فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 522

ناسِخُ الحَديثِ وَمَنسوخُه[1]

1-تعريفُ النسخِ:

أ) لغة: له معنيان: الإزالة . ومنه نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ. أي إزالته والنقل، ومنه نسختً الكتابَ، إذا نقلتُ ما فيه، فكأنَّ الناسخ قد أزال المنسوخ أو نقله إلى حكم آخر.

ب) اصطلاحًا: النَّسْخُ: رفْعُ تعلُّقِ حُكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ .

والنَّاسخُ: ما يدلُّ على الرَّفعِ المذكورِ .

وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى [2] .

2-أهميته وصعوبته وأشهر المُبَرِّزين فيه [3] :

" [وهو فنُّ مُهم] فقد مرَّ على عليٍّ قاصٌّ, فقال: تعرفُ النَّاسخ من المنسوخ؟ فقال: لا, فقال هلكتَ وأهلكتَ. أسنده الحازمي في كتابه [4] , وأسند نحوه عن ابن عبَّاس [5] ."

وأسند عن حُذيفة, أنَّه سُئل عن شيء فقال: إنَّما يُفتي من عرف النَّاسخ والمَنْسُوخ. قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عُمر. [6]

[صعبٌ] فقد روينا عن الزُّهْري قال: أعيا الفُقهاء وأعْجَزهُم أن يعرفوا ناسخ الحديث ومنسوخه. [7]

[وكان للشَّافعيِّ فيه يدٌ طُولَى, وسابقة أولى] فقد قال الإمام أحمد لابن وارة [8] , وقد قدم من مصر: كتبتَ كُتب الشَّافعي؟ قال: لا. قال: فرَّطت, ما علمنا المُجْمل من المُفسَّر, ولا ناسخ الحديث من منسوخه, حتَّى جالسنا الشَّافعي. [9]

[وأدخل فيه بعض أهل الحديث] مِمَّن صنَّف فيه [ما ليسَ منهُ, لخفاء معناه] أي: النَّسخ وشرطه.

[والمُختار] في حدِّه [أنَّ النَّسخ رفعُ الشَّارع حُكمًا منه متقدمًا, بحكم منه متأخِّر] .

فالمُراد برفع الحُكم قطع تعلقه عن المُكلَّفين, واحترزَ به عن بيان المُجْمل, وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النَّسخ من الصَّحابة, فإنَّه لا يَكُون نسخًا, وإن لم يحصل التَّكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلاَّ بإخباره.

وبالحكم عن رفع الإبَاحة الأصلية, فإنَّه لا يُسمَّى نسخًا.

وبالتقدُّم عن التَّخصيص المُتَّصل بالتكليف, كالاستثناء ونحوه.

وبقولنا: بحكم منه مُتأخِّر, عن رفع الحكم بموت المُكلَّف, أو زَوَال تكليفه بجنُون ونحوه, وعن انتهائه بانتهاء الوقت.

كما روي عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ حَدَّثَنِى قَزَعَةُ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ قُلْتُ إِنِّى لاَ أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاَءِ عَنْهُ. سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّوْمِ فِى السَّفَرِ فَقَالَ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ » . فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ « إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا » . وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا ثُمَّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ.. [10]

فالصَّوم بعد ذلك اليوم ليس نسخًا.""

3-بم يُعْرَفُ الناسخ من المنسوخ ؟

يعرفُ ناسخ الحديث من منسوخه بأحد هذه الأمور:

بتصريح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [11] : كحديث بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِى سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" [12]

بقول الصحابيِّ [13] : فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. أخرجه النسائي [14] .

وكقول أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِى أَوَّلِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ نُهِىَ عَنْهَا.. رواه التِّرمذي [15]

"وشرط أهل الأصُول في ذلك أن يُخبر بتأخُّره, فإن قال: هذا ناسخ, لم يثبت به النَّسخ, لجَوَاز أن يقوله عن اجتهاد. [16] "

قال العِرَاقي [17] :

"هكذا أطلقَ ابنُ الصلاحِ أنَّ مما يُعْرَفُ النسخُ به قولَ الصحابي ، وهو واضحٌ . وخصَّصَ أهلُ الأصولِ ثبوتَ النسخِ بقولِهِ فيما إذا أخبرَ: بأنَّ هذا متأخّرٌ . فإنْ قالَ: هذا ناسخٌ . لم يثبتْ بهِ النسخُ . قالَوا: لجوازِ أنْ يقولَهُ عن اجتهادِهِ ، بناءً على أنَّ قولَهُ ليسَ بحجَّةٍ . وما قالَهُ أهلُ الحديثِ أوضحَ وأشهرَ ."

والنسخُ لا يُصارُ إليهِ بالاجتهادِ والرأي ، وإنَّمَا يُصارُ إليهِ عندَ معرفةِ التأريخِ . والصحابةُ أورعُ من أنْ يحكمَ أحدٌ منهم على حُكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أنْ يعرفَ تأخُّرَ الناسخِ عنهُ . وفي كلامِ الشافعيِّ موافقةٌ لأهلِ الحديثِ ، فقدْ قالَ فيما رواهُ البيهقيُّ في"المدخلِ": ولا يُسْتَدَلُّ على الناسخِ والمنسوخِ إلاَّ بخبرٍ عنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أو بوقتٍ يَدُلُّ على أَنَّ أحدَهُما بعدَ الآخَرِ ، أو بقولِ مَنْ سَمِعَ الحديثَ ، أو العامَّةِ . [18]

فقولُهُ: أو بقولِ مَنْ سمعَ الحديثَ ، أرادَ بهِ قولَ الصحابةِ مطلقًا، فذكرَ الوجوهَ الأربعةَ التي يُعْرَفُ بها النسخُ ، واللهُ أعلمُ .""

بمعرفةِ التاريخِ [19] : فعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ » . [20] "ذكر الشَّافعي أنَّه مَنْسُوخ بحديث ابن عبَّاس قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ ، [21] "

فإنَّ ابن عبَّاس إنَّما صحبهُ مُحرمًا في حجَّة الوداع سَنَة عَشْر, وفي بعض طُرق حديث شدَّاد أنَّ ذلك كان زمن الفَتْح سَنَة ثمان. [22]

بدلالةِ الإجماعِ [23] : كحديث مُعَاوِيَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ » . رواه الترمذى برقم (1515 ) وقَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ هَكَذَا رَوَى الثَّوْرِىُّ أَيْضًا عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ حَدِيثُ أَبِى صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِى أَوَّلِ الأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ » . قَالَ ثُمَّ أُتِىَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. وَكَذَلِكَ رَوَى الزُّهْرِىُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ هَذَا. قَالَ فَرُفِعَ الْقَتْلُ وَكَانَتْ رُخْصَةً. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لاَ نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلاَفًا فِى ذَلِكَ فِى الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ وَمِمَّا يُقَوِّى هَذَا مَا رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ « لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِى وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ » . [24]

قال الإمام النووي [25] :

"وَهَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ ، قَالَ جَمَاعَة: دَلَّ الْإِجْمَاع عَلَى نَسْخه ، وَقَالَ بَعْضهمْ: نَسَخَهُ قَوْله - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: النَّفْس بِالنَّفْسِ ، وَالثَّيِّب الزَّانِي ، وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ""

قال السيوطي [26] :

"وإن كانَ ابن حَزْم [27] خالف في ذلكَ, فخلافُ الظَّاهرية لا يَقْدحُ في الإجْمَاع."

نعم وردَ نَسْخه في السُّنة أيضًا, كما قال التِّرمذي [28] من رِوَاية مُحمَّد بن إسْحَاق, عن مُحمَّد بن المُنْكدر, عن جابر, أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنْ شَربَ الخَمْر فاجْلدُوه, فإن شربَ في الرَّابعة فاقتلُوه» . ثمَّ أُتي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك برجُل قد شرب في الرَّابعة فضربهُ ولم يقتله.

قال: وكذلكَ رَوَى الزُّهْري عن قَبِيصة بن ذُؤيب عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا،قال: فرفع القَتْل وكانت رُخْصة. انتهى. [29]

وما علَّقهُ التِّرمذي أسندهُ البَزَّار في «مسنده» . [30]

وقَبيصة ذكرهُ ابن عبد البر في الصَّحابة, وقال: ولد أوَّل سَنَة من الهِجْرة, وقيلَ: عام الفَتْح. [31]

قلت:

قال الإمام الذهبي رحمه الله:

قُلْتُ: لِلعُلَمَاءِ قَوْلاَن فِي الاعتِدَاد، بِخِلاَفِ دَاوُدَ وَأَتْبَاعِهِ: فَمَنْ اعتَدَّ بِخِلاَفِهِم، قَالَ: مَا اعْتِدَادُنَا بِخِلاَفِهِم لأَنَّ مُفْرَدَاتِهِم حُجَّةٌ، بَلْ لِتُحكَى فِي الجُمْلَةِ، وَبَعْضُهَا سَائِغٌ، وَبَعْضُهَا قَوِيٌّ، وَبَعْضُهَا سَاقِطٌ، ثُمَّ مَا تَفَرَّدُوا بِهِ هُوَ شَيْءٌ مِنْ قَبِيْلِ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ الظَّنِّي، وَتَنْدُرُ مُخَالَفَتُهُم لإِجْمَاعٍ قَطْعِي.

وَمَنْ أَهْدَرَهُم، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِم، لَمْ يَعُدَّهُم فِي مَسَائِلِهِم المُفْرِدَةِ خَارِجِيْنَ بِهَا مِنَ الدِّيْنِ، وَلاَ كَفَّرَهُم بِهَا، بَلْ يَقُوْلُ: هَؤُلاَءِ فِي حَيِّزِ العَوَامِّ، أَوْ هُم كَالشِّيْعَةِ فِي الفُرُوْعِ، وَلاَ نَلْتَفِتُ إِلَى أَقْوَالِهِم، وَلاَ نَنْصِبُ مَعَهُم الخِلاَفَ، وَلاَ يُعْتَنَى بِتَحْصِيْلِ كُتُبِهِم، وَلاَ نَدُلُّ مُسْتَفْتِيًا مِنَ العَامَّةِ عَلَيْهِم.

وَإِذَا تَظَاهِرُوا بِمَسْأَلَةٍ مَعْلُوْمَةِ البُطْلاَنِ، كَمَسْحِ الرِّجِلَيْنِ، أَدَّبْنَاهُم، وَعَزَّرْنَاهُم، وَأَلزَمْنَاهُم بِالغَسْلِ جَزْمًا.

قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ: قَالَ الجُمْهُوْرُ:

إِنَّهُم -يَعْنِي: نُفَاةَ القِيَاسِ- لاَ يَبْلُغُونَ رُتْبَةَ الاجتِهَادِ، وَلاَ يَجُوْزُ تَقْلِيْدُهُم القَضَاءَ.

وَنَقَلَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُوْرٍ البَغْدَادِيُّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ بنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:

أَنَّهُ لاَ اعتِبَارَ بِخِلاَفِ دَاوُدَ، وَسَائِرِ نُفَاةِ القِيَاسِ، فِي الفُرُوْعِ دُوْنَ الأُصُوْلِ.

وَقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ أَبُو المَعَالِي: الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ التَّحْقِيْقِ:

أَنَّ مُنْكِرِي القِيَاس لاَ يُعَدُّوْنَ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، وَلاَ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيْعَةِ؛ لأَنَّهُم مُعَانِدُوْنَ مُبَاهِتُوْنَ فِيمَا ثَبَتَ اسْتفَاضَةً وَتَوَاتُرًا، لأَنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيْعَةِ صَادِرٌ عَنِ الاجتِهَادِ، وَلاَ تَفِي النُّصُوْصُ بعُشْرِ مِعْشَارِهَا، وَهَؤُلاَءِ مُلتَحِقُوْنَ بِالعَوَامِّ.

قُلْتُ: هَذَا القَوْلُ مِنْ أَبِي المعَالِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَهُم فَأَدَّاهُم اجتِهَادُهُم إِلَى نَفِي القَوْلِ بِالقِيَاسِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ الاجتِهَادُ بِمِثْلِهِ، وَنَدْرِي بِالضَّرُوْرَةِ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يُقْرِئُ مَذْهَبَهُ، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ، وَيُفْتِي بِهِ فِي مِثْلِ بَغْدَادَ، وَكَثْرَةِ الأَئِمَّةِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، فَلَم نَرَهُم قَامُوا عَلَيْهِ، وَلاَ أَنْكَرُوا فَتَاويه وَلاَ تَدْرِيسَهُ، وَلاَ سَعَوا فِي مَنْعِهِ مِنْ بَثِّهِ، وَبَالحَضْرَةِ مِثْلُ إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي شَيْخِ المَالِكِيَّةِ، وَعُثْمَانَ بنِ بَشَّارٍ الأَنْمَاطِيِّ شَيْخِ الشَّافِعِيَّة، وَالمَرُّوْذِيِّ شَيْخِ الحَنْبَلِيَّةِ، وَابْنَي الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البِرْتِيِّ شَيْخِ الحَنَفِيَّةِ، وَأَحْمَدَ بنِ أَبِي عِمْرَانَ القَاضِي، وَمِثْلُ عَالِمِ بَغْدَادَ إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ.

بَلْ سَكَتُوا لَهُ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ: ذَاكَرْتُ الطَّبرِيَّ -يَعْنِي: ابْنَ جَرِيْرٍ- وَابْنَ سُرَيْجٍ، فَقُلْتُ لَهُمَا: كِتَابُ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي الفِقَهِ، أَيْنَ هُوَ عِنْدَكُمَا؟

قَالاَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلاَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ الفِقْهَ فَكُتُبُ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدَ، وَنُظَرَائِهِمَا.

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 61) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 22) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 19) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(2) - التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 13)

(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(4) - الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 6

(5) - نفسه ص 7

(6) - نفسه ص 4

(7) - الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 460) ومن ضوابط فهم السنة النبوية - (ج 1 / ص 6)

(8) - محمد بن مسلم المعروف بابن وارة الرازي روى عن أبي عاصم النبيل والفريابي وأبى المغيرة عبد القدوس بن الحجاج سمعت منه وهو صدوق ثقة قال أبو محمد ووجدت في كتب أبى زرعة بخطه قد كتب عنه ورأيت ورأيت أبا زرعة يبجله ويكرمه"الجرح والتعديل [ ج 8 - ص 79 ] (332 ) "

(9) - الاعتبار للحازمي ص 4 و الغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 134)

(10) - صحيح مسلم (2680 ) المكثور: أى عنده ناس كثيرون للاستفادة منه

(11) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(12) -أخرجه مسلم برقم (2305 )

(13) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(14) - سنن النسائى برقم (186 ) صحيح

(15) - سنن الترمذى (110 ) وهو صحيح

(16) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(17) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 198)

(18) - معرفة السنن والآثار للبيهقي - (ج 1 / ص 71) والبحر المحيط - (ج 3 / ص 227) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 311) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 462) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 46)

(19) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(20) - سنن أبى داود برقم (2369 ) صحيح

(21) - مسند أحمد برقم (1877) وابن حبان برقم (3531 ) والترمذي برقم (780 ) صحيح

(22) - كما هو عند أحمد 4/122 وابن حبان (3534) وعبد الرزاق (7521) والبيهقي في السنن 4/267

(23) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 86)

(24) - وفي تحفة الأحوذي - (ج 4 / ص 81) : ( وَكَذَلِكَ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُوَيْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ هَذَا قَالَ فَرُفِعَ الْقَتْلُ وَكَانَتْ رُخْصَةً ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْقَتْلُ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ: قَدْ يُرَادُ الْأَمْرُ بِالْوَعِيدِ وَلَا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ وَالتَّحْذِيرُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ فِي الْخَامِسَةِ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ، إِلَّا طَائِفَةٌ شَاذَّةٌ قَالَتْ يُقْتَلُ بَعْدَ حَدِّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لِلْحَدِيثِ . وَهُوَ عِنْدَ الْكَافَّةِ مَنْسُوخٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُوَيْبٍ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَعَدَّهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ التَّابِعِينَ . وَذَكَرُوا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ غُلَامٌ يَدْعُو لَهُ وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُوَيْبٍ قَالَ: كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَأَمَّا أَبُوهُ ذُوَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ فَلَهُ صُحْبَةٌ اِنْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .

( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اِخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُقْتَلُ الشَّارِبُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ أَوْ لَا ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَنَصَرَهُ اِبْنُ حَزْمٍ وَاحْتَجَّ لَهُ وَدَفَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الْقَتْلِ . وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْبَابِ عَنْ اِبْنِ عَمْرٍو . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الشَّارِبُ وَأَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ اِنْتَهَى .

(25) - شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 129)

(26) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 88)

(27) - ابن حزم ( 384 - 456 هـ ) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري . أبو محمد . عالم الأندلس في عصره . أصله من الفرس . أول من أسلم من أسلافه جد له كان يدعى يزيد مولى ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه . كانت لابن حزم الوزارة وتدبير المملكة ، فانصرف عنها إلى التأليف والعلم . كان فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر ، بعيدا عن المصانعة حتى شبه لسانه بسيف الحجاج . طارده الملوك حتى توفي مبعدا عن بلده . كثير التأليف . مزقت بعض كتبه بسبب معاداة كثير من الفقهاء له .من تصانيفه: (( المحلى ) ) في الفقه ؛ و (( الإحكام في أصول الأحكام ) ) في أصول الفقه ؛ و (( طوق الحمامة ) ) في الأدب . [ الأعلام للزركلي 5 / 59 ؛ وابن حزم الأندلسي لسعيد الأفغاني ؛ والمغرب في حلى المغرب ص 364 ] وسير أعلام النبلاء (18/185) (99 )

(28) - سنن الترمذى (1515)

(29) - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وَأَمَّا حَدُّ الشُّرْبِ: فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ } وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ الشَّارِبَ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ . وَالْقَتْلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَنْسُوخٌ . وَقِيلَ: هُوَ مُحْكَمٌ . يُقَالُ: هُوَ تَعْزِيرٌ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ عِنْدَ الْحَاجَةِ . وَقَدْ ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ . وَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ وَضَرَبَ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ . وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ مَرَّةً أَرْبَعِينَ وَمَرَّةً ثَمَانِينَ } . فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: يَجِبُ ضَرْبُ الثَّمَانِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْوَاجِبُ أَرْبَعُونَ وَالزِّيَادَةُ يَفْعَلُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا أَدْمَنَ النَّاسُ الْخَمْرَ . أَوْ كَانَ الشَّارِبُ مِمَّنْ لَا يَرْتَدِعُ بِدُونِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَأَمَّا مَعَ قِلَّةِ الشَّارِبِينَ وَقُرْبِ أَمْرِ الشَّارِبِ فَتَكْفِي الْأَرْبَعُونَ . وَهَذَا أَوْجُهُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد . رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد . وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا كَثُرَ الشُّرْبُ - زَادَ فِيهِ النَّفْيَ وَحَلْقَ الرَّأْسِ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهُ فَلَوْ غُرِّبَ الشَّارِبُ مَعَ الْأَرْبَعِينَ لِيَنْقَطِعَ خَبَرُهُ أَوْ عَزْلُهُ عَنْ وِلَايَتِهِ كَانَ حَسَنًا ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلَغَهُ عَنْ بَعْضِ نُوَّابِهِ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَبْيَاتِ فِي الْخَمْرِ فَعَزَلَهُ . مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 336) "

(30) - يعني حديث جابر وهو في كشف الأستار (1562) و مسند البزار (5965) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 314) (17960)

(31) - قبيصة بن ذؤيب بالمعجمة مصغر بن حلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي أبو سعيد أو أبو إسحاق المدني نزيل دمشق من أولاد الصحابة وله رؤية مات سنة بضع وثمانين ع .تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 453 ] (5512 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت