب ما عليه الجمهور, وهو التَّوسُّط بين الإفراط والتَّفريط, فخير الأمور الوسط, وما عداه شطط.

فإذا قام الرَّاوي في التحمُّل والمُقَابلة لكتابه بما تقدَّم من الشُّروط جازت الرِّواية منه أي: من الكتاب وإن غاب عنه إذا كان الغالب على الظَّن من أمره سلامته من التغيير والتبديل لا سيَّما إن كان مِمَّن لا يخفى عليه التَّغيير غالبًا لأنَّ الاعتماد في باب الرِّواية على غالب الظَّن.

3-حكم رواية الضرير الذي لا يحفظ ما سمعه:

الضَّرير إذا لم يحفظ ما سمعهُ فاستعان بثقة في ضبطه أي ضبط سماعه وحفظ كتابه عن التَّغيير واحتاط عند القِرَاءة عليه, بحيث يغلب على ظنِّه سلامته من التَّغيير, صحَّت روايته, وهو أولى بالمنع من مثله في البَصِير.

قال الخَطِيب: والبصير الأمِّي فيما ذُكر كالضَّرير وقد منع من روايتهما غير واحد من العُلماء.

4-حكم الراوية من نسخة غير مقابلة وليس فيها سماعه من شيخه

إذَا أراد الرِّواية من نُسخة ليس فيها سماعه, ولا هي مُقَابلة به كما هو الأولى في ذلك لكن سُمعت على شيخه الَّذي سمع هو عليه في نسخة خلافها أو فيها سماع شيخه على الشَّيخ الأعلى أو كُتبت عن شيخه, وسكنت نفسه إليها لم تَجُز له الرِّواية منها عند عَامة المُحدِّثين وقطع به ابن الصبَّاغ, لأنَّه قد يكون فيها رواية ليست في نسخة سماعه.

ورخَّص فيه أيُّوب السِّخْتياني, ومحمد بن بكر البُرْساني.

قال الخَطِيب [6] : والَّذي يُوجبه النَّظر التَّفْصيل, وهو أنَّه متى عرف أنَّ هذه الأحاديث هي الَّتي سمعها من الشَّيْخ جاز له أن يرويها عنه إذا سكنت نفسه إلى صحَّتها وسلامتها وإلاَّ فلا.

قال ابن الصَّلاح [7] : هذا إذا لم يكن له إجَازة عامة عن شيخه لمروياته, أو لهذا الكتاب, فإن كانت جَاز لهُ الرِّواية منها مُطْلقًا إذ ليسَ فيه أكثر من رواية تلك الزِّيادات بالإجَازة وله أن يقول: حدَّثنا وأخبرنا من غير بيان للإجازة, والأمر قريب يتسامح بمثله. وإن كان في النُّسْخة سماع شيخ شيخه, أو مَسْموعه على شيخ شيخه, فيحتاج أن تكون له إجَازة عامة من شيخه, و يكون لشيخه إجَازة ومثلها من شيخه.

5-إذَا وجَدَ الحافظ الحديث في كِتَابه خلاف ما في حِفْظه على أيهما يعتمد؟

إذَا وجَدَ الحافظ الحديث في كِتَابه خلاف ما في حِفْظه, فإن كان حفظَ منهُ رجعَ إليه, وإن كان حَفِظَ من فم الشَّيْخ اعتمدَ حفظه إن لم يَشك, وحَسُن أن يجمع بينهما في رِوَاية فيَقُول: حِفْظي كذا, وفي كِتَابي كذا هَكَذا فعل شُعبة وغيره.

وإن خَالفهُ غيره من الحُفَّاظ فيما يحفظ قال: حفظي كذا, وقال فيه غيري, أو فُلان كذا فعل ذلك الثَّوري وغيره.

وإذا وجدَ سَمَاعه في كتابه ولا يذكره, فعن أبي حنيفة, وبعض الشَّافعية لا يَجُوز له روايته حتَّى يتذكر.

ومذهب الشَّافعي وأكثر أصحابه, وأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن جوازها.

وهو الصَّحيح لعمل العُلماء به سلفًا وخلفًا, وباب الرِّواية على التَّوسعة.

وشرطه أن يَكُون السَّماع بخطِّه, أو خطِّ من يثق به, والكِتَابُ مَصُونٌ بحيث يَغْلبُ على الظَّنِّ سلامته من التَّغيير وتَسْكُن إليه نفسه وإن لم يذكر أحاديثه حديثا حديثا فإن شكَّ فيه لم يَجُز له الاعتماد عليه, وكذا إن لم يكن الكتاب بخط ثقةٍ بلا خلاف.

وعبَّر النوويُّ في الرَّوضة والمِنْهاج كأصليهما عن الشَّرط بقوله: محفوظ عنده, فأشْعَر بعدم الاكتفاء بظنِّ سلامته من التَّغيير.

وتعقبه البَلْقِيني [8] في التَّصحيح, بإنَّ المُعتمد عند العُلماء قديمًا وحديثًا العمل بما يوجد من السَّماع والإجَازة مكتوبًا في الطِّباق الَّتي يغلبُ على الظَّن صحَّتها, وإن لم يتذكَّر السَّماع ولا الإجَازة, ولم تَكُن الطَّبقة محفُوظة عنده. انتهى.

وهذا هو المُوافق لمَا هنا, وقد مشى عليه صاحب «الحاوي الصَّغير» فقال: ويروى بخط محفوظ, ولم تَكُن الطَّبقة محفوظة عندهُ.

6-رواية الحديث بالمعنى وشروطها

إن لم يَكُن الرَّاوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومَقَاصدها, خبيرًا بما يحيل مَعَانيها بصيرًا بمقادير التَّفاوت بينهما لم تَجُز له الرِّواية لما سمعه بالمعنى بلا خِلاف, بل يتعيَّن اللَّفظ الَّذي سمعهُ, فإن كانَ عالمًا بذلك, فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول: لا يَجُوز إلاَّ بلفظه.

وإليه ذهب ابن سيرين, وثعلب, وأبو بكر الرَّازي من الحنفية, ورُوي عن ابن عُمر.

وجوَّز بعضهم في غير حديث النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , ولم يجوِّز فيه , وقال جمهُور السَّلف والخَلَف من الطَّوائف منهم الأئمة الأربعة يَجُوز بالمعنى في جميعه إذا قطعَ بأداء المَعْنى لأنَّ ذلك هو الَّذي تَشْهد به أحوال الصَّحابة والسَّلف ويدلُّ عليه روايتهم القِصَّة الواحدة بألفاظ مُخْتلفة.

وقد ورد في المسألة حديث مرفوع, عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْنَا لَهُ: بِآبَائِنَا [ أَنْتَ ] وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ ، فَلَا نَقْدِرُ أَنْ نُؤَدِّيَهُ كَمَا سَمِعْنَا . قَالَ:"إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا ، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا ، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى - فَلَا بَأْسَ" [9]

فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدَّثنا.

واستدلَّ لذلك الشَّافعي [10] بحديث: « إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ » [11] .. قال: فإذ كان الله لِرَأْفته بخلْقِه أنزل كتابَه على سبْعة أحْرف معرفةً منه بأنَّ الحفْظَ قدْ يَزِلُّ لِيُحِلَّ لهم قراءته وإنْ اختلف اللفظُ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى: كان ما سِوَى كتابِ الله أوْلَى أنْ يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معْناه وكل ما لم يكن فيه حُكْمٌ فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه ، وقد قال بعضُ التابعين: لَقِيتُ أُناسًا مِن أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظ فقلْتُ لبعضهم ذلك فقالَ: لا بأس ما لمْ يُحِيلُِ المعنى.اهـ

وروىالطبراني عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو الأَزْهَرِ ، عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ فَقُلْنَا: يَا أَبَا الأَسْقَعِ , حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ ، سَمِعْتَهُ مِنْ ، رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ وَلاَ تَزَيُّدٌ وَلاَ نِسْيَانٌ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ , وَمَا نَحْنُ لَهُ بِالْحَافِظِينَ جِدًّا , إِنَّا لَنَزِيدُ الْوَاوَ وَالأَلِفَ وَنَنْقُصُ قَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لاَ تَأْلُونَ حِفْظَهُ , وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ وَتَنْقُصُونَ , فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَسَى أَنْ لاَ نَكُونَ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً , حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ عَلَى الْمَعْنَى.. [12]

وعن جابر بن عبد الله قال: قال حُذيفة إنَّا قوم عرب نُردِّد الأحاديث, فنُقدِّم ونؤخِّر. [13]

وعن شعيب بن الحبحاب ، قال: دخلت على الحسن ، أنا وغيلان ، فقال: يا أبا سعيد الرجل ، يحدث بالحديث فيزيد فيه وينقص منه فقال: « إنما الكذب على من تعمده » [14]

وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِىُّ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِىُّ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِى وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ يُعِيدُونَ الْحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ.. [15]

وقال يُوْنُسُ بنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ التَّقْدِيْمِ وَالتَّأخِيْرِ فِي الحَدِيْثِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَجُوْزُ فِي القُرْآنِ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الحَدِيْثِ؟

إِذَا أُصِيْبَ مَعْنَى الحَدِيْثِ، وَلَمْ يُحِلَّ بِهِ حَرَامًا، وَلَمْ يُحَرِّمْ بِهِ حَلاَلًا، فَلاَ بَأْسَ، وَذَلِكَ إِذَا أُصِيْبَ مَعْنَاهُ.. [16]

وعن سُفْيان قال: كان عَمرو بن دينار يُحدث بالحديث على المَعْنى, وكان إبْرَاهيم بن مَيْسرة لا يُحدثه إلاَّ على ما سمعَ. [17]

و قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ، قَالَ أَبُو عِيسَى (الترمذي) : وَإِنَّمَا تَفَاضَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ وَالتَّثَبُّتِ عِنْدَ السَّمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْخَطَإِ وَالْغَلَطِ كَبِيرُ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ.. [18]

وقال الحافظ ابن حجر [19] :"وأَمَّا الراوية بالمعنى ؛ فالخِلافُ فيها شَهيرٌ ، والأكثرُ على الجَوازِ أَيضًا ، ومِن أَقوى حُججهِم الإِجماعُ على جوازِ شرحِ الشَّريعةِ للعَجَمِ بلسانِهِم للعارِفِ بهِ ، فإِذا جازَ الإِبدالُ بلُغةٍ أُخرى ؛ فجوازُهُ باللُّغةِ العربيَّةِ أَولى." [20]

وقال ابن الَعَربي في «أحكام القُرآن» [21] :"وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقْلُ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ إذَا أَدَّى مَعْنَاهُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ جَوَازُهُ ؛ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَنْقُلُهُ بِلَفْظِهِ ؛ حَسْبُكُمْ الْمَعْنَى ."

وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَأَذْكُرُ لَكُمْ فِيهِ فَصْلًا بَدِيعًا ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَبْدِيلُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى ، وَإِنْ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا كُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ ؛ إذْ كُلُّ أَحَدٍ إلَى زَمَانِنَا هَذَا قَدْ بَدَّلَ مَا نَقَلَ ، وَجَعَلَ الْحَرْفَ بَدَلَ الْحَرْفِ فِيمَا رَوَاهُ ؛ فَيَكُونُ خُرُوجًا مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْجُمْلَةِ .

وَالصَّحَابَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفَصَاحَةُ وَالْبَلَاغَةُ ؛ إذْ جِبِلَّتُهُمْ عَرَبِيَّةٌ ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِعْلَهُ ، فَأَفَادَتْهُمْ الْمُشَاهَدَةُ عَقْلَ الْمَعْنَى جُمْلَةً ، وَاسْتِيفَاءَ الْمَقْصِدِ كُلِّهِ ؛ وَلَيْسَ مَنْ أَخْبَرَ كَمَنْ عَايَنَ .

أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَذَا ، وَلَا يَذْكُرُونَ لَفْظَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا وَنَقْلًا لَازِمًا ؛ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِيبَ فِيهِ مُنْصِفٌ لِبَيَانِهِ .اهـ.

وقال القرطبي [22] :"وقد اختلف العلماء في هذا المعنى؛ فحُكِيَ عن مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله؛ وهو قول الجمهور . ومنع ذلك جمعٌ كثير من العلماء منهم ابن سِيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حَيْوَة . وقال مجاهد: انْقُصْ من الحديث إن شئت ولا تزد فيه . وكان مالك بن أنس يشدّد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التاء والياء ونحو هذا . وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونًا ويعلمون ذلك ولا يغيّرونه . وروى أبو مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد قال: قال عمر بن الخطاب: مَن سمع حديثًا فحدّث به كما سمع فقد سلم . وروي نحوه عن عبد اللَّه بن عمرو وزيد بن أرقم . وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ فإن منهم من يعتدّ بالمعنى ولا يعتدّ باللفظ ، ومنهم من يشدّد في ذلك ولا يفارق اللفظ ."

وذلك هو الأحوط في الدّين والأتقى والأولى؛ ولكن أكثر العلماء على خلافه . والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها . وروي عن واثلة بن الأَسْقَع أنه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقلناه إليكم؛ حسبكم المعنى . وقال قتادة عن زُرارة بن أوْفَى: لقيت عدّة من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فاختلفوا عليّ في اللفظ واجتمعوا في المعنى . وكان النَّخَعِيّ والحسن والشعبيّ رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني . وقال الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك . وقال سفيان الثورِيّ رحمه الله: إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدّقوني؛ إنما هو المعنى وقال وَكِيع رحمه الله: إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس . واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم؛ وذلك هو النقل بالمعنى . وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف ، فقصّ قِصصًا ذكر في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيّ وهو مخالف لها في التقديم والتأخير ، والحذف والإلغاء ، والزيادة والنقصان . وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فَلأن يجوز بالعربية أوْلى . احتج بهذا المعنى الحسن والشافعيّ ، وهو الصحيح في الباب .

فإن قيل: فقد قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -:"نَضّر الله امرأ سمع مقالتي فبلّغها كما سمعها"وذكر الحديث . وما"ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر رجلًا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيّك الذي أرسلت» ؛ فقال الرجل: ورسولك الذي أرسلت؛ فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «ونبيّك الذي أرسلت» "قالوا: أفلا ترى أنه لم يسوّغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال:"فأدّاها كما سمعها"قيل لهم: أما قوله:"فأدّاها كما سمعها"فالمراد حكمها لا لفظها؛ لأن اللفظ غير معتدٍّ به . ويدلّك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله:"فرُبّ حامِل فقه غير فقيه ورُبّ حامِل فقه إلى من هو أفقه منه"ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد؛ وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أوقات مختلفة؛ لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة؛ وذلك أدلّ دليل على الجواز . وأما ردّه عليه السلام الرجلَ من قوله: «ورسولك إلى قوله ونبيك» ؛ لأن لفظ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمدح؛ ولكل نعت من هذين النعتين موضع .

ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة ، واسم النبيّ لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام! وإنما فُضّل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوّة والرسالة . فلما قال: «ونبيك» ، جاء بالنعت الأمدح ، ثم قيّده بالرسالة بقوله: «الذي أرسلت» . وأيضًا فإن نقله من قوله «ورسولك إلى قوله ونبيك» ليجمع بين النبوّة والرسالة . ومستقبح في الكلام أن تقول: هذا رسول فلان الذي أرسله ، وهذا قتيل زيد الذي قتله؛ لأنك تجتزىء بقولك: رسول فلان ، وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل؛ إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأوّل . وإنما يحسن أن تقول: هذا رسول عبد اللَّه الذي أرسله إلى عمرو ، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا . والله وليّ التوفيق .

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 44) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 18) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 14) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 86) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 1) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 31) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 28) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 356) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 51) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 164) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 316) ورسوم التحديث في علوم الحديث - (ج 1 / ص 125) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 40) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 369) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 222) .

(2) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (697 )

(3) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (696 )

(4) - صحيح مسلم (30)

(5) - قال الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 269)

من اعتمد في روايته على ما في كتابه لا يعاب، بل هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لأن الرواة الذين للصحيح على قسمين:

أ- قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم، فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه ويكرر عليه فلا يزال مبينا له، وسهل ذلك عليهم قرب الإسناد وقلة ما عند الواحد منهم من المتون حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يشار إليه بالأصابع. ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم لما جبل عليه الإنسان من السهو النسيان.

ب- وقسم كانوا يكتبون ما يسمعونه ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أيديهم ويحدثون منه.

وكان الوهم والغلط في حديثهم أقل من أهل القسم الأول إلا من تساهل منهم. كمن حدث من غير كتابه، أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص وخفي عليه. فتكلم الأئمة فيمن وقع له ذلك منهم. وإذا تقرر هذا، فمن كان عدلا, لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه فحدث منه، فقد فعل اللازم له وحديثه على هذه الصورة صحيح بلا خلاف، فكيف يكون هذا سببا لعدم الحكم بالصحة على ما يحدث به. هذا مردود. والله سبحانه وتعالى أعلم.

(6) - الكفاية ص 377

(7) - علوم الحديث ص 225

(8) - محاسن الاطلاع ص 330

(9) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 6 / ص 213) (6372 ) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (2972 و3740) والإصابة 2/73 و3/515 وعساكر 53/301 والنوادر 4/119 والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (606 ) وهو حديث ضعيف فيه جهالة ، ومن ذكره في الموضوعات فقد أخطأ

(10) - الرسالة للشافعي - (ج 1 / ص 107)

(11) - سنن أبى داود (1477 ) صحيح

(12) - مسند الشاميين (1510و3407) والمستدرك للحاكم (6421) والمعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 431) (17594 و17624 ) والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1099) والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (610) وهو صحيح موقوف

(13) - تاريخ دمشق - (ج 12 / ص 290)

(14) - العلم لزهير بن حرب (127 ) والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (632 ) صحيح

(15) - سنن الترمذى (4360 ) صحيح

(16) - سير أعلام النبلاء (5/347)

(17) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (619 ) صحيح

(18) - سنن الترمذى (4365 )

(19) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 25) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 19)

(20) - لأن المقصود هو المعنى فإذا أدى المعنى فقد حصل المطلوب ولهذا يجوز ترجمة معاني الآيات والأحاديث للعجم بلغتهم ليعرفوا معاني الآيات والحديث .

(21) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 1 / ص 37-38)

(22) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 208) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت