فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 522

المبحث الثامن عشر

قاعدةُ الإمام الشافعي رحمه الله في مختلف الحديث

ففي عْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ (712 ) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو زَكَرِيَّا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"أَسْفِرُوا بِصَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، أَوْ قَالَ: أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ"فَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ ، حَدِيثَ عَائِشَةَ ، بِأَنَّهُ: أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ فَأَوْلَى الْمُصَلِّينَ بِالْمُحَافَظَةِ: الْمُقَدِّمُ لِلصَّلَاةِ ، وَهُوَ أَيْضًا أَشْهُرُ رِجَالًا بِالثِّقَةِ ، وَأَحْفَظُ . وَمَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلَاثَةٌ ، كُلُّهُمْ يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لَا يَأْمُرُ بِأَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي وَقْتٍ يُصَلِّيهَا فِي غَيْرِهِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ حَدِيثَ:"أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ". وَهُوَ لَا يُؤْثِرُ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَالْعَفْوُ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنَيَيْنِ: عَفْوٌ عَنِ تَقْصِيرٍ ، أَوْ تَوْسِعَةٌ ، وَالتَّوْسِعَةُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ فِي غَيْرِهَا إِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي وُسِّعَ فِي خِلَافِهِ يُرِيدُ الْوَقْتَ الْأَوَّلَ قَالَ: وَقَدْ أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ مَا قُلْنَا ، وَسُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ:"الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا". وَهُوَ لَا يَدَعُ مَوْضِعَ الْفَضْلِ ، وَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ إِلَّا بِهِ . قَالَ: وَالَّذِي لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ ، أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْلَى بِالْفَضْلِ لِمَا يَعْرِضُ لِلْآدَمِيِّينَ مِنَ الْأَشْغَالِ وَالنِّسْيَانِ وَالْعِلَلِ ، وَذَكَرَ تَقْدِيمَ صَلَاةِ الْفَجْرِ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَبْلَ هَذَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ: لَهُ وَجْهٌ يُوَافِقُ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَلَا يُخَالِفُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَمَّا حَضَّ النَّاسَ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ ، وَأَخْبَرَ بِالْفَضْلِ فِيهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّاغِبِينَ مَنْ يُقَدِّمُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ الْآخِرِ ، فَقَالَ:"أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ الْآخَرُ مُعْتَرِضًا"وَحَكَى فِي الْقَدِيمِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّى بِمَكَّةَ مِرَارًا ، فَكُلَّمَا بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ . وَأَنَّ أَبَا مُوسَى فَعَلَ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ ، فِيمَا بَلَغَنَا . فَلَا نَدْرِي لَعَلَّ النَّاسَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ شَبِيهًا بِفِعْلِهِمَا حِينَ أُخْبِرُوا بِالْفَضْلِ فِي الْوَقْتِ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فِيمَا نَرَى الْخُرُوجَ مِنَ الشَّكِّ ، حَتَّى يُصَلِّيَ الْمُصَلِّي بَعْدَ الْيَقِينِ مِنَ الْفَجْرِ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِسْفَارِ ، أَيْ بِالتَّبَيُّنِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ: وَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَحَادِيثِ , كَانَ أَوْلَى بِنَا أَنْ لَا نَنْسِبَهُ إِلَى الِاخْتِلَافِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا ، فَالْحُجَّةُ فِي تَرْكِنَا ، بِحَدِيثِنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا وَصَفْتُ مِنَ الدَّلَائِلِ مَعَهُ . قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَغْلِيسِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْفَجْرِ ، ثُمَّ زَعَمَ أَنْ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْأَفْضَلِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُدَاوِمُ إِلَّا عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ فِيهَا مُغَلِّسِينَ لِيُطَوِّلُوا الْقِرَاءَةَ ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا مُسْفِرِينَ . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، إِنَّمَا خَرَجَ مِنْهَا مُغَلِّسًا ، قَبْلَ أَنْ شُرِعَ فِيهَا طُولُ الْقِرَاءَةِ . فَاسْتَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ بِفِعْلِهِمْ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْهَا مُغَلِّسِينَ كَمَا رُوِّينَا عَنْهُمْ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، وَلَوْ أَنَّ ابْنِيَ مِنِّي ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ لَمْ أَعْرِفْهُ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ . ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ وَصَلَ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ مِثْلَهَا ، غَيْرَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرٌ ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ لِطُولِ قِرَاءَتِهَا . وَزَعَمَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِطَالَةَ الْقِرَاءَةِ كَانَتَا مَعًا . وَظَاهَرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصُّبْحِ ، إِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ لِطُولِ قِرَاءَتِهَا الْمَشْرُوعِ فِيهَا قَبْلَهَا . ثُمَّ حَمَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي التَّغْلِيسِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُشْرَعَ فِيهَا طُولُ الْقِرَاءَةِ . وَعَائِشَةُ قَدْ أَخْبَرَتْ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ . وَغَيْرُهَا يَقُولُ: حِينَ فُرِضَتْ قَبْلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ . وَعَلَى زَعْمِهِ شُرِعَ طُولُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حِينَ زِيدَ فِي عَدَدِ غَيْرِهَا . وَعَائِشَةُ إِنَّمَا حَمَلَتْ حَدِيثَ التَّغْلِيسِ ، وَهِيَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ ، وَكَذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ مَا هَاجَرَ بِسَنَتَيْنِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْسُوخًا بِحُكْمٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ؟ كَيْفَ وَقَدْ أَخْبَرَتْنَا عَنْ دَوَامِ فَعَلِهِ وَفِعْلِ النِّسَاءِ مَعَهُ . وَرُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فِي حَدِيثٍ مُخَرَّجٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -:"كَانَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ"وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ، ثُمَّ صَلَّاهَا يَوْمًا فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْفَارِ ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ النَّسْخِ الَّذِي ادَّعَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَغَيْرِهَا فِي التَّغْلِيسِ ، وَالطَّرِيقُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ ، أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ تَغْلِيسِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ بِالصُّبْحِ ، عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا هُوَ الْأَفْضَلُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ فِعْلِهِمْ . وَيُحْمَلُ حَدِيثُ رَافِعٍ عَلَى تَبْيِينِ الْفَجْرِ بِالْيَقِينِ ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِيهَا فِي الْغَيْمِ بِالِاجْتِهَادِ قَبْلَ التَّبْيِينِ ، وَحَدِيثُ مَنْ أَسْفَرَ بِهَا عَلَى الْجَوَازِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . اهـ

وقال الشافعي [1] :

"أخبرنا"ابن عيينة"عن"محمد بن العَجْلانِ"عن"عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ"عن"محمود بن لَبِيد"عن"رافع بن خَدِيج"أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ لِلْأَجْرِ أَوْ: أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ""

أخبرنا " سفيان"عن"الزهري"عن"عروة"عن"عائشة " قالت:"كُنَّ النِّسَاءُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ الصُّبْحَ ثُمَّ يَنْصَرِفْنَ وَهُنَّ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ"

قال: وذكَرَ تَغْلِيسَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفجر"سهلُ بن سعد"وزيد بن ثابت"وغيرُهما مِن أصحاب رسول الله شبيهٌ بمعنى"عائشة""

قال"الشافعي": قال لي قائل: نحن نرى أن نَسْفِرَ بالفجر اعتمادًا على حديث"رافع بن خديج"ونزْعُمُ أن الفضْل في ذلك وأنت ترى أنْ جائِزًا لنا إذا اختلف الحديثان أنْ نأخذَ بأحدهما ونحن نَعُدُّ هذا مخالفًا لحديث"عائشة"

قال: فقلت له: إن كان مخالفًا لحديث"عائشة"فكان الذي يَلْزَمنا وإيَّاكَ أن نصير إلى حديث"عائشة"دونه لأن أصل ما نبْنِي نحن وأنتم عليه: أن الأحاديث إذا اختلَفَت لم نذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تَرَكْنا

قال: وما ذلك السبب ؟

قلت: أن يكون أحدُ الحديثين أشْبَهَ بكتاب الله فإذا أشبه كتابَ الله كانت فيه الحجةُ

قال: هكذا نقول

قلنا: فإن لم يكن فيه نصُّ كتاب كان أوْلاهما بِنا الأثبتُ منهما وذلك أن يكون مَن رواه أعرفَ إسنادا وأشهرَ بالعلم وأحفظَ له أو يكونَ رُوِيَ الحديثُ الذي ذهبنا إليه مِن وجهين أو أكثرَ والذي تركْنا مِن وجهٍ فيكونَُ الأكثر أولى بالحفظ مِن الأقل أو يكونَ الذي ذهبنا إليه أشبهَ بمعنى كتابِ الله أو أشبهَ بما سِواهما مِن سُنَنِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوْ أَوْلى بما يَعرف أهلُ العلم أو أصحَّ في القياس والذي عليه الأكثرُ مِن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال: وهكذا نَقول ويقول أهلُ العلم

قلت: فحديث"عائشة"أشبه بِكتاب الله لأن الله يقول:"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ( 238 ) " [ البقرة ] فإذا حَلَّ الوقت فأَوْلَى المُصلِّين بالمحافظة المُقَدِّمُ الصلاةِ ، وهو أيضًا أشهرُ رجالًا بالثِّقة وأحْفَظُ ومع حديث"عائشة": ثلاثةٌ كلُّهم يَرْوُونَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلَ معنى حديث"عائشة":"زيدُ بن ثابت"و"سهل بن سعد"

وهذا أشبه بسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن حديث"رافع بن خَدِيج"

قال: وأيُّ سننٍ ؟

قلت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ"

وهو لا يُؤْثِر على رضوان الله شيئًا والعفو لا يحتمل إلا معنيَيْنِ: عفْوٌ عن تقْصيرٍ أو توْسِعَةٌ والتوسعة تُشْبِه أن يكون الفضْل في غيرِها إذْ لم يُؤْمَرْ بترك ذلك الغير الذي وُسِّع في خلافها

قال: وما تريد بهذا ؟

قلت: إذْ لم نؤمر بترك الوقت الأول وكان جائزًا أنْ نُصَلِّيَ فيه وفي غيره قبْلَهُ فالفضْل في التَّقْديم والتأخيرُ تقصيرٌ مُوَسَّعٌ

وقد أبانَ رسولُ الله مثْلَ ما قلنا وسُئِلَ: أيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فقال:"الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا"

وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به

وهو الذي لا يجهله عالم: أنَّ تقديمَ الصلاة في أول وقتها أولى بالفضل لِمَا يَعْرِضُ للآدمِيِّينَ مِن الأشغال والنِّسْيان والعِلَل ، وهذا أشبه بمعنى كتاب الله

قال: وأيْن هو من الكتاب ؟

قلت: قال الله:"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ( 238 ) " [ البقرة ] ومَن قدَّمَ الصلاةَ في أوَّل وقْتِها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخَّرَها عَن أوَّل الوقت

وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تَطَوَّعُوا به يُؤْمَرُون بتعجيله إذا أمْكَن لِمَا يعرض للآدميين من الأشغال والنِّسْيان والعلل الذي لا تَجْهَلُه العُقول

وإن تقديم صلاة الفجر في أوَّل وقتها عن"أبي بكر"و"عمر"و"عثمان"و"علي بن أبي طالب"و"ابن مسعود""وأبي موسى الأشْعَرِي"و"أنس بن مالك"وغَيْرِهم: مُثْبَتٌ

فقال: فإن"أبا بكر"و"عمر"و"عثمان"دخلوا في الصلاة مُغَلِّسِيَن وخرجوا منها مُسْفِرِينَ بإطالة القِراءة ؟

فقلت له: قد أطالوا القراءة وأوْجَزُوهَا والوقتُ في الدخول لا في الخروج مِن الصلاة وكلُّهم دخل مُغَلِّسًا وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها مُغَلِّسًا ، فخالفتَ الذي هو أولى بك أنْ تصير إليه مما ثَبَتَ عَنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخالفْتَهم فقلْتَ: يدخل الدَّاخل فيها مُسْفِرًا ويخرج مُسْفِرًا ويُوجِز القِراءة فخالفتهم في الدخول وما احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ طُولِ القراءة وفي الأحاديث عن بعضهم أنه خرجَ منها مُغلِّسًا

قال: فقال: أفَتَعُدُّ خَبَرَ"رافع"يُخالِف خبَرَ"عائشة"؟

فقلتُ له: لا

فقال: فبِأيِّ وجْهٍ يُوافقه ؟

فقلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا حَضَّ الناسَ على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيها: احتمل أن يكون من الرَّاغِبِين مَنْ يُقَدِّمها قبْل الفجر الآخِرِ فقال:"أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ"يعني: حتى يَتَبَيَّنَ الفَجْرُ الآخِر مُعْتَرِضًا

قال: أفيحتمل معنىً غيرَ ذلك ؟

قلت: نعم يحتمل ما قلتَ وما بَيْنَ ما قُلْنا وقلْتَ وكلَّ معنى يقع عليه اسم { الإسفار}

قال: فما جعَلَ معْناكم أوْلَى مِنْ معْنانا ؟

فقلت: بما وصفْتُ مِنَ التَّأويل وبأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"هُمَا فَجْرَانِ فَأَماَّ الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَلَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ وَأَمَّا الفَجْرُ المُعْتَرِضُ فَيُحِلُّ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ"يعني: على مَنْ أرادَ الصِّيام"اهـ ."

وقال أيضًا [2] :"وجه آخر من الاختلاف"

قال"الشافعي": قال لي قائل: قد اختُلِفَ في التَّشَهُّدِ فرَوَى"ابن مسعود"عن النبي: - صلى الله عليه وسلم -"أنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنَ القُرَآن"فقال في مُبْتَدَاهُ ثلاث كلماتٍ:"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ"فَبِأيِّ التشهد أخَذْتَ ؟

فقلت: أخبرنا " مالك"عن"ابن شهاب"عن"عروة"عن"عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيِّ " أنَّه سمع"عمر بن الخطاب"يقول على المنبر وهو يُعَلِّمُ الناس التشهُّدَ يقول: قولوا:"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"

قال"الشافعي": فكان هذا الذي عَلَّمَنا مَنْ سبَقَنا بالعلم مِنْ فُقهائنا صِغارًا ثم سمعناه بإسنادٍ وسمعنا ما خالَفَه فلم نسمع إسنادًا في التشهد يخالِفه ولا يُوافقه: أثْبَتَ عِندنا منه وإنْ كان غيرُه ثابِتًا فكان الذي نذهب إليه: أنَّ"عمر"لا يُعلِّم الناس على المنبر بيْن ظَهْرَانَيْ أصحاب رسول الله إلا على ما علَّمَهم النبي - صلى الله عليه وسلم -

فلَمَّا انتهَى إلينا مِن حديث أصحابنا حديثٌ يُثْبِته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صِرْنا إليه وكان أوْلَى بِنا

قال: وما هو ؟

قلت: أخبرنا الثقة وهو " يحي بن حسَّان"عن"الليث بن سعد"عن"أبي الزبير المكي"عن"سعيد بن جبير " و " طاوس"عن"ابن عباس " أنَّه قال:"كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا القُرَآن فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"

قال"الشافعي": فقال: فأنَّى تَرَى الروايةَ اختلفَتْ فيه عَن النبي ؟ فرَوَى"ابن مسعود"خِلافَ هذا ورَوَى"أبو موسى"خِلاف هذا و"جابِرٌ"خلاف هذا وكلُّها قد يُخالِف بعضُها بعْضًا في شيء مِنْ لفْظِه ثم علَّمَ"عمر"خلاف هذا كلِّه في بعض لفظه وكذلك تشهُّدُ عائشة وكذلك تشهد"ابن عمر"ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غيرُ ما في لفْظ صاحبِه وقد يزيدُ بعضُها الشيءَ على بَعْضٍ

فقلت له: الأمرُ في هذا بَيِّنٌ

قال: فأبِنْهُ لي

قلت: كلٌّ كلامٌ أريدَ به تعْظيمُ الله فعَلَّمَهُمْ رسولُ الله فلعلَّه جَعَلَ يعلِّمُه الرجلَ فيحفَظُهُ والآخرَ فيحفظه وما أُخذ حفظًا فأكثرُ ما يُحْترس فيه منه إحالةُ المعنى فلم تكن فيه زيادة ولا نقصٌ ولا اختلافُ شيء مِن كلامه يُحِيل المعنى فلا تَسَعُ إحالتُه ، فلعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز لِكل امرئٍ منهم كما حَفِظَ إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئًا عن حكمه ولعل من اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسَّعوا فيه فقالوا على ما حفِظوا وعلى ما حَضَرَهُم وأُجِيزَ لهم

قال: أفَتَجِدُ شيئا يدلُّ على إجازة ما وصفْتَ ؟

فقلت: نعم

قال: وما هو ؟

قلت: أخبرنا " مالك"عن"ابن شهاب"عن"عروة"عن"عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيِّ " قال: سمعت"عمر بن الخطاب"يقول:"سَمِعْتُ"هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ"يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأُهَا وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أعْجَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اقْرَأْ فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ إنَّ هَذَا القُرَآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ"

قال: فإذ كان الله لِرَأْفته بخلْقِه أنزل كتابَه على سبْعة أحْرف معرفةً منه بأنَّ الحفْظَ قدْ يَزِلُّ لِيُحِلَّ لهم قراءته وإنْ اختلف اللفظُ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى: كان ما سِوَى كتابِ الله أوْلَى أنْ يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معْناه ، وكل ما لم يكن فيه حُكْمٌ فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه ، وقد قال بعضُ التابعين: لَقِيتُ أُناسًا مِن أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظ فقلْتُ لبعضهم ذلك فقالَ: لا بأس ما لمْ يُحِيلُِ المعنى .

قال"الشافعي": فقال: ما في التشهد إلا تعظيم الله وإنِّي لأرْجو أن يكون كلُّ هذا فيه واسِعًا وأن لا يكون الاختلافُ فيه إلاَّ مِن حيْثُ ذكرْتَ ومثلُ هذا - كما قلْتَ - يُمْكِن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجْزَأَهُ إذ خالَفَ اللهُ بيْنها وبيْن ما سِواها مِن الصلوات ولكن كيْف صِرْتَ إلى اختيار حديث"ابن عباس"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد دون غيره ؟

قلتُ: لَمَّا رأيته واسعا وسمعتُه عن"ابن عباس"صحيحًا كان عندي أجمعَ وأكثرَ لفْظًا مِن غيْرِه فأخذْتُ به غيرَ مُعَنِّفٍ لِمَن أخذ بغيره مما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهـ .

ـــــــــــــــ

(1) - الرسالة ص -282-291

(2) - الرسالة للشافعي [ ص 268 ] فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت