فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 522

خامسا

النهي عن التحديث بكل ما سمع الإنسان

الإنسان في العادة يسمع الصدق والكذب ، فإذا حدَّث بكل ما سمع فقد وقع في الكذب لإخباره بما لم يكن ، وقد ورد في النهي عن التحديث بكل ما يسمعه المرء قول رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ » . [1]

قال النووي:"وفيهِ الزَّجْر عَنْ التَّحْدِيث بِكُلِّ مَا سَمِعَ الْإِنْسَان فَإِنَّهُ يَسْمَع فِي الْعَادَة الصِّدْق وَالْكَذِب ، فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لِإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ الْكَذِب: الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء بِخِلَافِ مَا هُوَ ، وَلَا يُشْتَرَط فِيهِ التَّعَمُّد لَكِنَّ التَّعَمُّد شَرْط فِي كَوْنه إِثْمًا وَاَللَّه أَعْلَمُ ." [2]

قال القرطبي:(ومعنى الحديث: أنَّ مَنْ حدَّث بكلِّ ما سمع ، حصَلَ له الحظُّ الكافي من الكذب ؛ فإنَّ الإنسان يسمعُ الغَثَّ والسمين ، والصحيح والسقيم ، فإذا حدَّث بكل ذلك ، حدَّثَ بالسقيم وبالكذب ، ثم تُحَمِّلَ عنه ، فيَكْذِبُ في نفسه أو يُكْذَبُ بسببه.

ولهذا أشار مالك - رحمه الله - بقوله: لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَاسَمِعَ ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا ، أي إذا وُجِدَ الكَذِبُ في روايته ، لم يوثَقُ بحديثه ، وكان ذلك جَرْحَةً فيه ؛ فلا يصلحُ ليقتديَ به أحدٌ ولو كان عالمًا ، فلو بيَّن الصحيحَ من السقيم ، والصادقَ من الكاذب ، سَلِمَ من ذلك ، وتقصَّى عن عُهْدَةِ ما يجبُ عليه من النصيحة الدينيَّة.) [3] .

وقال ابن عثيمين رحمه الله [4] :

"يعني أن الإنسان إذا صار يحدث بكل ما سمع من غير تثبت وتأن، فإنه يكون عرضة للكذب، وهذا هو الواقع ولهذا يجيء إليك بعض الناس يقولون: صار كذا وكذا، ثم إذا بحثت وجدت أنه لم يكن، أو يأتي إليك ويقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا بحثت وجدته لم يقل، وأعظم شيء أن يكون هذا فيما يتعلق بحكم الله وشريعته بأن يكذب على الله فيقول في القرآن برأيه ويفسر القرآن بغير ما أراد الله أو يكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا ."

وهو كاذب، أو ينقل حديثا يرى أنه كذب وهو لم يكذبه ولكن يقول: قال فلان كذا وكذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يرى أنه كذب فإنه يكون أحد الكاذبين كما بين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -

والحاصل أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما يقول ويتثبت فيمن ينقل إليه الخبر، هل هو ثقة، أو غير ثقة كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات، ولاسيما إذا كثرت الأهواء وصار الناس يتخبطون ويكثرون من القيل والقال بلا تثبت ولا بينة، فإنه يكون التثبت أشد وجوبا، حتى لا يقع الإنسان في المهلكة .والله الموفق""

وقال د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني:"لا شك أن من الصفات المهمة التي ينبغي أن يلتزمها الداعية، الحرص على صحة ما يقول وينقل للناس، حتى لا يكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وللحرص على هذه الصفة قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة في روايته لهذا الحديث: « يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرَّة- أو مثل الملوك على الأسرَّة » قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"وهذا الشك من إسحاق، يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى" [5] وهذا يدل على حرص السلف على تَحَرِّيهِم في النقل، وصدقهم ؛ لأنه لما أشكل على إسحاق لفظ الحديث أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به . [6] "

وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله تعالى الحرص على ضبط الرواية والدقة في نقل الأخبار، والأقوال، وخاصة إذا كان النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا لم يتيقن ذلك قال في نهاية الحديث: أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، أو الحديث بمعناه، وكذلك الأحاديث التي يشك في صحتها يقول: ذكِرَ، أَوْ روِيَ، أو جاء، حتى لا يقع في قوله - صلى الله عليه وسلم -: [7] « كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع » . [8] ""

وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. [9]

وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: بحسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. [10]

وقد تأصل هذا المنهج في الأجيال التالية.

وعن ابْنِ وَهْبٍ قَالَ قَالَ لِى مَالِكٌ:"اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". [11]

فقول مالك (ولا يكون إماما أبدا) َمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ كَثُرَ الْخَطَأ فِي رِوَايَته فَتُرِكَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَالْأَخْذ عَنْهُ . [12] .

وَقَالَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ. [13]

وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ سَأَلَنِى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ إِنِّى أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ فَاقْرَأْ عَلَىَّ سُورَةً وَفَسِّرْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ. قَالَ فَفَعَلْتُ. فَقَالَ لِىَ احْفَظْ عَلَىَّ مَا أَقُولُ لَكَ إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِى الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلاَّ ذَلَّ فِى نَفْسِهِ وَكُذِّبَ فِى حَدِيثِهِ. [14]

وَمَعْنَى كَلَامه أَنَّهُ حَذَّرَهُ أَنْ يُحَدِّث بِالْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَة الَّتِي يَشْنُعُ عَلَى صَاحِبِهَا وَيُنْكَرُ وَيَقْبُحُ حَالُ صَاحِبِهَا فَيُكَذَّبُ أَوْ يُسْتَرَابُ فِي رِوَايَاته فَتَسْقُط مَنْزِلَته ، وَيَذِلّ فِي نَفْسه ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ . [15]

وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه:"اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا ، وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ ، أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ ، وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ ، قَوْلُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيِ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا ، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ كَنَحْوِ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ"

وقال الخطيب في الكفاية:"وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ فِي أُمَّتِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ كَذَّابِينَ , فَحَذَّرَ مِنْهُمْ , وَنَهَى عَنْ قَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ , وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ , فَوَجَبَ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِينَ , وَالتَّفْتِيشُ عَنْ أُمُورِ النَّاقِلِينَ , احْتِيَاطًا لِلدِّينِ , وَحِفْظًا لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تَلْبِيسِ الْمَلْحِدِين"

فهذه الآثار وغيرها كثير تفيد أن هذا الأصل كان باعثا على الاحتياط في الرواية ، وعدم الإقدام عليها إلا بعد التأكد من صحة المروي ، والتثبت من صحة ما يسمعه المرء لاسيما ما يسمعه من الأحاديث.

الفصل الثاني

نشأتُ علم المصطلح وتطوره [16]

"لقد بدأت البواكير الأولى لهذا العلم منذ مرحلة مبكرة جدا منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبأمر من القرآن الكريم الذي طلب منا التثبت من نقل الرواة، وعدم إقامة الأحكام قبل التأكد من صدقها، فقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات ، وتثبت الصحابة رضوان الله عليهم واشتدوا في أمر الرواية صيانةً للدِّين، وحفظا للشريعة الغراء، وكانوا يطلبون من الراوي أن يأتي لهم بشاهد على ما يرويه، فعل ذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعَنْ قَبِيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"أَعْطَاهَا السُّدُسَ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟، فَقَامَ مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لِكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيُّكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا.. [17] "

وكذلك فعل عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِى فَرَجَعْتُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَلْيَرْجِعْ » . فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ . أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَلِكَ [18] ..

وزاد في رواية فَقَالَ عُمَرُ لأَبِى مُوسَى: أَمَا إِنِّى لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [19]

ولم يكن موقف أبي بكر وعمر شكًّا في صدق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كلا وحاشا، وإنما أرادوا أن يؤسسوا المنهج الدقيق هو ضرورة التثبت في أمر رواية الأحاديث؛ لأنها دين الله المتين.

ولما قامت الفتنة بعد مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه اشتدوا أكثر في أمر الرواية، حتى لا تؤدي الفتنة إلى إفشاء الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتكلم من الصحابة كثيرٌ في أمر الرواية والجرح والتعديل، فتكلم أنس بن مالك، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، والسيدة عائشة، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

ثم توالت حلقات هذا العلم، فتكلم عن بعض قواعده، من التابعين سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وابن سيرين، وغيرهم أيضا كثير. وتكلم من بعد ذلك أناس غيرهم، كالإمام مالك بن أنس والزهري، وسليمان التيمي، وغيرهم أيضا كثير. وتجد قواعد هذا العلم مبثوثة بين ثنايا أقوالهم، التي نقلت عنهم وحفظتها لنا بطون الكتب الموجودة بين أيدينا الآن.

ــــــــــــــ

وجاءت مرحلة أخرى تلي ذلك دخل فيها علم أصول الحديث طورا جديدا من أطوار تكوينه وتطوره، وذلك بتدوين بعض مباحثه بين طيات كتب العلماء، فممن كتب في بعض موضوعاته في ثنايا مؤلفاته الإمام الشافعي المتوفي سنة 204 هـ ، رضي الله تعالى عنه، حيث تكلم في كتابيه الرسالة والأم عن بيان السنة والقرآن الكريم، وعن الاحتجاج بالسنة وعن حجية خبر الواحد، وشرط الحفظ في الراوي، وقبول رواية المدلس إذا صرح بالسماع وغير ذلك وتكلم البخاري سنة 256 هـ في صحيحه وتواريخه عن بعض مباحث هذا العلم، كما تعرض الإمام مسلم رحمه الله تعالى المتوفي سنة 261 هـ في مقدمة صحيحه لبعض مباحث هذا الفن، ونقل تلاميذ الإمام أحمد عنه كثيرا من آرائه المتعلقة بموضوعات علم المصطلح، وسنن الترمذي المتوفي سنة 279 هـ بها أيضا حديث عن بعض قواعد علوم الحديث، ثم تلت ذلك حقبة أخرى دخل فيها هذا العلم مرحلة المصنفات المستقلة التي ألفت خصيصا لعلم مصطلح الحديث.

ــــــــــــــ

• علم المصطلح بعد القرن الثالث

ويستعرض الحافظ ابن حجر العسقلاني تلك المرحلة فيقول [20] :

"فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث."

فمِن أوّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك:

1-القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي في كتابه:"المحدِّثُ الفاصل"، لكنه لم يَستوعب.

2-والحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ، لكنه لم يُهَذِّب، ولم يُرَتّب.

3-وتلاه أبو نعيم الأصْبهاني فعَمِل على كتابه مستخْرَجًا وأبقى أشياءَ للمُتَعَقِّب.

4-ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغداديُّ فصَنَّفَ في قوانين الرواية كتابًا سَمَّاهُ:"الكفاية"، وفي آدابها كتابًا سَمَّاهُ:"الجامع لآداب الشيخ والسامع"، وقَلَّ فَنٌّ مِن فنون الحديث إلا وقد صَنَّفَ فيه كتابًا مفْرَدًا؛ فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كلُّ مَن أَنْصف عَلِم أنّ المحدِّثين بعد الخطيب عيالٌ على كُتُبِهِ.

ثم جاء بعضُ مَنْ تأخر عن الخطيب، فأَخذ مِن هذا العلم بنصيبٍ:

5-فَجَمع القاضي عياض كتابًا لطيفًا سَمَّاهُ:"الإلماع".

6-وأبو حفْصٍ الميانجي جزءًا سَمَّاهُ:"ما لا يسعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ". وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت، وبُسِطَتْ؛ لِيَتَوَفَّر علمها، واخْتُصِرَتْ؛ لِيَتَيَسَّر فهْمها، إلى أن جاءَ:

7-الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُوْرِي نزيل دمشق فجمع -لَمّا وَلِيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية- كتابَهُ المشهور، فهذَّب فُنُونَهُ، وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لم يَحْصُل ترتيبُهُ على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدها، وضَمَّ إليها من غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عَكَف الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ، ومستدرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ، ومعارِضٍ له ومنتَصِرٍ.""

وقال أيضًا: إلاَّ أنَّه لم يحصل ترتيبه على الوضع المُناسب: بأن يذكر ما يتعلَّق بالمتن وحده, وما يتعلَّق بالسَّند وحده, وما يشتركان فيه معا؟ وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده, وما يختص بصفات الرُّواة وحدهُ لأنَّه جمع مُتفرقات هذا الفن من كُتب مُطولة في هذا الحجم اللَّطيف, ورأى أن تحصيله وإلقاءه إلى طالبيه أهم من تأخير ذلك, إلى أن تحصل العناية التامة بحُسْن ترتيبه.

وقد تبعهُ على هذا التَّرتيب جماعة, منهم المُصَنِّفُ, وابن كثير, والعراقي, والبَلْقيني, وغيره جماعة, كابن جماعة, والتبريزي, والطيبي, والزَّركشى. [21]

هذا وينبغي النظر إلى هذا العلم على أنه نظرية نقدية متكاملة، تمثل منهجا عظيما في دراسة أحوال السند والمتن. فإذا كانت ركيزة هذا العلم الأساسية تقوم على أنه به يعرف أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد. فإن هذا الحديث المروي إذا توافرت فيه شروط الصحة يكون صحيحا، وإذا قلَّ فيه ضبط الرواة بدرجة محتملة يكون حسنا، فإذا فقد شروط الصحة والحسن يكون ضعيفا، والضعيف يتنوع حسب الشرط الذي فقده من شروط الصحة والحسن ومن هنا تعددت أنواع الضعيف، فمنها على سبيل المثال، المعلق، والمعضل، والمدلس، والمنقطع، والمقطوع، والشاذ، والمنكر، والمتروك، وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه. وهناك أنواع تشترك بين الصحيح، والحسن، والضعيف مثل المشهور، والعزيز، والغريب. فإذا انتقلنا إلى أحوال الرواة وهي الشقُّ الثاني لهذا العلم فإننا نجد مباحث العدالة وشروط الراوي، وقواعد التعديل والتجريح من أهم مباحث علوم الحديث. وإذا كانت الرواية في جوهرها ترتكز على عنصرين أساسيين، وهما شيخ يؤدي إلى تلاميذه، وتلميذ أو تلاميذ يتحملون عن هذا الشيخ، فإننا نجد أنفسنا أمام مبحث مهم جدا، وهو التحمل والأداء ووسائل ذلك. وهكذا نجد أنفسنا في النهاية كما قلنا أمام علمٍ عظيمٍ يمثلُ منهجًا نقديًّا متكاملًا توزنُ به رواية الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتميز صحيحها من سقيمها، حتى يتم الاحتياطُ لشرع الله الحنيف، فلله درُّ قرائحَ عظيمةٍ استنبطت قواعد هذا العلم واستخرجت كنوزه فابتكرت بذلك علمًا تفخرُ به على سائر الأمم في الأرض .

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (7 )

(2) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 6)

(3) - المفهم 1 / 117.

(4) - شرح رياض الصالحين - (ج 1 / ص 1795)

(5) - فتح الباري لابن حجر، 11 / 64، وانظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، ص 265- 316 .

(6) - انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، 1 / 128 .

(7) - انظر: الباعث الحثيث لابن كثير، بقلم العلامة أحمد محمد شاكر، 2 / 377 -442 .

(8) - مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع 1 / 10 برقم 5، وانظر: الحديث رقم 3،

(9) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 8 / ص 408) (26132) صحيح

(10) - نفسه (26133) صحيح

(11) - صحيح مسلم (10 )

(12) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 7)

(13) - صحيح مسلم (12 )

(14) - صحيح مسلم (13 )

(15) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 9)

(16) - انظر:

وhttp://www.offok.com/sonna/nash2a.htm

(17) - سنن أبى داود (2896 ) صحيح لغيره

(18) - صحيح البخارى (6245 )

(19) - سنن أبى داود (5186 ) وهو صحيح

(20) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 6) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 9) وندوة علوم الحديث علوم وآفاق - (ج 16 / ص 3) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 15) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 1) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 193)

(21) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 16)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت