فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 522

ثمَّ كَانَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ المُغَلِّسِ، وَعِدَّةٌ مِنْ تَلاَمِذَةِ دَاوُدَ، وَعَلَى أَكْتَافِهِم مِثْلُ: ابْنِ سُرَيْجٍ شَيْخِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ شَيْخِ الحَنْبَلِيَّةِ، وَأَبِي الحَسَنِ الكَرْخِيِّ شَيْخِ الحَنَفِيَّةِ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ بِمِصْرَ.

بَلْ كَانُوا يَتَجَالَسُوْنَ وَيَتَنَاظَرُوْنَ، وَيَبْرُزُ كُلٌّ مِنْهُم بِحُجَجِهِ، وَلاَ يَسْعَوْنَ بِالدَّاودِيَّةِ إِلَى السُّلْطَانِ.

بَلْ أَبلغُ مِنْ ذَلِكَ، يَنْصِبُوْنَ مَعَهُم الخِلاَفَ فِي تَصَانِيفِهِم قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا، وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَهُم أَشْيَاءُ أَحْسَنُوا فِيْهَا، وَلَهُم مَسَائِلُ مُسْتَهْجَنَةٌ، يُشْغَبُ عَلَيْهِم بِهَا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيْرُ الإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو بنُ الصَّلاَحِ، حَيْثُ يَقُوْلُ: الَّذِي اختَارَهُ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُوْرٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيْحُ مِنَ المَذْهَبِ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خِلاَفُ دَاوُدَ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: وَهَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ آخِرًا، كَمَا هُوَ الأَغْلَبُ الأَعْرَفُ مِنْ صَفْوِ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِينَ، الَّذِيْنَ أَوْرَدُوا مَذْهَبَ دَاوُدَ فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ المَشْهُوْرَةِ، كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإِسْفَرَايِيْنِيِّ، وَالمَاوَرْدِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، فلَوْلاَ اعتِدَادُهُم بِهِ لَمَا ذَكَرُوا مَذْهَبَهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ المَشْهُوْرَةِ.

قَالَ: وَأَرَى أَنْ يُعْتَبَرَ قَوْلُهُ، إِلاَّ فِيمَا خَالَفَ فِيْهِ القيَاسَ الجَلِيَّ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ القِيَاسِيُّونَ مِنْ أَنْواعِهِ، أَوْ بَنَاهُ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيْلُ القَاطعُ عَلَى بُطلاَنِهَا، فَاتِّفَاقُ مَنْ سِوَاهُ إِجمَاعٌ مُنْعَقِدٌ، كَقَوْلِهِ فِي التَّغَوُّطِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ، وَتِلْكَ المَسَائِلِ الشَّنِيعَةِ، وَقُولِهُ: لاَ رِبَا إِلاَّ فِي السِّتَّةِ المَنْصُوْصِ عَلَيْهَا، فَخِلاَفُهُ فِي هَذَا أَوْ نَحْوِهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، لأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يُقْطَعُ بِبُطْلاَنِهِ.

قُلْتُ: لاَ رَيْبَ أَنَّ كُلَّ مسَأَلَةٍ انْفَرَدَ بِهَا، وَقُطِعَ بِبُطْلاَنِ قَوْلِهِ فِيْهَا، فَإِنَّهَا هَدْرٌ، وَإِنَّمَا نَحْكِيهَا للتَّعَجُّبِ، وَكُلَّ مسَأَلَةٍ لَهُ عَضَدَهَا نَصٌّ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهَا صَاحِبٌ أَوْ تَابِعٌ، فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الخِلاَفِ، فَلاَ تُهْدَرُ.

وَفِي الجُمْلَةِ، فَدَاوُدُ بنُ عَلِيٍّ بَصِيرٌ بِالفِقْهِ، عَالِمٌ بِالقُرْآنِ، حَافظٌ للأَثَرِ، رَأْسٌ فِي مَعْرِفَةِ الخِلاَفِ، مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، لَهُ ذكَاءٌ خَارِقٌ، وَفِيْهِ دِيْنٌ مَتِينٌ.

وَكَذَلِكَ فِي فُقَهَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ جَمَاعَةٌ لَهُم عِلْمٌ بَاهِرٌ، وَذكَاءٌ قَوِيٌّ، فَالكَمَالُ عَزِيزٌ، وَاللهُ المُوَفِّقُ.

وَنَحْنُ: فَنَحْكِي قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي المُتعَةِ، وَفِي الصَّرْفِ، وَفِي إِنكَارِ العَوْلِ، وَقولَ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَرْكِ الغُسْلِ مِنَ الإِيْلاجِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَلاَ نُجَوِّزُ لأَحَدٍ تَقْلِيْدَهُم فِي ذَلِكَ. [1]

وقال ابن حزم رحمه الله بعد ذكر الأحاديث الصحيحة في القتل:

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَكَانَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , ثَابِتَةً , تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُونَ , فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ - وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ: مَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نا عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ سَعْدٍ - نا شَرِيكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ { إذَا شَرِبَ الرَّجُلُ فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ , فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ , فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِرَجُلٍ مِنَّا فَلَمْ يَقْتُلْهُ } . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى نا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ ثني مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ , فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ , فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ , فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ - فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نُعَيْمَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ } . فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ رُفِعَ , وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِعَ: حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ نا أَبُو ثَابِتٍ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ لِشَارِبِ الْخَمْرِ { إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ , ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ - فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَجَلَدَهُ , ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَجَلَدَهُ - وَوَضَعَ الْقَتْلَ عَنْ النَّاسِ } . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: قَدْ نا أَبُو إسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ لِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ مِنْ وَافِدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا الْخَبَرِ - يَعْنِي حَدِيثَ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ هَذَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثني اللَّيْثُ ثني خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ { أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ , وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا , وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ جَلَدَهُ فِي الشُّرْبِ , فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ , فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ , مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لَا تَلْعَنُوهُ , فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ إلَّا يُحِبُّ اللَّهَ وَيُحِبُّ رَسُولَهُ } . وَذَكَرُوا الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ , أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ , أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ } فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ أَحَدٌ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَلَوْ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ , وَالْحَنَفِيِّينَ , وَالشَّافِعِيِّينَ , احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي قَتْلِهِمْ مَنْ لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَهُ قَطُّ , وَلَا رَسُولُهُ - عليه السلام: كَقَتْلِ الْمَالِكِيِّينَ بِدَعْوَى الْمَرِيضِ , وَقَسَامَةِ اثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ وَقَتْلِهِمْ - وَالشَّافِعِيِّينَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ , وَمَنْ أَقَرَّ بِفَرْضِ صَلَاةٍ وَقَالَ: لَا أُصَلِّي . وَكَقَتْلِ الْحَنَفِيِّينَ , وَالْمَالِكِيِّينَ , السَّاحِرَ . وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكْفُرْ , وَلَا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ , وَلَا قَتَلَ نَفْسًا . فَهَذَا كُلُّهُ نَقَضَ احْتِجَاجَهُمْ فِي قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ , بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ . وَذَكَرُوا عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِي مَرَّاتٍ - وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدٍ أَيْضًا - وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ , عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . أَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي نَسْخِ الثَّابِتِ مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَحَدٌ مُتَّصِلًا , إلَّا شَرِيكٌ الْقَاضِي , وَزِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ - وَهُمَا ضَعِيفَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ فَمُنْقَطِعٌ , وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ فَمُنْقَطِعٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ , أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْقَتْلِ , فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَالْيَقِينُ الثَّابِتُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِلضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَصِحُّ , وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ ظَنًّا - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ جُمْلَةً . وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا يَجْلِدُهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ , لَكَانَ مُقْتَضَى أَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتِئْنَافُ جِلْدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ ; لِأَنَّهُ - عليه السلام - حِينَ لَفَظَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَمَرَ فِي الْمُسْتَأْنَفِ بِضَرْبِهِ إنْ شَرِبَ , ثُمَّ بِضَرْبِهِ إنْ شَرِبَ ثَانِيَةً , ثُمَّ بِضَرْبِهِ ثَالِثَةً , ثُمَّ بِقَتْلِهِ رَابِعَةً - هَذَا نَصُّ حَدِيثِهِ وَكَلَامِهِ - عليه السلام . فَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ حُجَّةً لَوْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ بَعْدَ أَمْرِهِ - عليه السلام - بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ , وَهَكَذَا الْقَوْلُ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ الْوَاجِبَ ضَمُّ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى , وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - كُلِّهَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ , وَالِانْقِيَادُ إلَى جَمِيعِهَا , وَالْأَخْذُ بِهَا , وَأَنْ لَا يُقَالَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: هَذَا مَنْسُوخٌ إلَّا بِيَقِينٍ . بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } . فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , أَوْ رَسُولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم فَفَرْضٌ عَلَيْنَا الْأَخْذُ بِهِ , وَالطَّاعَةُ لَهُ , وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا , فَقَوْلُهُ مُطَّرَحٌ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ لَنَا: لَا تُطِيعُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَا مِنْ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا عِصْيَانُ مَنْ أَمَرَ بِذَلِكَ , إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ جَلِيٌّ بَيِّنٌ يَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَنْسُوخٌ , أَوْ إجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ , أَوْ بِتَارِيخٍ ثَابِتٍ مُبَيِّنٍ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ . وَأَمَّا نَحْنُ - فَإِنَّ قَوْلَنَا: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ دِينِهِ وَأَكْمَلَهُ , وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ , فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُرَدَّ نَصَّانِ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ , وَضَمِّهِ إلَيْهِ , إلَّا وَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمَا بِيَقِينٍ , وَأَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ أَصْلًا - وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَسْخٌ لَبَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانًا جَلِيًّا , وَلَمَا تَرَكَهُ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا , حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرَدَّ نَصَّانِ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَخْصُوصًا مِنْ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَعَانٍ مِنْهُ , وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِالْأَعَمِّ , وَيَكُونُ الْبَيَانُ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ الْأَخَصَّ قَبْلَ الْأَعَمِّ بِلَا شَكٍّ - فَهَذَا إنْ وُجِدَ فَالْحُكْمُ فِيهِ النُّسَخُ وَلَا بُدَّ , حَتَّى يَجِيءَ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ الْعَامِ الَّذِي جَاءَ بَعْدَهُ . بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ { تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } . وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم { لِتُبَيِّنَّ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } وَالْبَيَانُ - بِلَا شَكٍّ - هُوَ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ , مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ , أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ , فَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالْوَاجِبُ الرَّدُّ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ , إذْ يَقُولُ { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } الْآيَةَ . وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ , وَلَمْ يَصِحَّ نَسْخُهُ , وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ." [2] "

قلت: فالمِثَالُ الصَّحيح لذلك, ما رواه التِّرمذي [3] جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَجَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَكُنَّا نُلَبِّى عَنِ النِّسَاءِ وَنَرْمِى عَنِ الصِّبْيَانِ.

قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يُلَبِّى عَنْهَا غَيْرُهَا بَلْ هِىَ تُلَبِّى عَنْ نَفْسِهَا وَيُكْرَهُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ..

ثمَّ الحديث لا يُحكم عليه بالنَّسْخ بالإجماع على ترك العمل به, إلاَّ إذا عرف صحَّته, وإلاَّ فيحتمل أنَّه غلط, صرَّح به الصَّيرفي.""

[والإجماع لا يُنسخ] أي: لا ينسخه شيء [ولا يَنْسخ] هو غيره [ولكن يدل على ناسخ] أي: على وجود ناسخ غيره. [4]

4-أشهرُ المصنفات فيه:

أ) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي [5] .

ب) الناسخ والمنسوخ للإمام أحمد [6]

ج) تجريد الأحاديث المنسوخة لابن الجوزي . وهو مختصر جدا. [7]

5-حكمة النسخ:

للنسخ فوائد جمّة لكن من أظهرها فائدتان:

الأولى- رعاية الأصلح للمكلفين تفضُّلًا من الله تعالى لا وجوبًا عليه. فمصالح الناس التي هي المقصود الأصلي من تشريع الأحكام تختلف باختلاف الأحوال والأزمان.

الثانية- امتحان المكلفين بامتثالهم الأوامر واجتنابهم النواهي وتكرار الاختبار خصوصًا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فالانقياد في حالة التغيير أدل على الإذعان والطاعة.

6-الفرق بين النسخ والتخصيص:

النسخ رفع للحكم بالكلية والتخصيص قصر للحكم على بعض أفراده. فهو رفع جزئي.

الفصلُ الثالثُ

الخَبَرُ المَرْدوُد [8]

المبحث الأول: الضعيف.

المبحث الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد

المبحث الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي

المبحث الأول: الضعيف.

تعريفُه:

هو الذي لم يَتَرَجَّحْ صِدْقُ المُخْبِرِ به. وذلك بفقد شرط أو أكثر من شروط القبول التي مرت بنا في بحث الصحيح.

أقسامُه وأسبابُّ ردِّه:

لقد قسم العلماء الخبر المردود إلى أقسام كثيرة زاد على الأربعين نوعًا، وأطلقوا على كثير من تلك الأقسام أسماء خاصة بها ، ومنها ما لم يطلقوا عليها اسما خاصًا بها بل سموها باسم عام هو"الضعيف".

أمَّا أسبابُ رد الحديث فكثيرة، لكنها ترجع بالجملة إلى أحد سببين رئيسيين هما:

سَقْطُ من الإسناد .

طعنٌ في الراوي .

وتحت كلٍّ من هذين السببين أنواعٌ متعددة ، سأتكلم عنها بأبحاث مستقلة مفصلة إن شاء الله تعالى مبتدئًا ببحث"الضعيف"الذي يعتبر هو الاسم العام لنوع المردود

ـــــــــــــــ

(1) - سير أعلام النبلاء (13/105-108)

(2) - المحلى بالآثار - (ج 1 / ص 6758- 6768) (2292)

(3) - سنن الترمذى (939 ) وفيه ضعف

(4) - المستصفى - (ج 2 / ص 116) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 213) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 343) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 88) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 384) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 2 / ص 461)

(5) - الحَازِمِيُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى بنِ عُثْمَانَ بنِ حَازِمٍ الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، النَّاقِدُ، النَسَّابَةُ، البَارِعُ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُوْسَى بنِ عُثْمَانَ بنِ حَازِمٍ الحَازِمِيُّ، الهَمَذَانِيُّ.مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

وَجَمَعَ، وَصَنَّفَ، وَبَرَعَ فِي الحَدِيْثِ، خُصُوْصًا فِي النَّسَبِ، وَاسْتَوْطَنَ بَغْدَاد.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الدُّبَيْثِيّ: تَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَجَالَس العُلَمَاء، وَتَمَيَّزَ، وَفَهِم، وَصَارَ مِنْ أَحْفَظ النَّاس لِلْحَدِيْثِ وَلأَسَانِيْده وَرِجَاله، مَعَ زُهْد، وَتعبّد، وَرِيَاضَة، وَذِكْرٍ، صَنَّف فِي الحَدِيْثِ عِدَّة مُصَنَّفَات، وَأَملَى عِدَّة مَجَالِس، وَكَانَ كَثِيْرَ المَحْفُوْظ، حلو المذَاكرَة، يغلبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَة أَحَادِيْثَ الأَحكَام، أَملَى طرق الأَحَادِيْث الَّتِي فِي (المُهَذَّب) لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَسندهَا، وَلَمْ يُتِمَّه.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ النَّجَّار فِي (تَارِيْخِهِ) : كَانَ الحَازِمِيُّ مِنَ الأَئِمَّةِ الحُفَّاظ، العَالِمِين بفقه الحَدِيْث وَمعَانِيه وَرِجَاله، أَلّف كِتَاب (النَّاسخ وَالمَنْسُوْخ) ، وَكِتَاب (عجَالَة المبتدئ فِي النَّسَبِ) ، وَكِتَاب (المُؤتلف وَالمُخْتَلِف فِي أَسْمَاء البُلْدَان) .

وَأَسند أحَادِيث (المُهَذَّب) ، وَكَانَ ثِقَةً، حُجَّةً، نبيلًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، وَرِعًا، مُلاَزِمًا لِلْخلوَة وَالتصنِيف وَبثّ العِلْم، أَدْركه الأَجل شَابًّا، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ غَانِم الحَافِظ يَقُوْلُ: كَانَ شَيْخنَا الحَافِظُ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ يُفضّل أَبَا بَكْرٍ الحَازِمِيَّ عَلَى عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيّ، وَيَقُوْلُ: مَا رَأَينَا شَابًّا أَحْفَظ مِنَ الحَازِمِيّ، لَهُ كِتَاب فِي (النَّاسخ وَالمَنْسُوْخ) دَالٌّ عَلَى إِمَامته فِي الفِقْه وَالحَدِيْث، لَيْسَ لأَحدٍ مِثْلُه.

مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الحَازِمِيّ: فِي شَهْر جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْس مائَة، وَلَهُ سِتٌّ وَثَلاَثُوْنَ سَنَة. سير أعلام النبلاء (21/168-170) (84 )

(6) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 11)

(7) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 309)

(8) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت