فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 522

34 -قولهم :( ليس بشيء ).

تكثر في كلام يحيى بن معين ، ويقولها غيره .

قال الحاكم:"قول يحيى بن معين: ( ليس بشيء ) ، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه ، ربما قال فيه: ليس بشيء ، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به" [1] .

قلت: ومن مثاله قول يحيى بن معين في ( حنظلة بن عبد الرحمن التيمي ) :"ليس بشيء"، وقال مرَّة:"لم يكن به بأس إن شاء الله" [2] ، وفي رواية:"ضعيف ، يكتب حديثه" [3] ، فترددت فيه عبارته في معنى متقارب ، والسبب فيه ما قال ابن عدي:"لم أر له من الحديث إلا القليل ، إلا أن الثوري قد حدث عنه بشيء يسير ، ولم يتبين لي ضعفه ؛ لقلة حديثه" [4] .

قلت: أراد الضعف المسقط .

ولم يبد لي صحة ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابن معين هذه العبارة ، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة ، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية ، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين ، ومثاله منتشر جدًا في الروايات عن ابن معين .

نعم ، يوجد في بعضهم من يمكن وصفه بقلة الرواية على ضعفه ، لكن لا يصح أن يحمل عليه مراد يحيى ؛ لأنه الأقل مقارنة بالصنف الآخر .

والصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه ، ولا تخرج عن نفس مراد غيره من النقاد على ما يأتي ذكره عن المنذري .

ومما يدل على ذلك:

ما حكاه الآجري ، قال: قلت لأبي داود: العوَّام بن حمزة حدث عنه يحيى القطان ، قال عباس عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء ، قال:"ما نعرف له حديثًا منكرًا" [5] . وفي التقريب صدوق ربما أخطأ" [6] "

وحين نقل عثمان الدارمي عن ابن معين قوله في ( سليمان بن داود الخولاني ) :"ليس بشيء"، قال عثمان:"أرجو أنه ليس كما قال يحيى ، وقد روى يحيى بن حمزة أحاديث حسانًا كلها مستقيمة" [7] . وفي التقريب صدوق [8]

وقال المنذري:"أما قولهم: ( فلان ليس بشيء ) ، ويقولون مرَّة: ( حديثه ليس بشيء ) ، فهذا ينظر فيه: فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثَّقه غير هذا القائل ، واحتج به ، فيحتمل أن يكون قوله محمولًا على أنه ليس حديثه بشيء يحتج به ، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار وللاستشهاد وغير ذلك . وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهورًا بالضعف ، ولم يوجد من الأئمة من يحسِّن أمره ، فيكون محمولًا على أن حديثه ليس بشيء يحتجُّ به ، ولا يعتبر به ولا يستشهد به ، ويلتحق هذا بالمتروك" [9] .

قلت: فهذا يؤكد أن هذه العبارة من قبيل الجرح المجمل .

نعم ، ربما دلت على شدة ضعف الموصوف بها أيضًا عند الناقد اقترانها بما يدلُّ على ذلك ، مثل قول علي بن المديني في ( أبي بكر الدَّاهريِّ ) :"ليس بشيء ، لا يكتب حديثه" [10] ، فعبارة ( لا يكتب حديثه ) لا تقال إلا في شديد الضعف ، ومن يعود ضعفه في الأصل إلى روايته .

وقال يحيى بن معين في ( عمر بن موسى الوجيهيِّ ) :"ليس بشيء"، وفي موضع آخر:"كذَّابٌ ، ليس بشيء" [11] ، وقال فيه داود السجستاني:"ليس بشيء ، يروي عن قتادة وسماك مناكير" [12] ، قلت: وهو معروف بكذبه ونكارة حديثه .

وقال يحيى بن معين في ( معلى بن زياد القُردوسيِّ ) :"ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه"، فتعقبه ابن عدي بقوله:"لا أرى بروايته بأسًا ، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يكتب حديثه ، وهو عند ي لا بأس به" [13] . وفي التقريب صدوق ، [14] وفي الكاشف وثقوه [15] .

فتأمَّل استدراك ابن عدي ، فلم يتعقب يحيى في قوله: ( ليس بشيء ) ، إنما في قوله: ( لا يكتب حديثه ) ، فدلَّ على أن ( ليس بشيء ) وحدها عندهم لم تكن تدلُّ على تفسير قدر الجرح لذاتها ، ويمكن حملها على أدنى الجرح عندما يتبين من حال الراوي أنه لا يتجاوز ذلك .

ويلتحق بها قولهم: ( لا يساوي شيئًا ) ، وإن كانت قليلة الاستعمال ، فقد تتبعها فوجدتها كذلك ، وفي الغالب تدل على الجرح الشديد.

ـــــــــــــــ

(1) - نقله ابن حجر في"تهذيب التهذيب" ( 3 / 461 ) .

(2) - تاريخ يحيى بن مَعين ( النص: 2844 ، 3430 ) .

(3) - الكامل ، لابن عدي ( 3 / 343 ) .

(4) - الكامل ( 3 / 343 ) .

(5) - سؤالات الآجري ( النص: 355 ) ، وعِبارة ابنِ معين في رواية عباس الدوري ( النص: 4244 ) :"ليسَ حديثه بشيء".

(6) -- تقريب التهذيب (5210 )

(7) - تاريخ الدارمي ( النص: 386 ) .

(8) - تقريب التهذيب (2555)

(9) - جوابُ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل ( ص: 86 ) .

(10) - سؤالات ابن أبي شيبة ( النص: 205 ) ، واسمُ الداهري عبْد الله بن حكيم .

(11) - سؤالات ابن الجنيد ( النص: 272 ، 535 ) .

(12) - سؤالات الآجري ( النص: 152 ) .

(13) - الكامل ( 8 / 98 ) وفيه ( 8 / 97 ) نقل قوْل ابنِ معين من رواية ابن أبي مَريم عنهُ بإسناد صحيح . وهذا الرجل يَبدو أن الرواية فيه عن ابن مَعين قد تناقضت ، فقد روى عنه إسحاق بنُ منصور قوله فيه:"ثقة" ( الجرح والتعديل 4 / 1 / 331 ) ، وهوَ الصواب فيه ، وقد وثَّقه كذلك أبو حاتم الرازي وغيره . ورُبما قالَ يحيى تلك العبارة في رواية ابن أبي مريم في ( مُعلَّى ) آخر ، والله أعلم .

(14) - تقريب التهذيب (6804)

(15) - الكاشف (5562)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت