فإن قيل: إذا جاز للرّاوي الأوّل تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأوّل ، ويؤدّي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها . قيل له: الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا؛ فإن عُدمت لم يجز . قال ابن العربيّ: الخلاف في هذه المسألة إنما يُتصوّر بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجِبِلّية الذّوقية؛ وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز؛ إذ الطباع قد تغيّرت ، والفهوم قد تباينت ، والعوائد قد اختلفت؛ وهذا هو الحق . والله أعلم .
قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ابن العربيّ رحمه الله؛ فإن الجواز إذا كان مشروطًا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم؛ ولهذا لم يفصّل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل . نعم ، لو قال: المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب ، والله أعلم .اهـ
وقال المَاوردي [1] : إن نسي اللَّفظ جَاز, لأنَّه تحمل اللَّفظ والمعنى, وعجزَ عن أداء أحدهما, فيلزمهُ أداء الآخر, لا سيَّما أنَّ تركه قد يكون كتمًا للأحكام, فإن لم ينسه لم يجز أن يُورده بغيره, لأنَّ في كلامه - صلى الله عليه وسلم - من الفَصَاحة ما ليسَ في غيره.
وقال القاضي عِياض [2] : ينبغي سد باب الرِّواية بالمعنى, لئلا يتسلَّط من لا يحسن, مِمَّن يظن أنَّه يحسن, كما وقع للرواة كثيرًا قديما وحديثا, وعلى الجَوَاز الأولى إيراد الحديث بلفظه, دون التصرف فيه, ولا شكَّ في اشْتراط أن لا يَكُون مِمَّا تُعبِّد بلفظه, وقد صرَّح به هنا الزَّركشي, وإليه يرشد كلام العِرَاقي الآتي في إبْدَال الرَّسُول بالنَّبي, وعكسه.
وهذا الخلاف إنَّما يَجْري في غير المُصنَّفات, ولا يَجُوز تغيير شيء من مُصنَّف وإبْداله بلفظ آخر وإن كان بمعناه قطعًا, لأنَّ الرِّواية بالمعنى رخَّص فيها من رخَّص لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج, وذلك غير موجُود فيما اشْتملت عليه الكُتب, ولأنَّه إن ملكَ تغيير اللَّفظ, فليسَ يملك تغيير تصنيف غيره.
وينبغي للرَّاوي بالمعنى أن يَقُول عقيبه: أو كما قال, أو نحوه أو شبهه, أو ما أشبه هذا من الألفاظ وقد كان قومٌ من الصَّحَابة يفعلون ذلك, وهم أعلم النَّاس بمعاني الكلام خوفًا من الزَّلل لمعرفتهم بما في الرِّواية بالمعنى من الخطر.
وفي سنن ابن ماجه (24 ) عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ مَا أَخْطَأَنِى ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلاَّ أَتَيْتُهُ فِيهِ قَالَ فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَىْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - قَالَ فَنَكَسَ. قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً أَزْرَارُ قَمِيصِهِ قَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ قَالَ أَوْ دُونَ ذَلِكَ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ. ( وهو حديث صحيح)
وفي سنن الدارمى ( 277) عَنِ الشَّعْبِىِّ وَابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ. ( وفيه انقطاع)
وفي سنن الدارمى (274) عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ شِبْهَهُ أَوْ شَكْلَهُ. ( وفيه انقطاع)
وفي المستدرك (6456) والبزار (6719) عَنِ ابْنِ عَوْفٍ ، قَالَ:"كَانَ أَنَسٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -" ( صحيح)
وفي مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ (2773) عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ قَلِيلَ الْحَدِيثِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ" ( صحيح ) "
وإذا اشتبهت على القَارىء لفظة, فحسن أن يقول بعد قراءتها: على الشَّك, أو كما قال, لتضمنه إجازة من الشَّيْخ وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان.
قال ابن الصَّلاح [3] : ثمَّ لا يشترط إفراد ذلك في الإجازة كما تقدَّم قريبا.
قلت: هنا شروط كثيرة لرواية الحديث بالمعنى أوردها الزركشي في البحر المحيط وقد أوردتها في بحث حديث الآحاد فارجع إليها إن شئت .
إن العبرة في نصوص السنَّة ما تدلُّ عليه من الأحكام والشرائع ، فإن الأداء للحديث بمعناه عند مشقة الإتيان بلفظه ، محققٌ للغرض ، ما دام المعنى صحيحًا موافقًا لدلالة أصل لفظه .
نعم ، الرواية بالمعنى استعمالُ الراوي لاجتهاده في الألفاظ في سياقه الحديث ، وهذا قد يقع له فيه الغلط ، ولذا ، فإن من صور العلل الواردة على الأحاديث النبوية: التعليل بالخطأ بسبب الرواية بالمعنى . [4]
ـــــــــــــــ
(1) - توجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 45) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 9) و البحر المحيط - (ج 5 / ص 434)
(2) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 198) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 9) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 46)
(3) - علوم الحديث ص 227
(4) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 182)