"لَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِنِسْيَانِ الرَّاوِي ، وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ لِلْخَبَرِ ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي: ضَعِيفٌ ، وَلَا يُبَيِّنُ سَبَبَ الضَّعْفِ ، أَوْ كَوْنَهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا ، أَوْ أَنْ يَقُولَ: بَعْضُ الْأَلْفَاظِ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي فِي الْحَدِيثِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّازِيَّ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُرَتَّبٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ يَأْبَاهُ ، وَلَا أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تُنْقَلْ نَقْلَ الْأَصْلِ ؛ لِاحْتِمَالِ ذِكْرِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يَحْضُرْهُ الْجَمَاعَةُ ، وَلَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ فِي الرَّفْعِ ، كَقَوْلِ سُهَيْلٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ [2] ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَةُ سُنَّةِ الرَّسُولِ ، وَلَا بِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَمْرًا ، كَقَوْلِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ ."
قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ قَوْلًا فَظَنَّهُ أَمْرًا ، وَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ أَهْلُ اللِّسَانِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فَلَنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ ، فَالْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ .
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى النَّسْخِ ، فَيَذْهَبُ إلَى أَثْبَتِ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ تَكَافَأَتَا ذَهَبَ إلَى أَشْبَهِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ سُنَّتِهِ ، وَلَا نَقْلُهُ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُوجَدَ فِيهِمَا هَذَا أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَثْبَتِ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ يُرْوَى مِنْ دُونِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ لَمْ أَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ".اهـ"
ـــــــــــــــ
(1) - البحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 409)
(2) - صحيح البخارى (4746 ) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِى الْقُرْآنِ مِنَ التَّلاَعُنِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « قَدْ قُضِىَ فِيكَ وَفِى امْرَأَتِكَ » . قَالَ فَتَلاَعَنَا ، وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَفَارَقَهَا فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ وَكَانَتْ حَامِلًا ، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِى الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا ، وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا .