فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 522

السابع- هل تجوز رواية الحديث مختصرا ؟

اختلف العُلماء في رواية بعض الحديث الواحد دُون بعض وهو المُسمَّى باختصار الحديث فمنعهُ بعضهم مُطلقًا, بناء على مَنْع الرِّواية بالمعنى, ومنعهُ بعضهم مع تجويزها بالمعنى, إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا ، وإن رواه هو مَرَّة أُخرى, أو غيره على التَّمام جاز وجوَّزه بعضهم مُطْلقًا.

قيل: وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف مُتعلقًا بالمأتي به تعلقًا يخلُّ بالمعنى حذفه, كالاستثناء, والشَّرط, والغاية, ونحو ذلك, والأمر كذلك. [1]

فقد حكى الصَّفي الهندي الاتِّفاق على المنع حينئذ.

والصَّحيحُ التَّفصيل وهو المنع من غير العالم وجَوَازه من العارف إذا كان ما تركه مُتميزًا عمَّا نقله غير مُتعلِّق بما رواه, بحيث لا يختلُّ البيان, ولا تختلف الدلالة فيما نقله بتركه, و على هذا يجوزُ ذلك سواء جَوَّزناها بالمعنى أم لا, سواء رواه قبلُ تامًّا أم لا، لأنَّ ذلك بمنزلة خَبَرين مُنفصلين.

وفي مسند ابن الجعد (1485 ) حدثني محمد قال: سمعت ابن عائشة يقول: قال ابن المبارك: « علمنا سفيان اختصار الحديث » (صحيح) .

هذا إن ارتفعت مَنْزلتهُ عن التُّهْمة, فأمَّا من رواه مرَّة تامًّا, فخاف إن رواه ثانيًا ناقصًا, أن يُتَّهم بزيادة فيما رواه أولًا, أو نسيان لغفلة, وقلة ضبط فيما رواه ثانيًا, فلا يجوز له النقصان ثانيًا ولا ابتداء, إن تعين عليه أداء تمامه, لئلا يخرج بذلك باقيه عن حيِّز الاحتجاج به.

وأمَّا تَقْطيع المُصنِّف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسائل, كل مسألة على حدة فهو إلى الجَوَاز أقرب ومن المنع أبعد.

وقد فعله الأئمة: مالك, والبُخَاري, وأبو داود, والنَّسائي, وغيرهم. [2]

وقال رشيد الدين العطار [3] :"اختلف العلماء فيها فمنهم من أجاز تقطيع الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب إذا كان مشتملا على عدة أحكام كل حكم منها مستقل بنفسه غير مرتبط بغيره كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه ومنهم من منع ذلك واختار إيراد الحديث كاملا كما سمعه والظاهر من مذهب مسلم رحمه الله إيراد الحديث بكامله من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه مثل حديث فلان أو نحوه والله عز وجل أعلم ."

وقال الحافظ ابن حجر [4] :"إن البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى، وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره بخلاف مسلم والسبب في ذلك أمران:"

أحدهما: أن البخاري صنف كتابه في طول رحلته، فقد روينا عنه أنه قال: رب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان. فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق ألفاظه برمتها بل بتصرف فيه ويسوقه بمعناه. ومسلم صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق.

الثاني: أن البخاري استنبط فقه كتابه من أحاديثه فاحتاج أن يقطع المتن الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام ليورد كل قطعة منه في الباب الذي يستدل به على ذلك الحكم الذي استنبط منه، لأنه لو ساقه في المواضع كلها برمّته لطال الكتاب.

ومسلم لم يعتمد ذلك، بل يسوق أحاديث الباب كلها سردا عاطفا بعضها على بعض في موضع واحد، ولو كان المتن مشتملا على عدة أحكام، فإنه يذكره في أمس المواضع وأكثرها دخلا فيه ويسوق المتون تامة محررة،""

وقال البَلْقِيني [5] : يَجُوز حذف زِيَادة مَشْكوك فيها بلا خِلاف, وكان مالك يفعلهُ كثيرًا تورعًا, بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شكَّ في وصله.

قال: ومحل ذلك زيادة لا تعلُّق للمذكور بها, فإن تعلَّق ذكرها مع الشَّك, كحديث البخارى ( 2190 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا فِى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَالَ نَعَمْ .- يعني فلا يجوز الحذف عندئذ -

مثال على ذلك ما في صحيح البخارى ( 447 ) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِى ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِىٍّ انْطَلِقَا إِلَى أَبِى سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ . فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِى حَائِطٍ يُصْلِحُهُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً ، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ ، فَرَآهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ « وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ » [6] . قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ .

قال الحافظ ابن حجر [7] :"وَلَفْظه"وَيْح عَمَّار تَقْتُلهُ الْفِئَة الْبَاغِيَة يَدْعُوهُمْ"الْحَدِيث ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يَذْكُرهَا الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع وَقَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يَذْكُرهَا أَصْلًا ، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُود . قَالَ الْحُمَيْدِيّ: وَلَعَلَّهَا لَمْ تَقَع لِلْبُخَارِيِّ ، أَوْ وَقَعَتْ فَحَذَفَهَا عَمْدًا . قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَرْقَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث . قُلْت: وَيَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ حَذَفَهَا عَمْدًا وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ خَفِيَّة ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ اِعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذِهِ الزِّيَادَة مِنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مُدْرَجَة ، وَالرِّوَايَة الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَزَّار مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي بِنَاء الْمَسْجِد وَحَمْلهُمْ لَبِنَة لَبِنَة وَفِيهِ فَقَالَ أَبُو سَعِيد"فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي وَلَمْ أَسْمَعهُ مِنْ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: يَا اِبْن سُمَيَّة تَقْتُلُك الْفِئَة الْبَاغِيَة"ا هـ ."

وَابْن سُمَيَّة هُوَ عَمَّار وَسُمَيَّة اِسْم أُمّه . وَهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط مُسْلِم ، وَقَدْ عَيَّنَ أَبُو سَعِيد مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِم وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ"حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْر مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ ، فَذَكَرَهُ"فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ عَلَى الْقَدْر الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو سَعِيد مِنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - دُون غَيْره ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى دِقَّة فَهْمه وَتَبَحُّرِهِ فِي الِاطِّلَاع عَلَى عِلَل الْأَحَادِيث . وَفِي هَذَا الْحَدِيث زِيَادَة أَيْضًا لَمْ تَقَع فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَهِيَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق خَالِد الْوَاسِطِيّ عَنْ خَالِد الْحَذَّاء وَهِيَ: فَقَالَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -"يَا عَمَّار أَلَا تَحْمِل كَمَا يَحْمِل أَصْحَابك ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدَ مِنْ اللَّه الْأَجْر"وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَة مَعْمَر فِيهِ أَيْضًا""

ويَجُوز في كِتَابة الأطْراف الاكتفاء ببعض الحديث مُطلقًا, وإن لم يفد.

ـــــــــــــــ

(1) - ذكرت ذلك مفصلا عن البحر المحيط للزركشي في بحث حديث الآحاد

(2) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 11)

(3) - غرر الفوائد المجموعة - (ج 1 / ص 279)

(4) - النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 282)

(5) - محاسن الاطلاع ص 337

(6) - فَإِنْ قِيلَ كَانَ قَتْله بِصِفِّينَ وَهُوَ مَعَ عَلِيّ وَاَلَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فَكَيْف يَجُوز عَلَيْهِمْ الدُّعَاء إِلَى النَّار ؟

فَالْجَوَاب أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّة ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْم عَلَيْهِمْ فِي اِتِّبَاع ظُنُونهمْ ، فَالْمُرَاد بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّة الدُّعَاء إِلَى سَبَبهَا وَهُوَ طَاعَة الْإِمَام ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّار يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَة عَلِيّ وَهُوَ الْإِمَام الْوَاجِب الطَّاعَة إِذْ ذَاكَ ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَاف ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ . وَقَالَ اِبْن بَطَّالٍ تَبَعًا لِلْمُهَلَّبِ: إِنَّمَا يَصِحّ هَذَا فِي الْخَوَارِج الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيّ عَمَّارًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَة ، وَلَا يَصِحّ فِي أَحَد مِنْ الصَّحَابَة . وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَام جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاح . وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَوَارِج إِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى عَلِيّ بَعْد قَتْل عَمَّار بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم لِذَلِكَ ، فَإِنَّ اِبْتِدَاء أَمْر الْخَوَارِج كَانَ عَقِب التَّحْكِيم ، وَكَانَ التَّحْكِيم عَقِب اِنْتِهَاء الْقِتَال بِصِفِّينَ وَكَانَ قَتْل عَمَّار قَبْل ذَلِكَ قَطْعًا ، فَكَيْف يَبْعَثهُ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ بَعْد مَوْته .

ثَانِيهَا: أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا إِنَّمَا هُمْ أَهْل الْكُوفَة بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُهُمْ عَلَى قِتَال عَائِشَة وَمَنْ مَعَهَا قَبْل وَقْعَة الْجَمَل ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ الصَّحَابَة جَمَاعَة كَمَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَة وَأَفْضَل ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيح بِذَلِكَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي كِتَاب الْفِتَن ، فَمَا فَرَّ مِنْهُ الْمُهَلَّب وَقَعَ فِي مِثْله مَعَ زِيَادَة إِطْلَاقه عَلَيْهِمْ تَسْمِيَة الْخَوَارِج وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ .

ثَالِثهَا: أَنَّهُ شَرَحَ عَلَى ظَاهِر مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة النَّاقِصَة ، وَيُمْكِن حَمْله عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِاَلَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّار كُفَّار قُرَيْش كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْض الشُّرَّاح ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن وَكَرِيمَة وَغَيْرهمَا وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَة الْفَرَبْرِيّ الَّتِي بِخَطِّهِ زِيَادَة تُوَضِّح الْمُرَاد وَتُفْصِح بِأَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى قَتَلَتِهِ وَهُمْ أَهْل الشَّام وَلَفْظه"وَيْح عَمَّار تَقْتُلهُ الْفِئَة الْبَاغِيَة يَدْعُوهُمْ"الْحَدِيث ،فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 178)

(7) - فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 178)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت