وقد شرحه شرحًا وافيًا الإمام"السيوطي" [1] المتوفى سنة 911هـ في كتاب سماه"تدريب الراوي"ويعتبر شرحًا للتقريب على الخصوص ثم لكتاب ابن الصلاح وغيره من كتب الفن على العموم . فمن ثم جاء كتاب"التدريب"أوفى ما كتب في علم مصطلح الحديث و أصوله ، وعليه المعوَّل لكل من ألف في الفن بعده . وقد أكثر فيه من النقول والنصوص . تاركًا لمن جاء بعده التحقيق والتمحيص . والموازنة والترجيح . وله طبعات كثيرة بعضها محقق بشكل جيد
10.وممن اختصره أيضا الإمام الحافظ الفقيه المفسر المؤرخ"عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي"المتوفى سنة 774هـ في كتاب سماه"اختصارعلوم الحديث"وله فيه على ابن الصلاح استدراكات مفيدة ، و تعقبات مهمة ، وزيادات وتوضيحات قيمة [2] .
وممن اختصره مع الزيادات قاضي القضاة بمصر"بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني المتوفى سنة 733هـ وسمى كتابه"المنهل الروي في الحديث النبوي"."
وممن اختصره أيضا مع زيادات وتحقيقات الإمام"أبو حفص سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني"المتوفى سنة 805 هـ وسمى كتابه:"محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح" [3] .
(1) - عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد بن ابى بكر بن عمر بن خليل بن نصر بن الخضر بن الهمام الجلال الأسيوطى الاصل الطولوى الشافعى الامام الكبير صاحب التصانيف ولد في أول ليلة مستهل رجب سنة 849 تسع وأربعين وثمان مائة ونشأ يتميا فحفظ القرآن والعمدة والمنهاج الفرعى وبعض الأصلى وألفية النحو وأخذ عن الشمس محمد بن موسى الحنفى في النحو وعلى العلم البلقينى والشرف المناوى والشمنى والكافياجي في فنون عديدة وجماعة كثيرة كالبقاعى وسمع الحديث من جماعة وسافر إلى الفيوم ودمياط والمحلة وغيرها وأجاز له أكابر علماء عصره من ساير الأمصار وبرز في جميع الفنون وفاق الأقران واشتهر ذكره وبعد صيته وصنف التصانيف المفيدة كالجامعين في الحديث والدر المنثور في التفسير والاتقان في علوم القرآن وتصانيفه في كل فن من الفنون مقبولة قد سارت في الأقطار مسير النهار ولكنه لم يسلم من حاسد لفضله وجاحد لمناقبه فان السخاوى في الضوء اللامع وهو من أقرانه ترجمة مظلمة غالبها ثلب فظيع وسب شنيع وانتقاص وغمط لمناقبه تصريحا وتلويحا ولا جرم فذلك دأبه في جميع الفضلاء من أقرانه وقد تنافس هو وصاحب الترجمة منافسة أوجبت تأليف صاحب الترجمة لرسالة سماها الكاوى لدماغ السخاوى فليعرف المطلع على ترجمة هذا الفاضل في الضوء اللامع انها صدرت من خصم له غير مقبول عليه فممن جملة ما قاله في ترجمته انه لم يمعن الطلب في كل الفنون بل قال بعد أن عدد شيوخه انه حين كان يتردد عليه كثيرا من مصنفاته كالخصال الموجبة للظلال والاسماء النبوية والصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم وموت الانبياء ومالا يحصره قال بل أخذ من كتب المحمودية وغيرها كثيرا من التصانيف المتقدمة التى لاعهد لكثير من العصريين بها في فنون فغير فيها يسيرا وقدم وأخر ونسبها إلى نفسه وهول في مقدماتها بما يتوهم منه الجاهل شيئا مما لا يوفى ببعضه وأول ما أبرز جزء له في تحريم المنطق جرده من مصنف لابن تيمية واستعان في اكثره فقام عليه الفضلاء قال وكذا درس جمعا من العوام بجامع ابن طولون بل صار يملى على بعضهم ممن لا يحسن شيئا ثم قال كل هذا مع انه لم يصل ولا كاد ولهذا قيل انه تزيب قبل ان يكون حصرما وأطلق لسانه وقلمه في شيوخه فمن فوقهم بحيث قال عن القاضى العضد انه لا يكون طعنه في نعل ابن الصلاح وعزر على ذلك من بعض نواب الحنابلة بحضرة قاضيهم ونقص السيد والرضى في النحو بمالم يبد فيه مستندا مقبولا بحيث انه أظهر لبعض الغرباء الرجوع عن ذلك فانه لما اجتمعا قال له قلت السيد الجرجانى قال ان الحرف لا معنى له في نفسه ولا في غيره وهذا كلام السيد ناطق بتكذيبك فيما نسبته اليه فأوجدنا مستندا فيما تزعمته فقال انى لم أر له كلاما ولكنى لما كنت بمكة تجاذبت مع بعض الفضلاء الكلام في المسئلة فنقل لى ما حكيته وقلدته فيه فقال هذا عجيب مما يتصدى للتصنيف يقلد في مثل هذا مع هذا الاستاذ انتهى وقال من قرأ الرضى ونحوه لم يترق الى درجة ان يسمى مشاركا في النحو ولازال يسترسل حتى قال انه رزق التبحر في سبعة علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعانى والبيان والبديع قال والذى أعتقده ان الذى وصلت إليه من الفقه والنقول التى اطلعت عليها مما لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخى فضلا عمن دونهم قال ودون هذه السبعة أصول الفقه والجدل والصرف ودونهما الانشاء والترسل والفرائض ودونها القراآت ولم آخذها عن شيخ ودونها الطب واما الحساب فأعسر شىء على وأبعده عن ذهنى واذا نظرت في مسئلة تتعلق به فكأنما احاول جبلا أحمله قال وقد كملت عندى الات الاجتهاد بحمد الله الى ان قال ولو شئت أن اكتب في كل مسئلة تصينف باقوالها وادلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والمقارنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك وقال ان العلماء الموجودين يرتبون له من الاسئلة الوفا فيكتب عليها أجوبة على طريقة الاجتهاد قال السخاوى بعد ان نقل هذا الكلام عن صاحب الترجمة في وصف نفسه ما أحسن قول بعض الاستاذين في الحساب ما اعترف به عن نفسه مما توهم به أنه متصف أول دليل على بلادته وبعد فهمه لتصريح ايمة الفن بانه فن ذكاء ونحو ذلك وكذا قول بعضهم دعواه الاجتهاد ليستر خطأه ونحو هذا وقد اجتمع به بعض الفضلاء ورام التكلم معه في مسئلة فقال ان بضاعتى في علم النحو مزجاة وقول اخر له أعلمنى عن الات الاجتهاد ما بقى أحد يعرفها فقال له نعم ما بقى من له مشاركة فيها على وجه الاجتماع في واحد بل مفرقا فقال له فاذكرهم لى ونحن نجمعهم لك ونتكلم معهم فان اعترف كل واحد لك بعلمه وتميزك فيه امكن ان نوافقك في دعواك فسكت ولم يبد شيئا وذكر أن تصانيفه زادت على ثلثمائة كتاب رأيت منها ما هو في ورقة واما ما هو دون كراسة فكثير وسمى منها شرح الشاطبية وألفية في القراآت مع اعترفه بانه لا شيخ له فيها ومنها ما اختلسه من تصانيف شيخنا يعنى ابن حجر منها كتاب النقول في أسباب النزول وعين الاصابة في معرفة الصحابة والنكت البديعات على الموضوعات والمدرج الى المدرج وتذكرة المؤتسى بمن حدث ونسى وتحفة النابه بتلخيص المتشابه وما رواه الواعون في أخبار الطاعون والاساس في مناقب بنى العباس وجزء في أسماء المدلسين وكشف النقاب عن الالقاب ونشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير قال فكل هذه مصنفات شيخنا وليته إذا اختلسها لم يمسخها ولو مسخها على وجهها لكان أنفع ومنها ماهو لغيره وهو الكثير هذا ان كانت المسخيات موجودة كلها والا فهو كثير المجازفة جاءنى مرة فزعم أنه فرأ مسند الشافعى على القميصى في يوم فلم يلبث ان جاء القميصى وأخبرنى متبرعا بما تضمن كذبه حيث أخبر أنه بقى منه جانب قال السخاوى وقال انه عمل النفحة المسكية والتحفة المكية في كراسة وهو بمكة على نمط عنوان الشرف لابن المقرى في يوم واحد وانه عمل ألفية في الحديث فايقة على ألفية العراقى إلى غير ذلك مما يطول شرحه ثم قال كل ذلك مع كثرة ما يقع له من التحريف والتصحيف وما ينشأ عن عدم فهم المراد لكونه لم يزاحم الفضلاء في دروسهم ولا جلس معهم في شانهم وتعريسهم بل استند باخذه من بطون الدفاتر والكتب واعتمد ما لا يرتضيه من اللاتقان صحب وقد قام الناس عليه كافة لما ادعى الاجتهاد ثم قال وبالجملة فهو سريع الكتابة لم أزل أعرفه بالهوس ومزيد الترفع حتى على أمه بحيث كان تزيد في التشكى منه ولا يزال أمره في تزايد من ذلك فالله يلهمه رشده ونقل عنه أنه قال تركت الافتاء والاقراء واقبلت على الله وزعم انه راى مناما يقتضى ذم النبى صلى الله عليه وآله وسلم له وأمر خليفته الصديق بحبسه سنة ليراجع الاقراء والافتاء وانه استغفر الله بعد ذلك واقبل على الافتاء بحيث لوجىء اليه بفتيا وهو مشرف على الغرق لأخذها ليكتب عليها قال ومن ذلك أنه توسل عند الامام البرهان الكركى في تعيينه لحجة كانت تحت نظره فأجابه وزاد من عنده ضعف الاصل فما قال له جزيت خيرا ولا أبدى كلمة تؤذن بشكره قال ومن هوسه أنه قال لبعض تلامذته إذا صار الينا القضاء قررنا لك كذا وكذا بل تصير أنت الكل هذا حاصل ماذكره السخاوي في كتابة الضوء اللامع في ترجمة الجلال السيوطى وختمها بقوله انه ألف مؤلفا سماه الكاوى في الرد على السخاوى وأقول لا يخفى على المنصف ما في هذا المنقول من التحامل على هذا الامام فانه ما اعترف به من صعوبة علم الحساب عليه لا يدل على ما ذكره من عدم الذكاء فان هذا الفن لا يفتح فيه على ذكى إلا نادرا كما نشاهده الآن في أهل عصرنا وكذلك سكوته عند قول القايل له تجمع لك أهل كل فن من فنون الاجتهاد فان هذا كلام خارج عن الانصاف لأن رب الفنون الكثيرة لا يبلغ تحقيق كل واحد منها ما يبلغه من هو مشتغل به على انفراده وهذا معلوم لكل احد وكذا قوله انه مسخ كذا وأخذ كذا ليس بعيب فان هذا مازال دأب المصنفين يأتى الاخر فيأخذ من كتب من قبله فيختصر أو يوضح او يعترض أو نحو ذلك من الأغراض التى هى الباعثة على التصنيف ومن ذاك الذى يعمد الى فن قد صنف فيه من قبله فلا يأخذ من كلامه وقوله انه رأى بعضها في ورقة لا يخالف ما حكاه صاحب الترجمة من ذكر عدد مصنفاته فانه لم يقل انها زادت على ثلثمائة مجلد بل قال انها زادت على ثلثماية كتاب وهذا الاسم يصدق على الورقة وما فوقها وقوله انه كذبه القميصى بتصريحه أنه بقى من المسند بقية ليس بتكذيب فربما كانت تلك البقية يسيرة والحكم للاغلب لاسيما والسهو والنسيان من العوارض البشرية فيمكن أنه حصل أحدهما للشيخ أو تلميذه وقوله انه كثير التصحيف والتحريف مجرد دعوى عاطلة عن البرهان فهذه مؤلفاته على ظهر البسيطة محررة أحسن تحرير ومتقنة أبلغ اتقان وعلى كل حال فهو غير مقبول عليه لما عرفت من قول أئمة الجرح والتعديل بعدم قبول الأقران في بعضهم بعضا مع ظهور أدنى منافسة فكيف بمثل المنافسة بين هذين الرجلين التى أفضت إلى تأليف بعضهم في بعض فان أقل من هذا يوجب عدم القبول والسخاوى رحمه الله وان كان اماما غير مدفوع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع فانه لا يقيم لهم وزنا بل لا يسلم غالبهم من الحط منه عليه وإنما يعظم شيوخه وتلامذته ومن لم يعرفه ممن مات في أول القرن التاسع قبل موته أو من كان من غير مصره أو يرجو خيره او يخاف شره وما أحسن ماذكره في كتابة الضوء اللامع في ترجمة عبد الباسط بن يحيى شرف الدين فانه قال وربما صرح بالانكار على الفقهاء فيما يسلكونه من تنقيص بعضهم لبعض وقد حكى انه بينما هو عند الدوادار وبين يديه فقيه واذا باخر ظهر من الدوار فاستقبله ذلك الجالس بالتنقيص عند صاحب المجلس واستمر كذلك حتى وصل اليهم فقام إليه ثم انصرف فاستبدبره القائم حتى اكتفى ثم توجه قال فسألنى الدوادر من الصادق منهما فقلت أنتم أخبر فقال انهما كاذبان فاسقان ونحو ذلك انتهى وأما ما نقله من اقوال ما ذكره من العلماء مما يؤذن بالحط على صاحب الترجمة فسبب ذلك دعواه الاجتهاد كما صرح به ومازال هذا دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة ولكن قد عرفناك في ترجمة ابن تيمية أنها جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شان من عودى لسبب علمه وتصريحه بالحق وانتشار محاسنه بعد موته وارتفاع ذكره وانتفاع الناس بعلمه وهكذا كان أمر صاحب الترجمة فان مؤلفاته انتشرت في الأقطار وسارت بها الركبان الى الأنجاد والأغوار ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل مالم يكن لاحد من معاصريه والعاقبة للمتقين ولم يذكر السخاوى تاريخ وفاة المترجم له لانه عاش بعد موته فان السخاوى مات في سنة 902 كما سيأتى في ترجمته ان شاء الله تعالى تجاوز الله عنهما جميعا وعنا بفضله وكرمه وكان موت صاحب الترجمة بعد أذان الفجر المسفر صباحه عن يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الاولى سنة 911 إحدى عشرة وتسعمائة اهـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع - (ج 1 / ص 311) (228)
(2) - إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن ذرع، القرشي، البصروي، الدمشقي. مولده سنة إحدى وسبعمائة، وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي ولازمه، وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، وقرأ الأصول على الأصفهاني، وسمع الكثير، وأقبل على حفظ المتون، ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتأريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب. وصنف في صغره كتاب الأحكام على أبواب التنبيه، وقف عليه شيخه برهان الدين وأعجبه، وصنف التأريخ المسمى بالبداية والنهاية والتفسير. وصنف كتابًا في جمع المسانيد العشرة، واختصر تهذيب الكمال وأضاف إليه ما تأخر في الميزان سماه التكميل، وطبقات الشافعية ورتبه على الطبقات، لكنه ذكر فيه خلائق ممن لا حاجة لطلبة العلم إلى معرفة أحوالهم، فلذلك جمعنا هذا الكتاب. وخرج الأحاديث الواقعة في مختصر ابن الحاجب، وكتبه رفيقه الشيخ تقي الدين بن رافع لنفسه منه نسخة. وله سيرة صغيرة، وشرع في أحكام كثيرة حافلة كتب منها مجلدات إلى الحج، وشرح قطعة من البخاري وقطعة من التنبيه. وولي مشيخة أم الصالح بعد موت الذهبي، وبعد موت السبكي ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مدة يسيرة، ثم أخذت منه. ذكره شيخه الذهبي في المعجم المختص وقال: فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة. وقال تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجى: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها، ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر شيئًا كثيرًا من التفسير والتأريخ، قليل النسيان. وكان فقيهًا جيد الفهم، صحيح الذهن، يستحضر شيئًا كثيرًا، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا وأفدت منه. وقال غير الشيخ: كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي. توفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودفن في مقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية..طبقات الشافعية - (ج 1 / ص 156)
(3) - عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق، الشيخ الفقيه المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي المتكلم، النحوي اللغوي، المنطقي الجدلي، الخلافي النظار، شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، منقطع القرين، فريد الدهر، أعجوبة الزمان، سراج الدين أبو حفص، الكناني العسقلاني الأصل، البلقيني المولد، المصري. مولده في شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة في بلقينة من قرى مصر الغريبة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين في بلده، وحفظ الشاطبية، والمحرر للرافعي، والكافية الشافية لابن مالك، ومختصر ابن الحاجب، وقدم القاهرة سنة ست وثلاثين، واجتمع بالقاضي جلال الدين القزويني والشيخ تقي الدين السبكي، وأثنيا عليه مع صغر سنه، ثم قدمها في سنة ثمان وثلاثين وقد ناهز الاحتلام مستوطنًا، ودرس الفقه على الشيخ نجم الدين الأسواني وابن عدلان وزين الدين الكتناني وشمس الدين بن التاج، وحضر عند الشيخ تقي الدين السبكي وبحث معه في الفقه. وأخذ الأصول عن الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وأجازه بالإفتاء. وأخذ النحو والأدب عن الشيخ أبي حيان، وتخرج على غيرهم من مشايخ العصر، وسمع البخاري من الشيخ جمال الدين بن شاهد الجيش، ومسلم من القاضي شمس الدين ابن القماح، وسمع بقية الكتب الستة وغيرها من المسانيد وغيرها من جماعة. وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي، وابن الجوزي وابن نباتة وابن الخباز وغيرهم، واشتهر اسمه وعلا ذكره، وظهرت فضائله، وبهرت فوائده، واجتمعت الطلبة للاشتغال عليه بكرة وعشيا. قال ولده القاضي جلال الدين: وكان يلقى الحاوي في الأيام اليسيرة، ووصل في ذلك إلى أنه ألقاه في جامع الأزهر في ثمانية أيام. وحج في سنة أربعين مع والده، واجتمع بالشيخ صلاح الدين العلائي في القدس، ثم حج في سنة تسع وأربعين، ثم صاهر ابن عقيل في سنة اثنتين وخمسين، وناب عنه لما ولي القضاء تلك المدة اليسيرة، وولي تدريس الزاوية بعد وفاة ابن عقيل. وكان قبل ذلك قد ولي تدريس الحجازية فإن واقفتها عمرتها لأجله. ثم ولي قضاء الشام سنة سبع وستين، فباشره مدة يسيرة، ثم استعفى وعاد إلى القاهرة، وولي تدريس الملكية بعد وفاة الإسنوي، وتدريس جامع طولون بعد وفاة أبي السبكي، وقضاء العسكر بعد ابن السبكي، وكان قد ولي قبل سفره إلى الشام إفتاء دار العدل في سنة خمس وستين رفيقا لبهاء الدين السبكي وهو أول شيء وليه من المناصب. وولي تدريس الألجهية من واقفها، وولي تدريس الشافعي رضي الله عنه بعد عزل ابن جماعة. فلما عاد ابن جماعة عوضه تدريس الفقه في جامع طولون، ودرس في الظاهرية البرقوقية وولي درس لتفسير ومشيخة الميعاد فيها، ثم نزل عن بعض وظائفه لولديه، واستمر بيده الزاوية والضاهرية إلى حين وفاته، أقام مدرسًا في الزاوية ستة وثلاثين سنة يقرر فيها مذهب الشافعي على أعظم وجه وأكمله، وظهر له الأتباع والأصحاب، وصار هو الإمام المشار إليه، والمعول في الإشكال والفتاوى عليه، وأتته الفتاوي من الأقطار البعيدة، ورحل الناس من الأقطار النائية للقراءة عليه، وخضع له كل من ينسب إلى علم من العلوم الشرعية، وغيرها. وخرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، وخرج له الحافظ ولي الدين ابن العراقي مائة حديث من عواليه وأبداله، وقد أثنى عليه علماء عصره طبقة بعد طبقة من قبل الخمسين إلى حسن وفاته. وكان الشيخ شمس الدين الأصفهاني كثير التعظيم له، وأجازه الشيخ أبو حيان، وكتب له في إجازته ما لم يكتب لأحد قبله، وسنه إذ ذاك دون العشرين. وكان القاضي عز الدين ابن جماعة يعظمه، ويبالغ في تعظيمه جدًا، وكتب له ابن عقيل على بعض تصانيفه: أحق الناس بالفتوى في زمانه. وقال له أيضًا: لم لا تكتب على سيبويه شرحًا؟ هذا مع اتفاق الناس في ذلك الزمان على أن ابن عقيل هو المرجوع إليه في علم النحو. وذكر له ولده القاضي جلال الدين ترجمة في مجلدة مشتملة على مناقبه، وفوائدة، وأنشد قول القائل:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
قال: وقد ختم القرآن العظيم بميعاده، وأتى فيه من الوعظ ما يكون إن شاء الله تعالى، تعالى شيئًا لإسعاده. وكان من العلوم بحيث يقضى له في كل علم بالجمع، وكان كثير الصدقة، طارحًا للتكلف، قائمًا في الحق، ناصرًا للسنة، قامعًا لأهل البدعة، مبطلًا للمكوس والمظالم، معظمًا عند الملوك. أبطل في دولة الشرف مكس الملاهي. وأبطل في دولة المنصور مكس القراريط. وكان مكس القراريط كثير البشاعة جدًا. وعرض عليه الملك المنصور أيام طشتمر قضاء الديار المصرية فامتنع غاية الامتناع. وقال الحافظ شهاب الدين ابن حجى: طلب العلم في صغره، وحصل الفقه والنحو والفرائض، وشارك في الأصول وغيره، وفاق الأقران في الفقه، ثم أقبل على الحديث، وحفظ متونه، وحفظ رجاله، فحفظ من ذلك شيئًا كثيرًا. وكان في الجملة أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك، وطبقة شيوخه موجودون، وبعد صيته. ثم قدم علينا قاضيًا بالشام، وهو إذ ذاك كهل، فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت، واعترفوا بفضله، ثم رجع إلى بلده، وبنى مدرسة في القاهرة، وأثرى وكثر ماله، وتصدى للفتوى والإشغال. وكان معول الناس في ذلك عليه، ورحلوا إليه، وكثرت طلبته في البلاد، وأفتوا ودرسوا، وصاروا شيوخ بلادهم في أيامه. وكان صحيح الحفظ، قليل النسيان، ثم صار له اختيارات يفتي فيها. وله نظم كثير متوسط في الحكم والمواعظ ونحو ذلك. وبه تصانيف كثيرة لم تتم، يصنف قطعًا ثم يتركها، وقلمه لا يشبه لسانه. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر بعد ذكر ابتداء أمر الشيخ: وصار معظمًا عند الأكابر، كثير السمعة عند العامة، وتصدى لتتبع الشيخ جمال الدين الإسنوي في خطابه حتى كان يتوقى الإفتاء هيبة له، وعول الناس عليه في الإفتاء، فكان يتصدى لذلك من بعد صلاة العصر إلى المغرب غالبًا، ولا يفتر غالبًا من الأشغال إما مطالعة وإما تصنيفًا وإما إقراء، وكان عظيم المروءة، جميل المودة، كثير الاحتمال، كثير المباسطة مع مهابته. وكان يعمل مجلس الوعظ، ويجمع عنده الفقراء والصلحاء، ويحصل له خشوع وخضوع، وشهد جمع جم بأنه العالم الذي على رأس القرن. وممن رأيت خطه بذلك في حقه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي. وقال الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي سألني الشيخ شهاب الدين الأذرعي عن مولد الشيخ سراج الدين البلقيني فذكرته له، فقال: أنا أصلح أن أكون والده. ثم ذكر لي أنه لم ير أحفظ منه لنصوص الشافعي انتهى. توفي في ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة، ودفن في مدرسته التي أنشأها في درب بهاء الدين. رثاه تلميذه الإمام الحافظ أبو الفضل أحمد بن حجر بقصيدة ظنانة ومن تصانيفه كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، كتاب تصحيح المنهاج أكمل منه الربع الأخير في خمسة أجزاء، وكتب من ربع النكاح تقدير جزء ونصف، الكشاف على الكشاف وصل فيه إلى أثناء سورة البقرة في ثلاثة مجلدات ضخمة، وشرح البخاري كتب منه نحو خمسين كراسًا على أحاديث يسيرة إلى أثناء الإيمان، ومواضع مفرقة، سماه بالفيض الباري على صحيح البخاري، التدريب في الفقه كتب منه إلى الرضاع، والتأديب مختصر التدريب كتب منه النصف، ومنهج الأصلين أكمل منه أصل الدين، وكتب منه قريبًا من نصف أصول الفقه، كتاب المنصوص والمنقول عن الشافعي في الأصول، كتب منه قطعة صالحة، ترتيب الأم على الأبواب وقد أكمله ولكن بقي منه بقايا، والفوائد المحضة على الشرح والروضة، كتب منه أجزاء مفرقة، الملمات برد المهمات، كتب منه أجزاء مفرقة، الينبوع في إكمال المجموع، كتب منه أجزاء من النكاح، العرف الشذي على جامع الترمذي، كتب منه قطعة صالحة، والسبب في عدم إكماله لغالب مصنفاته اشتغاله بالإشغال، والتدريس، والتحديث، والإفتاء.طبقات الشافعية - (ج 1 / ص 198)