هذه العبارة في كلام المتقدمين تعني الاعتناء بالحديث رواية ، وهي وصف مدح ، لكنها لا تفيد التعديل الذي يحتج معه بحديث ذلك الراوي ، حتى يعرف منه ضبطه لحديثه ، وسلامته من قادح في العدالة ، فكأن العبارة تساوي ( عنده حديث كثير) .
ولتبين هذا المعنى خذ له مثالًا قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عن ( عبد العزيز بن محمد الدراوردي ) و ( يوسف بن الماجشون ) :"عبد العزيز محدث ، ويوسف شيخ" [1] .
فهذه المقارنة تفسر المفارقة بين النعتين ، فحيث إن لفظة ( شيخ ) تعني قلة الحديث ، فعبارة ( محدث ) تعني كثرته .
ومن برهان صحة هذا أن أحمد بن حنبل قال في ( الدراوردي ) :"كان معروفًا بالطلب" [2] ، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان مقارنة بينه وبين ( عبد العزيز بن أبي حازم ) :"ابن أبي حازم أفقه من الدراوردي ، والدراوردي أوسع حديثًا" [3] .
ولا يبعد من هذا استعمال المتأخرين مصنفي التراجم عندما يطلقون على الرجل وصف"المحدث"، فهم يذكرون هذا الوصف لمن كانت له بالحديث عناية متميزة ، أو فائقة .
لكن ينبغي أن تلاحظ منه أن الدراية ليست مرادة في هذا ، كذلك قدر المروي لا أصل له في كلامهم ، فما ادعاه بعض المتأخرين أن ( المحدث ) وصف يطلق على من حفظ قدر كذا من الحديث ، دعوى لا تعرف لها حجة .
ـــــــــــــــ
(1) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 396 ) .
(2) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 396 ) .
(3) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 383 ) .