فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 522

كان ظهور التدوين في هذا العلم كفنٍّ مستقلٍّ في القرن الرابع الهجري على ما نعلم وإليك أشهر ما ألف فيه:

1.أول من ألف فيه القاضي"أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن ابن خلاد الرامهرمزي" [1] المتوفى حوالي سنة 360هـ فألف كتابًا سماه"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"ولكونه أول محاولة لم يجئ كتابه على ما ينبغي . فلم يستوعب كل أنواع هذا العلم ومباحثه . وهذه هي السنَّة في التأليف . فما من علم مبتدع إلا ويبدأ صغيرًا ثم يكبر, وقليلًا ثم يكثر .

2.ثم جاء بعده الحاكم" [2] أبوعبد الله محمد بن عبد الله بن البيع النيسابوري"المتوفى سنة 405هـ فألف كتابه"علوم الحديث"ولكنه لم يهذب الفن كما ينبغي ولم يرتبه الترتيب المنشود .

3.ثم تلاه الحافظ"أبو نعيم الأصفهاني" [3] المتوفى سنة 430 هـ فعمل على كتاب الحاكم مستخرجا زاد فيه أشياء على ما في كتابه . لكنه أبقى أشياء لم يذكرها فتداركها من جاء بعده ...

4.ثم جاء بعد هؤلاء الخطيب"أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي [4] "المتوفى سنة 463هـ فألف في قوانين الرواية كتابًا سماه"الكفاية في قوانين الرواية"وفي آدابها كتابًا سماه"الجامع لآداب الشيخ والسامع".

وقل فن من فنون الحديث إلا وقد ألف فيه كتابًا مفردًا . فكان كما قال الحافظ"أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة"البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 629هـ [5] :"كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه".

5.ثم جاء القاضي"عياض بن موسى اليحصبي" [6] المتوفى سنة 544هـ فألف كتابًا سماه"الإلماع في ضبط الرواية وقوانين السماع".

6.وألف"أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميَانِجي"المتوفى سنة 580هـ رسالة مختصرة سماها"مالا يسع المحدث جهله". [7]

7.ثم جاء فارس هذه الحلبة الحافظ الفقيه"تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح الشّهْرَزُوري [8] "نزيل دمشق المتوفى سنة 643هـ فألف لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور"علوم الحديث"ويعرف بـ"مقدمة ابن الصلاح".

وقد اعتنى ابن الصلاح بتصانيف الخطيب وغيره ممن سبقه فهذبها وجمعها في كتابه هذا . ولكنه أملاها على طلبته شيئًا فشيئًا من غير سبق روية وتفكير وتأمل في الترتيب والتنسيق .

فلهذا لم يجيء ترتيبه على الوضع المتناسب الدقيق كما هو الشأن في التآليف المنسقة .

فلم يذكر ما يتعلق بالمتن وحده وما يتعلق بالسند وحده ، وما يشتركان معا فيه ، وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده ، وما يختص بصفات الرواة وحده ، وهكذا.

وقد اعتذر عنه الإمام"السيوطي"في كتابه"التدريب"بأنه جمع متفرقات هذا الفن من كتب مطولة في هذا الحجم اللطيف ، ورأى أن تحصيله وإلقاءه إلى طالبيه أهم من تأخير ذلك إلى أن تحصل العناية التامة بحسن ترتيبه وإجادة تنسيقه. [9] وقد ذكر في كتابه خمسة وستين نوعًا وقال: وليس بآخر الممكن في ذلك فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى

وقد صدق فقد وصل السيوطي بأنواعه في التدريب إلى ثلاثة وتسعين نوعًا . منها ما أدمجه ابن الصلاح في غيره ، كـ"المعنعن والمعلق". فقد ذكرهما في نوع المعضل .

ومنها ما فاته كـ"القوي ، والجيد ، والمعروف ، والمحفوظ , والثابت , والصالح , وكمن اتفق اسمه واسم شيخه ، ونحوهما ."

وقد شرح كتاب ابن الصلاح الحافظ"العراقي". وهو شرح نفيس قيم له فيه عليه إيضاحات وتفسيرات وتقييدات وزيادات , وقد سماه"التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من علوم ابن الصلاح". وهو مطبوع

وقد اعتنى العلماء بكتاب"ابن الصلاح"، وسار في فلكه جل ما ألف بعده في علوم الحديث . فمنهم من نظمه , ومنهم من أختصره , ومنهم من اقتصر على بعض ما جاء فيه , ومنهم من استدرك عليه بعض ما فاته , ومنهم من انتصر له ونافح عنه ...

8.فمن نظمه الحافظ"أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي [10] "المتوفى سنة 806هـ في كتابه"ألفية الحديث"وشرحها هو بنفسه ، وكذلك شرحها بعده الحافظ"السخاوي"في شرح جيد وهو أحسن شروحها.

9.وممن اختصره الإمام الحافظ"أبو زكريا محيي الدين النووي"المتوفى سنة 676هـ في كتاب سماه"الإرشاد"ثم اختصر المختصر في كتاب سماه"التقريب" [11]

(1) - الرَّامَهُرْمُزِيُّ الحَسَنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ خَلاَّدٍ الإِمَامُ، الحَافِظُ، البَارعُ، مُحَدِّثُ العجمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ خَلاَّدٍ الفَارِسِيُّ الرَّامَهُرْمُزِيُّ القَاضِي، مصَنِّفُ كِتَابِ (المُحَدِّثِ الفَاصلِ بينَ الرَّاوِي وَالوَاعِي) فِي عُلومِ الحَدِيْثِ، وَمَا أَحسنَهُ مِنْ كِتَابٍ! ..سير أعلام النبلاء (16/74) (55 )

(2) - الحَاكِمُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَمْدُوَيْه الإِمَامُ، الحَافِظُ، النَّاقِدُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ المُحَدِّثِيْنَ، أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ البَيِّع الضَّبِّيّ، الطَّهْمَانِيُّ، النَّيْسَابُوْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ...سير أعلام النبلاء (17/164) (100 )

(3) - أَبُو نُعَيْمٍ المِهْرَانِيُّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو نُعَيْمٍ المِهْرَانِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الصُّوْفِيُّ، الأَحْوَلُ، سِبْطُ الزَّاهِدِ مُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ البَنَّاءِ، وَصَاحِبُ (الحِلْيَةِ) ...سير أعلام النبلاء (17/455) (305 )

(4) - الخَطِيْبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثَابِتٍ ،الإِمَامُ الأَوْحَدُ، العَلاَّمَةُ المُفْتِي، الحَافِظُ النَّاقِدُ، مُحَدِّثُ الوَقْتِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثَابِتِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مَهْدِيٍّ البَغْدَادِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، وَخَاتمَةُ الحُفَّاظ...سير أعلام النبلاء (18/271) (137 )

(5) - ابْنُ نُقْطَةَ، مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الغَنِيِّ بنِ أَبِي بَكْرٍ الإِمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ المُتْقِنُ، الرَّحَّالُ، مُعِيْنُ الدِّيْنِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الغَنِيِّ بن أَبِي بَكْرٍ بنِ شُجَاعِ بنِ أَبِي نَصْرٍ البَغْدَادِيُّ، الحَنْبَلِيُّ..سير أعلام النبلاء (22/348) (216 )

(6) - القَاضِي عِيَاضٌ بنُ مُوْسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحْصَبِيُّ الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ عِيَاضُ بنُ مُوْسَى بنِ عِيَاضِ بنِ عَمْرِو بنِ مُوْسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحْصَبيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، ثُمَّ السَّبْتِيُّ، المَالِكِيُّ...سير أعلام النبلاء (20/214) (136 )

(7) - عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين القرشي، أبو حفص الميانشي: شيخ الحرم بمكة. انتقل إليها من بلده"ميانش"من قريش المهدية بإفريقية، وحدث بمصر في طريقه إلى مكة.من تآليفه"كراس"في علم الحديث سماه"مالا يسع المحدث جهله - ط"و"تعليقات على الفردوس - خ"في شستربتي 5169 و"الاختيار في الملح والاخبار - خ"أيضا 4971 و"المجالس المكية"قيل: روى فيها أحاديث باطلة، و"روضة المشتاق"في الرقائق.توفي بمكة .الأعلام للزركلي - (ج 5 / ص 53)

(8) - ابْنُ الصَّلاَحِ، أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ الكُرْدِيُّ الإِمَامُ، الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، تَقِيُّ الدِّيْنِ، أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ ابْنُ المُفْتِي صَلاَحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ عُثْمَانَ بنِ مُوْسَى الكُرْدِيُّ، الشَّهْرُزُوْرِيُّ، المَوْصِلِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ (عُلُوْمِ الحَدِيْثِ) .وَتَفَقَّهَ عَلَى وَالِدهِ بِشَهْرَزُوْرَ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالمَوْصِلِ مُدَّةً، وَسَمِعَ مِنْ: عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ السَّمِينِ، وَنَصْرِ بن سَلاَمَةَ الهِيْتِيِّ، وَمَحْمُوْدِ بنِ عَلِيٍّ المَوْصِلِيِّ، وَأَبِي المُظَفَّرِ بنِ البَرْنِيِّ، وَعَبْدِ المُحْسِنِ ابْنِ الطُّوْسِيِّ، وَعِدَّةٍ بِالمَوْصِلِ. وَمِنْ: أَبِي أَحْمَدَ بنِ سُكَيْنَةَ، وَأَبِي حَفْصِ بنِ طَبَرْزَذَ، وَطَبَقَتِهِمَا بِبَغْدَادَ، وَمِنْ أَبِي الفَضْلِ بنِ المُعَزّمِ بِهَمَذَانَ....

قُلْتُ: كَانَ ذَا جَلاَلَةٍ عَجِيْبَةٍ، وَوقَارٍ وَهَيْبَةٍ، وَفَصَاحَةٍ، وَعلمٍ نَافِعٍ، وَكَانَ مَتينَ الدّيَانَةِ، سَلفِيَّ الجُمْلَةِ، صَحِيْحَ النِّحْلَةِ، كَافًّا عَنِ الخوضِ فِي مَزلاَّتِ الأَقدَامِ، مُؤْمِنًا بِاللهِ، وَبِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ مِنْ أَسمَائِهِ وَنُعوتهِ، حَسَنَ البِزَّةِ، وَافِرَ الحُرْمَةِ، مُعَظَّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَقَدْ سَمِعَ الكَثِيْرَ بِمَرْوَ مِنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ المُوْسَوِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ السَّنْجِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ المَسْعُوْدِيِّ، وَكَانَ قُدُومُهُ دِمَشْقَ فِي حُدُوْدِ سَنَةِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ بَعْدَ أَنْ فَرغَ مِنْ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ وَالجَزِيْرَةِ.

وَكَانَ مَعَ تَبحُّرِهِ فِي الفِقْهِ مُجَوِّدًا لِمَا يَنقُلُه، قَوِيَّ المَادَّةِ مِنَ اللُّغَةِ وَالعَرَبِيَّةِ، مُتَفَنِّنًا فِي الحَدِيْثِ، مُتَصَوِّنًا، مُكِبًّا عَلَى العِلْمِ، عَدِيْمَ النَّظِيْرِ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ مَسْأَلَةٌ لَيْسَتْ مِنْ قَوَاعِدِهِ شَذَّ فِيْهَا، وَهِيَ صَلاَةُ الرَّغَائِبِ قَوَّاهَا وَنَصَرهَا مَعَ أَنَّ حَدِيْثَهَا بَاطِلٌ بِلاَ تَرَدُّدٍ، وَلَكِنَّ لَهُ إِصَابَات وَفَضَائِل...سير أعلام النبلاء (23/141) (100 )

(9) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 15) و النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 232)

(10) - الحافظ الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي.

حافظ العصر ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمنشأة المهراني بين مصر والقاهرة وكان أصل أبيه من بلدة يقال لها رازيان من عمل أربل وقدم القاهرة وهو صغير فنشأ في خدمة الصالحين ومن جملتهم الشيخ تقي الدين القنائي ويقال إنه بشره بالشيخ وقال: سمه عبد الرحيم يعني باسم جده الأعلى الشيخ عبد الرحيم القنائي أحد المعتقدين بصعيد مصر فكان كذلك.

وأول ما أسمع الحديث على سنجر الجاولي والتقي الاخنائي ثم اسمع على ابن شاهد الجيش وابن عبد الهادي والتقي السبكي واشتغل بالعلوم وأحب الحديث فأكثر من السماع وتقدم في فن الحديث بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة. كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم ونقل عنه الشيخ جمال الدين الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر وكذلك وصفه في الطبقات في ترجمة ابن سيد الناس فقال:وشرح - يعني ابن سيد الناس - قطعة من الترمذي نحو مجلدين وشرع في إكماله حافظ الوقت زين الدين العراقي إكمالا مناسبا لأصله انتهى.

وله من المؤلفات في الفن الألفية التي اشتهرت في الآفاق وشرحها ونكت ابن الصلاح والمراسيل ونظم الاقتراح وتخريج أحاديث الإحياء في خمس مجلدات ومختصره سماه المغني في مجلدة وبيض من تكملة شرح الترمذي كثيرًا وكان أكمله في مسودة أوكاد ونظم منهاج البيضاوي في الأصول ونظم غريب القرآن ونظم السيرة النبوية في ألف بيت وولي قضاء المدينة الشريفة.

قال الحافظ ابن حجر: وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين فأحيا الله به سنة الإملاء بعد تأن كانت دائرة فأملى أكثر من أربعمائة مجلس قال الحافظ: وكانت أماليه يمليها من حفظه متقنة مهذبة محررة كثيرة الفوائد الحديثية قال: وكان الشيخ منور الشيبة جميل الصورة كثير الوقار نزر الكلام طارحًا للتكلف لطيف المزاج سليم الصدر كثير الحياء قل أن يواجه أحدًا بما يكرهه ولو أذاه متواضعًا حسن النادرة والفكاهة وكان لا يترك قيام الليل بل صار له كالمألوف وكان كثير التلاوة إذا ركب وكان عيشه ضيقًا.

قال رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم وعيسى عليه السلام عن يمينه والشيخ زين الدين العراقي عن يساره مات في ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة. طبقات الحفاظ - (ج 1 / ص 114) فما بعدها وذيل تذكرة الحفاظ - (ج 1 / ص 220)

(11) - يحيى بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي العالم، محيي الدين أبو زكريا النووي ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه، ولد بنوى سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ونوى قرية من قرى حوران.

وقد قدم دمشق سنة تسع وأربعين، وقد حفظ القرآن فشرع في قراءة التنبيه، فيقال إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع العبادات من المذهب في بقية السنة، ثم لزم المشايخ تصحيحًا وشرحًا، فكان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درسًا على المشايخ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئًا كثيرًا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله، فمما كمل (شرح مسلم) ، و (الروضة) ، و (المنهاج) ، و (الرياض) ، و (الأذكار) ، و (التبيان) ، و (تحرير التنبيه وتصحيحه) ، و (تهذيب الأسماء واللغات) ، و (طبقات الفقهاء) وغير ذلك.

ومما لم يتممه ولو كمل لم يكن له نظير في بابه: (شرح المهذب) الذي سماه المجموع، وصل فيه إلى كتاب الربا، فأبدع فيه وأجاد وأفاد، وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره، وحرر الحديث على ما ينبغي، والغريب واللغة وأشياء مهمة لا توجد إلا فيه، وقد جعله نخبة على ما عن له ولا أعرف في كتب الفقه أحسن منه، على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه وتضاف إليه.

وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر ولا يجمع بين إدامين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى، وقد باشر تدريس الاقبالية نيابة عن ابن خلكان، وكذلك ناب في الفلكية والركنية، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية.

وكان لا يضيع شيئًا من أوقاته، وحج في مدة إقامته بدمشق، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم.

توفي في ليلة أربع وعشرين من رجب من هذه السنة بنوى، ودفن هناك رحمه الله وعفا عنا وعنه.البداية والنهاية لابن كثير (ج/ص: 13/327) ، وله ترجمة مطولة في تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 12 / ص 345) (330) ابتدأها بقوله: يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين .مفتي الأمة ، شيخ الإسلام ، محيي الدين ، أبو زكريا النواوي ، الحافظ ، الفقيه ، الشافعي ، الزاهد ، أحد الأعلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت