فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 522

المبحث السابع والعشرون

إجماعُ الأمَّة على جواز تقليد الأئمة الأربعة [1]

مما يناسبُ هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهامُ ،وزلت الأقدام ،÷وطغت الأقلام منها:

(1) - أنَّ هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعتِ الأمةُ أو من يعتدُّ به منها على جواز تقليدها إلى بومنا هذا .

وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم ،وأشربتِ النفوسُ الهوى، وأعجبَ كلُّ ذي رأي برأيه، فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال [2] : التقليدُ حرامٌ ولا يحلُّ لأحدٍ أن يأخذَ قولَ أحدٍ غيرَ قولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا برهانِ لقوله تعالى {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3) سورة الأعراف ، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (170) سورة البقرة ،وقال مادحًا من لم يقلد: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر ، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء، فلم يبحِ اللهُ تعالى الردَّ عند التنازعِ إلى أحدٍ دون القرآنِ والسنَّةِ ،وحرَّم بذلك الردَّ عند التنازعِ إلى قولِ قائلٍ لأنهُ غيرُ القرآنِ والسنةِ، وقد صحَّ إجماعُ الصحابةِ كلِّهم أولِّهم عن آخرِهم وإجماعُ التابعين أولِّهم عن آخرهِم وإجماعُ تابعي التابعينَ إلى آخرهِم على الامتناعِ والمنعِ منْ أنْ يقصدَ منهم أحدٌ إلى قول إنسانٍ منهم أو ممنْ قبلهم فيأخذَهُ كلَّه ، فليعلمْ مَنْ أخذَ جميعَ أقوالِ أبي حنيفةَ أو جميعَ أقوالِ مالكَ أو جميعَ أقوال الشافعيِّ أو جميعَ أقوالِ أحمدَ رضيَ اللهُ عنهم ،ولم يتركْ قولَ من اتبع منهم أو من غيرهِم إلى قول غيرهِ، ولم يعتمدْ على ما جاءَ في القرآنِ والسُّنَّةِ غيرَ صارفٍ ذلكَ إلى قولِ إنسانٍ بعينهِ أنهُ قد خالفَ إجماع َالأمةٍ كلِّها منْ أولها إلى آخرِها بيقينٍ لا إشكالَ فيهِ، ولا يجدُ لنفسهِ سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصارِ المحمودةِ الثلاثةِ، فقد اتبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينِ ،فنعوذُ باللهِ منْ هذهِ المنزلةِ، وأيضًا فإنَّ هؤلاءِ الفقهاءَ كلَّهُم قدْ نهوا عنْ تقليدِ غيرهِم ،وقدْ خالفهُم مَنْ قلَّدهم، وأيضًا فما الذي جعلَ رجلًا منْ هؤلاءِ أو من غيرهِم أولى أنْ يقلَّد منْ عمرَ بن الخطابِ أو عليَّ بن أبي طالبٍ أو ابنِ مسعود أو ابنِ عمر َأو ابنِ عباسٍ أو عائشةَ أمِّ المؤمنين رضيَ اللهُ تعالى عنهُم، فلو ساغَ التقليدُ لكانَ كلُّ واحدٍ منْ هؤلاءِ أحقَّ بأنْ يتبعَ منْ غيرهِ انتهى .

إنما يتِمُّ [3] فيمنْ لهُ ضربٌ منَ الاجتهادِ ولو في مسألة واحدةٍ ، وفيمنْ ظهرَ عليه ظهورًا بينًا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَبكذا ونهَى عنْ كذا، وأنهُ ليسَ بمنسوخٍ، إمَّا بأنْ يتتبعَ الأحاديثَ وأقوالَ المخالفِ والموافقِ في المسألةِ، فلا يجدُ له نسخًا، أو بأنْ يرَى جمعًا غفيرًا منَ المتبحرينَ في العلمِ يذهبونَ إليهِ ويرَى المخالفَ لهُ لا يحتجُّ الا بقياسٍ أو استنباطٍ أو نحوِ ذلكَ، فحينئذٍ لا سببَ لمخالفةِ حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا نفاقٌ خفيٌّ أو حمقٌ جليٌّ .

وهذا الذي أشارَ إليه الشيخُ عز الدينِ بنُ عبد السلام حيثُ قالَ [4] :"وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ ، وَيَتْرُكُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ ، بَلْ يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَنْ مُقَلِّدِهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَجَالِسِ فَإِذَا ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ فِي خِلَافٍ مَا وَظَنَّ نَفْسَهُ عَلَيْهِ تَعَجَّبَ غَايَةَ التَّعَجُّبِ مِنْ اسْتِرْوَاحٍ إلَى دَلِيلٍ بَلْ لِمَا أَلِفَه مِنْ تَقْلِيدِ إمَامِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْلَى مِنْ تَعَجُّبِهِ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ ، فَالْبَحْثُ مَعَ هَؤُلَاءِ ضَائِعٌ مُفْضٍ إلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ يُجْدِيهَا ، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَلْ يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ:لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ وَيَفْضُلُ لِخَصْمِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ وَالْبُرْهَانِ اللَّائِحِ ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَنْ أَعْمَى التَّقْلِيدُ بَصَرَهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ أَيْنَ مَا كَانَ وَعَلَى لِسَانِ مَنْ ظَهَرَ ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ مُنَاظَرَةِ السَّلَفِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ وَمُسَارَعَتِهِمْ إلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ إذَا ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْت أَحَدًا إلَّا قُلْت اللَّهُمَّ أَجْرِ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي اتَّبَعَنِي وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ اتَّبَعْته".

وقالَ الإمام أبو شامةَ: ينبغي لمنِ اشتغلَ بالفقهِ أنْ لا يقتصرَ على مذهبِ إمامٍ ويعتقدُ في كلِّ مسألةٍ صحةَ ما كانَ أقربَ إلى الكتابِ والسنَّةِ المحكَمةِ، وذلك سهلٌ عليهِ إذا كانَ أتقنَ العلومَ المتقدمةَ، وليجتنبِ التعصبَ والنظرَ في طرائقِ الخلافِ المتأخرةِ ،فإنها مضيعةٌ للزمانِ ولصفوهِ مكدرةً، فقد صحَّ عنِ الشافعيِّ أنه نهَى عنْ تقليدهِ وتقليدِ غيرهِ .

قال صاحبه المزني في أول مختصره:"اخْتَصَرَتْ هَذَا مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ ، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ ، مَعَ إعْلَامِيَّةِ نَهْيِهِ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ ،لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ وَيَحْتَاطُ فِيهِ لِنَفْسِهِ" [5] .

وفيمنْ يكونُ عاميًّا ويقلِّدُ رجلًا منَ الفقهاءِ بعينهِ يرَى أنْ يمتنعَ منْ مثلهِ الخطأُ ،وأنَّ ما قالهُ هو الصوابُ البتةُ، وأضمرَ في قلبهِ ألا يتركَ تقليدَه وإنْ ظهرَ الدليلُ على خلافهِ، وذلك ما رواهُ الترمذيُّ [6] عنْ عدي بن حاتم أنه قال: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ يعني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (31) سورة التوبة ، قَالَ: « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ » .

وفيمنْ لا يجوزُ أنْ يستفتيَ الحنفيُّ مثلًا فقيهًا شافعيًّا وبالعكسِ، ولا يجوزُ أنْ يقتديَ الحنفيُّ بإمامٍ شافعيٍّ مثلًا، فإنَّ هذا قدْ خالفَ إجماعَ القرونِ الأولى، وناقضَ الصحابةَ والتابعينَ.

وليس محلُّه فيمنْ لا يدينُ إلا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولا يعتقدُ حلالًا إلا ما أحلَّهُ اللهُ ورسولهُ، ولا حرامًا إلا ما حرَّمَهُ اللهُ ورسولهُ .

لكنْ لمَّا لم يكنْ لهُ علمٌ بما قالهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولا بطريقِ الجمعِ بينَ المختلفاتِ من كلامِه ولا بطريقِ الاستنباطِ منْ كلامِه اتَّبعَ عالمًا راشدًا على أنهُ مصيبٌ فيما يقولُ ويُفتي ظاهرًا متبعَ سنَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنْ خالفَ ما يظنُّه أقلعَ منْ ساعتِه منْ غيرِ جدالٍ ولا إصرارٍ، فهذا كيفَ ينكرهُ أحدٌ ؟؟!!

مع أنَّ الاستفتاءَ والإفتاءَ لم يزلْ بينَ المسلمينَ منْ عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .

ولا فرقَ بينَ أنْ يستفتيَ هذا دائمًا أو أنْ يستفتيَ هذا حينًا، وذلك حينًا، بعدَ أنْ يكونَ مجمعًا على ما ذكرناهُ، كيف لا ولمْ نؤمنْ بفقيهٍ أيًّا كانَ أنهُ أوحَى اللهُ إليهِ الفقهِ، وفرضَ علينا طاعتَهُ وأنهُ معصومٌ، فإنِ اقتدينا بواحدٍ منهم فذلكَ لعلمِنا بأنهُ عالمٌ بكتابِ اللهِ وسنَّة ِرسولهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فلا يخلو قولُه إمَّا أنْ يكونَ منْ صريحِ الكتابِ والسنةِ أو مستنبطًا منهُما بنحوٍ منِ الاستنباطِ، أو عرفَ بالقرائنَ أنَّ الحكمَ في صورةٍ ما منوطٌ بعلَّةِ كذا ،واطمأنَّ قلبُه بتلكَ المعرفةِ فقاسَ غيرَ المنصوصِ على المنصوصِ، فكأنهُ يقولُ: ظننتُ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ كلَّما وجدتَ هذهِ العلَّةَ فالحكمُ ثمَّةَ هكذا ، والمقيسُ مندرجٌ في هذا العمومِ، فهذا أيضا معزيٌّ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنْ في طريقهِ ظنونٌ، ولولا ذلك ما قلَّدَ مؤمنٌ مجتهدًا، فإنْ بلغَنا حديثًا منْ رسولِ اللِه المعصومِ - صلى الله عليه وسلم - الذي فُرضَ علينا طاعتُه بسندٍ صالحٍ يدلُّ على خلافِ مذهبهِ، وتركنا حديثَهُ واتبعنا ذلكَ التخمينَ فمنْ أظلمُ منَّا ؟!! وما عذرُنا يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ؟!

(2) - ومنها أنَّ تتبعَ الكتابُ والآثارُ لمعرفةِ الأحكامِ الشرعيةِ على مراتبَ:

أعلاها أنْ يحصلَ له منْ معرفةِ الأحكام ِ بالفعلِ أو بالقوةِ القريبةِ منَ الفعلِ ما يتمكنُ بهِ منْ جوابِ المستفتينَ في الوقائعَ غالبًا، بحيثُ يكونُ جوابهُ أكثرَ مما يتوقفُ فيهِ وتخصُّ باسمِ الاجتهادِ .

وهذا الاستعدادُ يحصلُ تارةً بالإمعانِ في جمعِ الرواياتِ وتتبعِ الشاذةِ والفاذَّةِ [7] منها كما أشارَ إليهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ معَ ما لا ينفكُّ منهُ العاقلُ العارفُ باللغةِ منْ معرفةِ مواقعِ الكلامِ وصاحبَ العلمَ بآثارِ السلف منْ طريقِ الجمعِ بينَ المختلفاتِ، وترتيب ِالاستدلالاتِ ونحو ذلك .

وتارةً بإحكامِ طرقِ التخريجِ على مذهبِ شيخٍ منْ مشايخِ الفقهِ مع معرفةِ جملةٍ صالحةٍ منَ السُّننِ والآثارِ بحيثُ يعلمُ أنَّ قولهُ لا يخالفُ الإجماعَ، وهذه طريقةُ أصحابِ التخريجِ .

وأوسطُها منْ كلتا الطريقتينِ أنْ يحصلَ له منْ معرفةِ القرآنِ والسُّننِ ما يتمكَّنُ بهِ منْ معرفةِ رؤوسِ مسائلِ الفقهِ المجمعِ عليها بأدلتِها التفصيليةِ، ويحصلُ له غايةَ العلمِ ببعضِ المسائل الاجتهاديةِ منْ أدلتِها ،وترجيحِ بعضِ الأقوال على بعضٍ، ونقدِ التخريجاتِ ومعرفةِ الجيدِ منَ الزيفِ، وإنْ لم يتكاملْ لهُ الأدواتُ كما يتكاملُ للمجتهدِ المطلَقِ فيجوزُ لمثلهِ أنْ يلفِّقَ منَ المذهبينِ إذا عرفَ دليلَهُما، وعلِمَ أنَّ قولَهُ مما لا ينفذُ فيهِ اجتهادُ المجتهدِ، ولا يقبلُ فيه قضاءُ القاضي ،ولا يجري فيه فتوَى المفتينَ أنْ يتركَ بعضَ التخريجاتِ التي سبق الناسُ إليها إذا عرفَ عدمَ صحَّتِها ، ولهذا لم يزلِ العلماءُ ممنْ لا يدَّعي الاجتهادَ المطلقَ يصنِّفونَ ويرتبونَ ويخرِّجونَ ويرجِّحونَ، وإذا كانَ الاجتهادُ يتجزأُ عندَ الجمهورِ والتخريجُ يتجزأُ، وإنما المقصودُ تحصيلُ الظنِّ وعليهِ مدارُ التكليفِ، فما الذي يستبعدُ منْ ذلك َ ؟.

وأمَّا دونَ ذلك منَ الناسِ فمذهبُه فيما يردُ عليه كثيرًا ما أخذَهُ عنْ أصحابِه وآبائهِ وأهلِ بلدهِ منَ المذاهبِ المتبعةِ، وفي الوقائعَ النادرةٍ فتاوَى مفتيةٌ، وفي القضايا ما يحكُمُ القاضي .

وعلى هذا وجدنا محققي العلماءِ منْ كلِّ مذهبٍ قديمًا وحديثًا، وهو الذي وصَّى به أئمةُ المذاهبِ أصحابَهُم، وفي اليواقيتِ والجواهرِ أنهُ روي عن أبي حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ كانَ يقولُ [8] : لا ينبغي لمنْ لم يعرفْ دليلي أنْ يفتيَ بكلامي، وكانَ رضيَ اللهُ عنه إذا أفتَى يقولُ: هذا رأيُ النعمانَ بنِ ثابتٍ يعني نفسَه وهو أحسنُ ما قدرِنا عليهِ فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصوابِ [9] .

وكانَ الإمامُ مالكٌ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ما منْ أحدٍ إلا وهوَ مأخوذٌ منْ كلامهِ ومردودٌ عليهِ إلا رسول اللهُ - صلى الله عليه وسلم - [10] .

وروى الحاكمُ والبيهقيُّ عنِ الشافعيِّ رضي اللهُ عنهُ أنهُ كانَ يقولُ: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي [11] ، وفي روايةٍ: إذا رأيتُمْ كلامي يخالفُ الحديثَ فاعملوا بالحديثِ واضربوا بكلامي الحائطَ [12] ، وقال يومًا للمزني: يا أبا إبراهيمُ لا تقلدني في كلِّ ما أقولُ وانظرْ في ذلكَ لنفسكَ فإنهُ دينٌ [13] ، وكانَ رضي اللهُ عنه يقولُ: لا حجةَ في قولِ أحدٍ دونَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - [14] ،وإنْ كثُروا ولا في قياسٍ ولا في شيءٍ، وما ثَمَّ الا طاعةُ اللهِ ورسولهِ بالتسليمِ [15] .

وكان الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه يقولُ: ليسَ لأحدٍ معَ اللهِ ورسولهِ كلامٌ، [16] وقال أيضًا لرجلٍ [17] :"لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الْأَوْزَاعِيَّ , وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا ."- يعني - منَ الكتابِ والسنَّة ،لا ينبغي لأحدٍ أنْ يفتيَ إلا أنْ يعرفَ أقاويلَ العلماءِ في الفتاوَى الشرعيةِ ويعرفَ مذهَبهم، فإنْ سئلَ عنْ مسألةٍ يعلمُ أنَّ العلماءَ الذين يتخذُ مذهبَهم قدِ اتفقوا عليها فلا بأسَ بأنْ يقول َ:هذا جائزٌ وهذا لا يجوزُ، ويكون قولهُ على سبيلِ الحكايةِ ،وانْ كانتْ مسألةٌ قدِ اختلفوا فيها فلا بأسَ بأنْ يقولَ هذا جائز ٌفي قولِ فلانٍ وفي قولِ فلانٍ لا يجوزُ، وليس له أنْ يختارَ فيجيبَ بقولِ بعضهِم ما لم يعرفْ حجَّتَه .

وعن أبي يوسفَ وزفرَ وغيرهِما رحمهُم اللهُ أنهم قالوا [18] : لا يحلُّ لأحدٍ أنْ يفتيَ بقولنا ما لم يعلمْ منْ أينَ قلنا .

قيلَ لعصامَ بنِ يوسفَ رحمَه اللهُ إنكَ تكثرُ الخلافَ لأبي حنيفةَ رحمَه اللهُ، قالَ: لأنَّ أبا حنيفةَ رحمَه اللهُ أوتيَ منَ الفهمِ لِما لمْ نؤتَ فأدركَ بفهمِه ما لم ندركْ، ولا يسعُنا أنْ نفتيَ بقولِه ما لمْ نفهمْ

عن محمدِ بنِ الحسنِ أنهُ سئلَ متَى يحلُّ للرجلِ أنْ يفتيَ؟ قالَ: إنْ كانَ منْ أهل ِالاجتهادِ فلا يسعُه ،قيلَ: كيفَ يكونُ منْ أهلِ الاجتهادِ؟ قالَ: أنْ يعرفَ وجوهَ المسائلِ ويناظرَ أقرانَه إذا خالفوهُ، قيلَ أدنى الشروط للاجتهاد: حفظُ المبسوطِ [19] .

وفي البحر الرائقِ [20] "قَالَ الْإِمَامُ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ سُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَا تَقُلْ رَحِمَك اللَّهُ وَقَعَتْ عِنْدَك كُتُبٌ أَرْبَعَةٌ كِتَابُ إبْرَاهِيمَ بْنِ رُسْتُمَ وَأَدَبِ الْقَاضِي عَنْ الْخَصَّافِ وَكِتَابُ الْمُجَرَّدِ وَكِتَابُ النَّوَادِرِ مِنْ جِهَةِ هِشَامٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُفْتِيَ مِنْهَا أَوْ لَا وَهَذِهِ الْكُتُبُ مَحْمُودَةٌ عِنْدَك فَقَالَ مَا صَحَّ عَنْ أَصْحَابِنَا فَذَلِكَ عِلْمٌ مَحْبُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَرَضِيٌّ بِهِ ."

(1) - حجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 98) فما بعدها إذ هو فصل من فصول كتابه النفيس هذا

(2) - الأحكام لابن حزم - (ج 2 / ص 234)

(3) - يعني يصح ذلك لمن ملك آلة الاجتهاد أو كان قادرا على معرفة الأدلة الشرعية من مصادرها الأصلية، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق ، فلا يمكن أن يكون كلُّ الناس مجتهدين ، ولا أطباء ، ولا مهندسين ، وذلك لأن الله تعالى شاء أن يكونوا مختلفين في طاقاتهم وقدراتهم العقلية والمادية ، فكيف نوجب على الجميع الاجتهاد ؟!!

(4) - فتاوى الأزهر - (ج 1 / ص 2) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 277)

(5) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4679) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 305) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 197) و مجلة المنار - (ج 14 / ص 510)

(6) - برقم ( 3378 ) ومصنف ابن أبي شيبة برقم ( 34930) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 13 / ص 245) برقم (34930 ) وتفسير ابن أبي حاتم برقم (10291 و10292 ) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 10 / ص 116) برقم (20847) وهو صحيح لغيره

وانظر مجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 98) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 216) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 289)

(7) - الفَاذَّةُ"أَي المُنْفَرِدَة في مَعنَاهَا وكَلِمَةٌ فَذَّةٌ تاج العروس - (ج 1 / ص 2413) وفي لسان العرب - (ج 3 / ص 502) : الفَاذَّة أَي المنفردة في معناها والفذُّ الواحد وقد فذ الرجل عن أَصحابه إِذا شذَّ عنهم وبقي فردًا"

(8) - الجامع الصغير - (ج 1 / ص 7) و فتاوى يسألونك - (ج 1 / ص 171) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 4646)

(9) - التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 21) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 28) وفقه العبادات - حنفي - (ج 1 / ص 9) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 96) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 24)

(10) - قلت: لم أعثر عليه في مصدر من مصادر المالكية وهو موجود في لقاءات الباب المفتوح - (ج 66 / ص 6) وفتاوى يسألونك - (ج 2 / ص 207) وفتاوى الشيخ ابن جبرين - (ج 63 / ص 253) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 1 / ص 223) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 3 / ص 52) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 846) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 2263) وفتاوى نور على الدرب - (ج 1 / ص 25) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 93) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 6 / ص 234) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 13 / ص 52) وسير أعلام النبلاء - (ج 8 / ص 93) وسير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 73) وسير أعلام النبلاء - (ج 3 / ص 372)

(11) - فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 175) وفتاوى الرملي - (ج 6 / ص 277) والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 3 / ص 340) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 3) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 3630) وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 5 / ص 170) وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 5 / ص 202) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4443) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 35) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 1 / ص 220) وحاشية رد المحتار - (ج 1 / ص 72) وفتح القدير - (ج 12 / ص 166) ورد المحتار - (ج 1 / ص 166) ومواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - (ج 3 / ص 204) والذخيرة في الفقه المالكي للقرافي - (ج 1 / ص 128) والمجموع - (ج 1 / ص 92) وشرح البهجة الوردية - (ج 5 / ص 156) وحاشيتا قليوبي - وعميرة - (ج 13 / ص 406) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 1 / ص 219) ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 1 / ص 49) ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - (ج 1 / ص 127) وكتاب الإبهاج في شرح المنهاج - (ج 2 / ص 468) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 5) وسير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 35)

قلت: وقد أخطأ كثير من الناس في فهم هذه القاعدة الذهبية التي اتفق عليها الفقهاء: بالرغم أنه قول صحيح ، ولكن ليس على إطلاقه. فلا بدَّ أنْ تتوفر فيه الشروطَ التي وضعها ذلك الإمامُ لقبولِ الأخبارِ ، وأنه غيرُ منسوخٍ عنده ، أو غيرُ معارضٍ لما هو أقوَى منه .وما منْ إمامٍ إلا وتركَ أحاديثَ صحيحةً لم يعملْ بها للأسبابِ التي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، كترك الإمام مالك بعض الأحاديث الصحيحة التي رواها في الموطأ لمخالفتها لعمل أهل المدينة مثلًا .أو تركِ بعض الفقهاءِ لحديثٍ صحيحٍ عمل َراويهِ بخلافِه ...

(12) - لم أجده بهذا اللفظ

(13) - لم أجده بها الفظ

(14) - ذكر ه ابن حزم من قوله في المحلى في سبعة عشر موضعا انظر مثلا: المحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 1 / ص 477) والمحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 2 / ص 742) والمحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 3 / ص 492) والمحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 4 / ص 688) والمحلى [مشكول و بالحواشي] - (ج 5 / ص 635)

(15) - لم أجده بهذا اللفظ

(16) - لم أجده بهذا اللفظ

(17) - الفتاوى الكبرى - (ج 7 / ص 212) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 1 / ص 224) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 3) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 4679) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 5 / ص 317) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 306) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 197)

(18) - البحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 13 / ص 300) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 17 / ص 360) والبحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 17 / ص 362) وتيسير التحرير - (ج 4 / ص 363) وفواتح الرحموت - (ج 2 / ص 364)

(19) - انظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - (ج 12 / ص 57)

(20) - البحر الرائق شرح كنز الدقائق - (ج 1 / ص 286)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت