فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 522

الثامن- ينبغي للشَّيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحَّان أو مُصحِّف.

قال الحافظ العراقي [1] :

"وليحذرِ الشَّيْخُ أنْ يرويَ حديثَهُ بقراءةِ لَحَّانٍ أو مُصَحِّفٍ . فقد روينا عنْ الأصمعيِّ قالَ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ على طالبِ العلمِ إذا لم يعرفِ النَّحْوَ أنْ يدخلَ في جملةِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (( مَنْ كَذَبَ عليَّ فليتبوَّأْ مقعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ) [2] ، لأنَّهُ لم يكن يَلْحَنُ ، فمَهْمَا رويتَ عنهُ ولحنتَ فيه كذبتَ عليهِ ."

وقد روينا نحوَ هذا عن حمَّادِ بنِ سلمةَ أنَّهُ قالَ لإِنْسَاْنٍ [3] : إنْ لحنتَ في حَدِيْثِي فقدْ كذبتَ عليَّ، فإنِّي لا أَلْحَنُ .

وقدْ كانَ حمَّادٌ إمَامًَا في ذلكَ. وقدْ روينا أنَّ سيبويهِ شكاهُ إلى الخليلِ بنِ أحمدَ ، قالَ: سألتُهُ عن حديثِ هِشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ في رجلٍ رَعُفَ ، فانتهرني ، وقالَ لي: أخطأتَ ، إنَّمَا هو رَعَفَ، أي: - بفتحِ العينِ -، فقالَ لهُ الخليلُ: صدقَ ، أَتَلْقَى بهذا الكلامِ أبا سلمةَ [4] .

قالَ ابنُ الصلاحِ [5] : (( فحقَّ على طالبِ الحديثِ أنْ يتعلمَ مِنَ النَّحْوِ واللُّغَةِ ما يتخلَّصُ بهِ عن شَيْنِ اللَّحْنِ ، والتحريفِ ، ومَعَرَّتِهمَا ) ).

وروى الخطيبُ [6] عن شعبةَ قالَ: مَنْ طَلَبَ الحديثَ فلم يُبْصِرِ العربيةَ كمثل رَجُلٍ عليه بُرْنُسٌ [7] ، وليسَ لهُ رأسٌ .

وروى الخطيبُ أيضًا عن حمَّادِ بنِ سلمةَ ، قالَ [8] : مَثَلُ الذي يطلبُ الحديثَ ولا يعرفُ النحوَ ، مَثَلُ الحمَارِ عليهِ مِخْلاَةٌ لا شعيرَ فيها .

فبتعلُّمِ النَّحْوِ يسلمُ من اللَّحنِ . وأما السلامةُ من التصحيفِ فسبيلُها الأَخْذُ من أفواهِ أهلِ العلمِ، والضبطِ عنهم ، لا من بُطُونِ الكُتُبِ ، فقلَّمَا سَلِمَ منَ التصحيفِ مَنْ أخذَ العلمَ مِنَ الصُّحُفِ من غيرِ تدريبِ المشايخِ . اهـ

وقال العَبَّاسُ بنُ المُغِيْرَةِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ العَزِيْزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى أَبِي، لِيعرضُوا عَلَيْهِ كِتَابًا، فَقَرَأَهُ لَهُم الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَكَانَ رَدِيْءَ اللِّسَانِ، يَلْحَنُ لحنًا قبِيْحًا، فَقَالَ أَبِي: وَيْحَكَ يَا درَاوردِيّ، أَنْتَ كُنْتَ إِلَى إِصلاَحِ لِسَانِكَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [9]

وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف, فقد قال ابن سيرين و عبد الله بن سَخْبرة أبو مَعْمر, وأبو عُبيد القاسم بن سلاَّم فيما رواه البَيْهقي عنهما: يرويه على الخطأ كما سمعه.

قال ابن الصَّلاح [10] : وهذا غُلو في اتِّباع اللَّفظ والمنع من الرِّواية بالمعنى.

والصَّواب قول الأكثرين منهم: ابن المُبَارك, والأوزاعي, والشَّعبي, والقاسم بن مُحمَّد, وعطاء, وهمَّام, والنَّضر بن شُميل: أنَّهُ يرويه على الصَّواب لا سيَّما في اللَّحن الَّذي لا يختلف المعنى به.

وأمَّا إصلاحه في الكتاب وتغيير ما وقع فيه فجَوَّزه بعضهم أيضًا.

والصَّواب تقريره في الأصل على حاله, مع التَّضبيب عليه وبيان الصَّواب في الحاشية كما تقدَّم, فإن ذلك أجمع للمصلحة, وأنفى للمَفْسدة, وقد يأتي من يظهر له وجه صحَّته, ولو فتح باب التَّغيير لجسر عليه من ليس بأهل.

ثمَّ الأوْلَى عند السَّماع أن يقرأه أولًا على الصَّواب, ثمَّ يقول وقع في روايتنا, أو عند شيخنا, أو من طريق فُلان كذا, وله أن يقرأ ما في الأصل أولًا ثمَّ يذكر الصَّواب وإنَّما كان الأوَّل أولى, كيلا يتقوَّل على رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل. وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر فإن ذكره أمن من التَّقول المذكُور.

وإن كان الإصلاح بزيادة السَّاقط من الأصل فإن لم يُغَاير معنى الأصل فهو على ما سبق، كذا عبَّر ابن الصَّلاح أيضًا.

وقال العِرَاقي [11] :"إذا كانَ الساقطُ من الأَصلِ شيئًا يسيرًا يُعْلَمُ أنَّهُ سقطَ في الكتابةِ ، وهو معروفٌ كلفظِ: ابنِ في النسبِ ، وكحرفٍ لا يختلفُ المعنى بهِ ، فلا بَأْسَ بإلحاقِهِ في الأصلِ من غيرِ تنبيهٍ على سقوطِهِ . وقد سألَ أبو داودَ أحمدَ بنَ حنبلٍ فقالَ [12] : وجدْتُ في كتابي: (( حَجَّاجٌ عن جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ ) )، يجوزُ لي أنْ أُصلحَهُ: (( ابنُ جريجٍ ؟ ) )فقالَ: أرجو أنْ يكونَ هَذَا لا بأسَ بهِ . وقيلَ لمالكٍ [13] : أرأيتَ حديثَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُزادُ فيهِ الواوُ والألفُ، والمعنى واحدٌ ؟ فقالَ: أرجو أنْ يكونَ خفيفًا . انتهى ."

وإذا كانَ الساقطُ يُعلمُ أنَّهُ سقطَ من بعضِ مَنْ تأخَّرَ من رواةِ الحديثِ ، وأنَّ مَنْ فوقَهُ من الرواةِ أَتى بهِ ، فإنَّهُ يُزادُ في الأصلِ ، ويُؤتَى قبلَهُ بلفظِ: يعني ، كما فعلَ الخطيبُ إذ روى عن أبي عُمَرَ ابنِ مهديٍّ عن المحامليِّ بسنِدهِ إلى عُرْوَةَ عن عَمْرَة - يعني - عن عائشةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُدْنِي إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ . قالَ الخطيبُ: كانَ في أصلِ ابنِ مهديٍّ (( عن عَمْرَةَ ، قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُدْنِي إِليَّ رأسَهُ ) ) [14] . فأَلْحَقْنَا فيهِ ذكرَ ( عائشةَ ) ، إذ لم يكنْ منهُ بُدٌّ. وعَلِمْنا أنَّ المحامليَّ كذلكَ رواهُ ، وإنَّما سقطَ مِنْ كتابِ شيخِنا ، وقلنا فيهِ: (( يعني عن عائشةَ ) )؛ لأنَّ ابنَ مهديٍّ لم يقلْ لنا ذلكَ. قالَ: وهكذا رأيتُ غيرَ واحدٍ من شيوخِنا يفعلُ في مثلِ هذا ، ثُمَّ روى عن وكيعٍ قالَ: (( أنا استعينُ في الحديثِ بـ: يعني ) ).""

هذا إذا علم أنَّ شيخه رواه له على الخطأ, فأمَّا إن رواهُ في كِتَاب نفسهِ, وغلبَ على ظنِّه أنَّه أي: السقط من كِتَابه, لا من شيخه, فيتجه حينئذ إصلاحه في كِتَابه و في روايته عند تحديثه كما تقدَّم عن أبي داود.

كمَا إذا درس من كِتَابه بعض الإسناد أو المتن بتقطع, أو بَلَل, ونحوه فإنَّه يجُوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحَّته ووثق به بأن يكُون أخذه عن شيخه وهو ثقة وسكنت نفسه إلى أنَّ ذلك هو السَّاقط, كذا قال أهل التَّحقيق ومِمَّن فعله نُعيم بن حمَّاد.

ـــــــــــــــ

(1) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 168)

(2) - صحيح البخارى (107) وهو حديث متواتر

(3) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1095)

(4) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1082 )

(5) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 47)

(6) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1080 )

(7) - البرنس: كل ثوب رأسُه منه مُلْتَزق به

(8) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1081 )

(9) - الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي - (ج 1 / ص 175) و سير أعلام النبلاء (8/368)

(10) - علوم الحديث ص 229

(11) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 169)

(12) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (784)

(13) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (780 )

(14) - سنن أبى داود (2469) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت