المبحثُ الثالثِ
المردودُ بسببِ طعن في الراوي [1]
1-المردودُ بالطعن في الراوي:
المراد بالطعن في الراوي جرحه باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه.
2-أسبابُ الطعن في الراوي:
أسباب الطعن في الراوي عشرة أشياء، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة منها تتعلق بالضبط.
ا)أما التي تتعلق بالطعن في العدالة فهي:
الكذب.
التهمة بالكذب .
الفسق.
البدعة.
الجهالة.
ب ) أما التي تتعلقُ بالطعنِ في الضبط فهي:
1-فُحْشُ الغلط .
2-سوء الحفظ .
3-الغفلة.
4-كثرةُ الأوهام.
5-مخالفةُ الثقات .
وسأذكر أنواع الحديث المردود بسبب من هذه الأسباب على التوالي مبتدئًا بالسبب الأشد طعنًا.
إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحديثه يسمَّى الموضوع.
1-تعريفُه:
أ) لغة: هو اسم مفعول من"وَضَعَ الشيء"أي"حَطَّهُ"سُمي بذلك لانحطاط رتبته.
ب) اصطلاحًا: هو الكذبُ المُخْتَلَق المصنوعُ المنسوب إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم.
2-رتبتُه:
هو شر الأحاديث الضعيفة وأقبحها . وبعض العلماء يعتبره قسمًا مستقلا وليس نوعًا من أنواع الأحاديث الضعيفة ،و هذا هو الصوابُ
3-حكمُ روايته [3] :
أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد عَلِمَ حالَهُ في أي معنى كان سواء الأحكام, والقَصَص, والتَّرغيب وغيرها ،إلا مع بيان وضعه، لحديث مسلم: « مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ » . [4]
4-طرقُ الوضاعين في صياغة الحديث:
أ)- إما أن يسندَ الواضعُ كلامًا لنفسه كأكثر الموضُوعات أو لبعض الحُكماء أو الزهَّاد, أو الإسْرائيليات, كحديث: المَعدة بيتُ الدَّاء, والحِمْية رأس الدَّواء. لا أصل لهُ من كلام النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , بل هو كلام بعض الأطباء, قيل: إنَّهُ الحارث بن كِلْدة طبيب العرب. [5]
ومثَّله العِرَاقي في «شَرْح الألفية» بحديث: «حبُّ الدِّنيا رأسُ كل خطيئة» . قال: فإنَّه إمَّا من كلام مالك بن دينار, كما رواهُ ابن أبي الدُّنيا في «مكايد الشَّيطان» بإسْنَاده إليه, أو من كلام عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - , كما رواه البيهقي في «الزُّهد» ولا أصل له من حديث النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , إلاَّ من مراسيل الحسن البصري, كما رواه البيهقي في «شُعب الإيمان» (659/3) , ومراسيل الحسن عندهم شِبْه الرِّيح.
وقال شيخ الإسلام: إسْنَادهُ إلى الحسن حسن, ومراسيله أثْنَى عليها أبو زرعة وابن المديني, فلا دليل على وضعه. انتهى. [6] ،والأمر كما قال.
ب)- وربَّما وقع الرَّاوي في شبه الوَضْع غلطًا منهُ بغير قَصْدٍ, فليس بموضوع حقيقة, بل هو بقسم المُدرج أولى, كما ذكرهُ شيخ الإسلام في «شرح النُّخبة» قال: بأن يَسُوق الإسْناد, فيعرض له عارض فيقول كلامًا من عِنْد نفسه, فيظن بعض من سمعهُ أنَّ ذلكَ متن ذلك الإسْنَاد, فيرويه عنه كذلك.
كحديث رواه ابن ماجه (1394 ) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِىُّ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُوسَى أَبُو يَزِيدَ عَنْ شَرِيكٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ » .
قال الحاكم: دخلَ ثابت على شَريك وهو يُمْلي ويقول: حدَّثنا الأعمش, عن أبي سُفيان, عن جابر قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - , وسكت ليكتب المُسْتملي, فلمَّا نظرَ إلى ثابت قال: من كَثُرت صلاتهُ باللَّيل, حسنُ وجههُ بالنهَّار, وقَصَدَ بذلك ثابتًا لزُهدهِ وورعه, فظنَّ ثابت أنَّه متن ذلكَ الإسناد, فكان يحدِّث به. [7]
وقال ابن حبَّان [8] : إنَّما هو قول شَريك, فإنَّه قاله عقب حديث الأعمش, عن أبي سُفيان, عن جابر: «يَعقد الشَّيطان على قَافيةِ رأسِ أحدكُم» . فأدرجهُ ثابت في الخبر, ثمَّ سرقهُ منهُ جماعة من الضُّعفاء وحدَّثوا به عن شَريك, كعبد الحميد بن بجر, وعبد الله بن شُبرمة, وإسحاق بن بِشْر الكاهلي وجَمَاعة آخرين. [9]
ب) وإما أن يأخذ كلامًا لبعض الحكماء أو غيرهم ويضع له إسنادا .
5-كيف يُعْرَفُ الحديث الموضوع ؟
يعرف بأمور منها:
1-إقرار الواضع بالوضع:
"ووقع من بعض من عرفوا بالكذب اعترافهم بذلك ، كنوح بن أبي مريم ، وعبد الكريم بن أبي العوجاء ، وزياد بن ميمون ، وغيرهم ."
قال أبو داود الطيالسي:"أتينا زياد بن ميمون ، فسمعته يقول: أستغفر الله ، وضعت هذه الأحاديث" [10]
"قلت: لكن كشف الحديث الموضوع المعين بهذا الطريق فيما في أيدي الناس من الحديث المروي لا يكاد يوجد ، إنما كان طريقًا تكشف به حال أولئك المخذولين"
"مثل إقرار أبي عِصْمَةَ نوحِ بن أبي مريم [11] بأنه وضع حديث فضائل سور القرآن سورة سورة عن ابن عباس ."
وقال البُخَاري في «التاريخ الأوسط» [12] : حدَّثني يحيى اليَشْكُري, عن علي بن جرير قال: سمعتُ عُمر بن صُبْح يقول: أنَا وضعتُ خُطْبة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد استشكلَ ابن دقيق العِيد الحكم بالوَضْعِ بإقْرَار من ادَّعى وضعهُ, لأنَّ فيه عَمَلًا بقوله بعد اعْترافهِ على نَفْسه بالوَضْع.
قال [13] : وهذا كاف في ردِّهِ, لكن ليسَ بقاطع في كَوْنهِ موضوعًا لجِوَاز أن يكذب في هذا الإقْرار بِعَينه.
قيل: وهذا ليسَ باستشكال منه, إنَّما هو توضيح وبيان, وهو أنَّ الحكم بالوضع بالإقرار, ليس بأمر قطعيٍّ موافق لما في نفس الأمر, لجَوَاز كذبه في الإقرار, على حد ما تقدَّم أنَّ المُرَاد بالصحيح والضَّعيف, ما هو الظَّاهر, لا ما في نفس الأمر, ونَحَا البَلْقيني في «محاسن الاصطلاح» [14] قريبًا من ذلك.
قال الحافظ ابن حجر [15] :
"وفهِمَ منهُ بعضُهم أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلًا ، وليسَ ذلكَ مرادَهُ ، وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك ، ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُ الحُكْمِ ؛ لأنَّ الحُكْمَ يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ ، وهُو هُنا كذلك . [16] "
ولولا ذلك لَما ساغَ قتْلُ المُقرِّ بالقتلِ ، ولا رَجْمُ المُعْتَرِفِ بالزِّنى ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به! اهـ [17]
قلت: ولعل الحافظ ابن حجر يشير بقوله (بعضهم ) إلى الإمام الذهبي حيث قال في الموقظة [18] معقبًا على كلام ابن دقيق العيد قال:
"هذا فيه بعض ما فيه ، ونحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد ، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة"
وقال السخاوي ردًّا عليه [19] :
"بل هو في غاية التحقيق، وابن دقيق العيد نفي القطع بكونه موضوعًا بمجرد ذلك لا الحكم بكونه موضوعًا، لأنه إذا أقر يؤاخذه بإقراره، فيحكم بكون الحديث موضوعًا، أما انه يقطع بذلك فلا."
2-أو معنى إقْراره،عِبَارة ابن الصَّلاح [20] , وما يَتنزَّل مَنْزلة إقْراره.
"وذلك كما قال يحيى بن معين في ( أبي داود النخعي ) :"رجل سوء كذاب ، يضع الأحاديث ، انصرفنا من عند هشيم في أبواب من الطلاق ، فقال: ليس منها شيء إلا وعندي بإسناد ، كان يدخل فيضع الحديث ثم يخرج"، قال يحيى"سمعت أبا داود يقول: حدثني خصيف وخصاف ومخصف ، كذب كله" [21] ."
قلت: كأن ابن معين يقول: كان الكذب ظاهرًا في وجهه .
وانكشف لكثير من النقاد حال طائفة من هؤلاء الكذابين ، فقضوا بأنهم وضعوا الحديث المعين أو الأحاديث ، مثل قطعهم بوضع ميسرة بن عبد ربه كتابًا في أحاديث في فضل العقل ، سرقه منه داود بن المحبر وغيره ، وحكمهم على نسخ مجموعة من قبل بعض الكذابين بكونها موضوعة ، كنسخة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط ، وغيره ." [22] "
قال العِرَاقي [23] : كأن يُحدِّث بحديث عن شَيْخٍ, ويسأل عن مولده, فيذكُر تاريخًا يعلمُ وفَاة ذلك الشَّيخ قبلهُ, ولا يُعرف ذلك الحديث إلاَّ عندهُ, فهذا لم يعترف بوضعه, ولكن اعْترافه بوقتِ مَوْلده يتنزَّل مَنْزلة إقْرَاره بالوضع, لأنَّ ذلك الحديث لا يُعرف إلاَّ عن ذلك الشَّيخ, ولا يعرف إلاَّ برواية هذا عنه.اهـ
وكذا مثَّل الزَّركشي في مُخْتصره.
3-أو قرينة في الرَّاوي, أو المَرْوي, فقد وضعت أحاديث طويلة يَشْهد بوضْعها رَكَاكة لفْظْها ومَعَانيها.
قال الرَّبيع بن خُثَيم [24] : إنَّ للحديث ضَوْءٌ كضوء النهَّار تعرفه, وظُلْمة كَظُلْمة اللَّيل تُنْكره.
وقال ابن الجَوْزي [25] : الحديث المُنْكر يَقْشعر لهُ جلد الطَّالب للعلم, وينفرُ منهُ قلبه في الغالب.
وقال البَلْقيني [26] : وشاهدُ هذا أنَّ إنْسَانًا لو خدمَ إنسانًا سنينَ, وعرف ما يُحب وما يكره, فادَّعى إنسان أنَّه كان يكره شيئا, يعلم ذلك أنَّه يُحبه, فبمجرد سَمَاعه يُبادر إلى تَكْذيبه.
وقال شيخُ الإسلام [27] : المَدَار في الرِّكة على رِكَة المعنى, فحيثُما وُجِدتْ دلَّ على الوضع, وإن لم ينضم إليه ركةُ اللفظ, لأنَّ هذا الدِّين كله محاسنٌ, والرِّكةُ ترجعُ إلى الرَّداءة.
وقال: أمَّا رَكَاكة اللَّفظ فقط, فلا تدلُّ على ذلك, لاحتمال أن يَكُون رواهُ بالمعنى, فغيَّر ألفاظهُ بغير فصحيح, ثمَّ إن صرَّح بأنَّه من لَفْظِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فكاذبٌ.
قال: ومِمَّا يدخل في قرينة حال المَرْوي ما نُقل عن الخَطِيب, عن أبي بكر بن الطَّيب [28] : أنَّ من جُمْلة دلائل الوَضْع أن يَكُون مُخَالفًا للعقل, بحيث لا يقبلُ التأويل, ويلتحق به ما يدفعهُ الحس والمُشَاهدة, أو يَكُون مُنَافيًا لدلالةِ الكتاب القَطْعية, أو السُّنة المُتواترة, أو الإجماع القَطْعي, أمَّا المُعَارضةُ مع إمْكَان الجَمْع فلا.اهـ
قال الخطيب [29] :
"قال محمد بن عيسى بن الطباع: « كل حديث جاءك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغك أن أحدا من أصحابه فعله فدعه » "
إذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد ردَّ بأمور:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه ، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول ، وأما بخلاف العقول ، فلا .
والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة ، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ. والثالث: أن يخالف الإجماع ، فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له ، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ ، وتجمع الأمة على خلافه ، وهذا هو الذي ذكره ابن الطباع في الخبر الذي سقناه عنه أول الباب.
والرابع: أن ينفرد الواحدُ براوية ما يجب على كافة الخلق علمه ، فيدل ذلك على أنه لا أصل له ، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل ، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم .
والخامس: أن ينفرد الواحد براوية ما جرت به العادة ، بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل ، لأنه لا يجوز ، أن ينفرد في مثل هذا بالرواية .اهـ
"وكالذي وقع من غياث بن إبراهيم حين دخل على الخليفة المهدي في زيادته في حديث:"لا سبق إلا في خف"ذكر الجناح ، حين علم أن المهدي يحب الحماح ، فأراد التزلف له ، فكشف المهدي حقيقة أمره من ساعته ."
وهذا طريق كان معتبرًا في كشف روايات الكذابين لمن كان يقظًا عند مباشرة السماع منهم" [30] "
"وكذلك أن يستدل بما عرف عن الراوي من أنه كان يكذب ، بكون حديثه موضوعًا ، وذلك حين تثبت نكارته ، ولا يعرف له ما يدل على أن له أصلًا من غير طريقه ."
وهذا طريق يستعمله عامة النقاد في الحكم على كثير من الأحاديث الموضوعة ، وهو الطريق الواجب اعتباره فيما لم تقم قرينة أخرى على اعتباره كذبًا ؛ وذلك لإمكان إجرائه في الواقع .
وبيانه: أنك تجد الحديث يرويه رجل من المعروفين بالكذب بإسناد له ، لا يوجد له أصل من وجه آخر بحيث لا تبرأ عهدة ذلك الكذاب منه ، فتقول: هذا حديث موضوع ، آفته من جهة هذا الكذاب .
مثل: ما رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال: حدثنا الحسين بن عيسى ، قال: أنبانا عبد الله بن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من سقى مسلمًا شربة من ماء في موضع يوجد فيه الماء فكأنما أعتق رقبة ، فإن سقاه في موضع لا يوجد فيه الماء فكأنما أحيا نسمة مؤمنة". [31]
قال ابن عدي:"هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"
وحكم على ( أحمد بن علي ) رواية بقوله:"يضع الحديث عن الثقات" [32]
وهكذا ترى أحكامه وأحكام ابن حبان وابن الجوزي وغيرهم على الأحاديث الكثيرة بالوضع ، فإنما هو لكونها لم تعرف إلا من طريق من هو مذكور بالكذب ، وربما يكون كذب ذلك الراوي لهم قد انكشف بالمجيء بمثل تلك الأحاديث ، فصح لهم أن يستدلوا على كذبه بها ، وعلى كذبها به" [33] "
4-ومنها: ما يُصرِّح بتكذيب رُواة جَمْع المُتواتر, أو يَكُون خبرًا عن أمر جَسِيم تتوفَّر الدَّواعي على نَقْله بمحضر الجمعِ, ثمَّ لا ينقله منهم إلاَّ واحد.
5-ومنها: الإفْراط بالوَعيد الشَّديد على الأمر الصَّغير, أو الوعد العظيم على الفِعْل الحَقِير, وهذا كثير في حديث القُصَّاص, والأخير راجعٌ إلى الرِّكة.
6-ومن القَرَائن كَوْن الرَّاوي رَافضيًا, والحديثُ في فضائل أهل البيت.
وقد أشارَ إلى غالب ما تقدَّم الزَّركشي في «مختصره» فقال [34] : ويُعرف بإقرار واضعه, أو من حال الرَّاوي, كقوله: سمعتُ فُلانًا يَقُول, وعلمنا وفاة المَرْوي عنه قبل وجُوده, أو من حال المَرْوي, لرَكَاكة ألْفَاظه, حيث تَمْتنع الرِّواية بالمعنى, ومُخالفته القاطع, ولم يقبل التأويل, أو لتضمنه لما تتوفر الدَّواعي على نقله, أو لِكَونهِ أصلًا في الدِّين ولم يتواتر, كالنَّص الَّذي تزعم الرَّافضة أنَّه دلَّ على إمامة علي, وهل تثبت بالبينة على أنَّه وضعه, يُشبه أن يَكُون فيه التردُّد في أنَّ شهادة الزُّور هل تثبت بالبَيِّنة, مع القَطْع بأنَّه لا يعمل به. انتهى.
وفي «جمع الجوامع» لابن السُّبْكي أخذًا من «المحصُول» وغيره: كل خبر أوهم باطلًا, ولم يَقْبل التأويل فمكذُوب, أو نقص منه ما يزيل الوهم, ومن المقطوع بكذبه, ما نُقب عنه من الأخْبَار ولم يُوجد عند أهلهِ من صُدور الرُّواة, وبُطُون الكُتب, وكذا قال صاحب «المعتمد» .
قال العِزُّ بن جماعة: وهذا قد يُنازع في إفضائه إلى القطع, وإنَّما غايتهُ غلبة الظَّن.
ولهذا قال العِرَاقيُّ: يُشْترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان, ولا راو, إلاَّ وكُشِفَ أمره في جميع أقْطَار الأرض, وهو عسر أو متعذَّر.اهـ
وفي السنن الكبرى للبيهقي [35] أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ح أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى الْمَعْرُوفِ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسَلِّمُ فِى الصَّلاَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ تَسْلِيمَةً عَنْ يَمِينِهِ: « السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ » . وَتَسْلِيمَةً عَنْ يَسَارِهِ: « السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ » . حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا. {ج} قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِىِّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَكُلَّ حَدِيثِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعْتَ؟ قَالَ الزُّهْرِىُّ: لاَ. قَالَ: فَثُلُثَيْهِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَنِصْفَهُ؟ فَوَقَفَ الزُّهْرِىُّ عِنْدَ النِّصْفِ أَوْ عِنْدَ الثُّلُثِ. فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: اجْعَلْ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا لَمْ تَسْمَعْ.
وقال ابن عبد البر [36] :
"وذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا مطرف قال أخبرني ابن أبي حازم عن أبيه أنه حدث بحديث عند هشام وهو عامل المدينة وابن شهاب حاضر فقال ابن شهاب ما سمعت بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حازم أكل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته قال لا قال فنصفه قال أرى ذلك قال فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع فقال ابن شهاب أصلحك الله والله إنه لجاري منذ كذا وكذا وما عرفته هكذا قط فقال أبو حازم أما والله لو كنت من الأغنياء لعرفتني منذ زمان ولكني من الفقراء."
وقال ابن الجَوْزي [37] :"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يُباين المعقُول, أو يُخَالف المنقُول, أو يُنَاقضُ الأصُول, فاعْلم أنَّه موضوعٌ ، فلا تتكلف اعتباره."
قال: ومعنى مُنَاقضته للأصُول أن يَكُون خارجًا عن دَوَاوين الإسْلام من المَسَانيد والكُتب المشهُورة.
وقال أيضًا [38] :"فمتى رأيت حديثا خارجا عن دواوين الاسلام، كالموطأ ومسند أحمد والصحيحين وسنن أبى داود ونحوها، فانظر فيه، فإن كان له نظير من الصحاح والحسان قرب أمره، وإن ارتبت فيه ورأيته يباين الأصول فتأمل رجال إسناده واعتبر أحوالهم من كتابنا المسمى بالضعفاء والمتروكين، فإنك تعرف وجه القدح فيه."
(1) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 11)
(2) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 18) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 10) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 6) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 126) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 236) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 21) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 16) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 16) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 435) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 124) والموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 5) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 223) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 20) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 94) وشرح اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 225) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 29) وتحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 3 / ص 256) وتوضيح الأفكار - (ج 2 / ص 68)
(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 212)
(4) - صحيح مسلم برقم (1 ) ومقدمة مسلم بشرح النووي جـ 1 ـ ص 62 .
(5) - المقاصد الحسنة للسخاوي (1035 )
(6) - قلت: الصواب عدم وضعه ، بل صحيح مرسل ، انظر المقاصد المقاصد الحسنة للسخاوي (384 ) وكشف الخفاء (1099 ) وتخريج أحاديث الإحياء (3175)
(7) - وفي المقاصد الحسنة للسخاوي (1169 ) حديث: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، لا أصل له، وإن روي من طرق عند ابن ماجه بعضها، وأورد الكثير منها القضاعي وغيره، ولكن قد قرأت بخط شيخنا في بعض أجوبته: إنه ضعيف، بل قواه بعضهم، والمعتمد الأول، وقد أطنب ابن عدي في رده، ومثلوا به في الموضوع غير المقصود، قال ابن طاهر: ظن القضاعي أن الحديث صحيح لكثرة طرقه، وهو معذور، لأنه لم يكن حافظًا، انتهى. واتفق أئمة الحديث، ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم، على أنه من قول شريك قاله لثابت لما دخل عليه، وقال ابن عدي: سرقه جماعة من ثابت كعبد اللَّه بن شبرمة الشريكي وعبد الحميد بن بحر وغيرهما، وأوردت من الكلام عليه في شرح الألفية والحاشية ما يستفاد.
(8) - تهذيب التهذيب 3/16
(9) - ومثل له الخليلي في افرشاد 1/169 -170 بمثال آخر جعله مثل هذا المثال ، وهو حديث محمد بن الحسن بن زبالة ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعًا (( افتتحت البلاد بالسيف ، وافتتحت المدينة بالقرآن ) )قال الخليلي: لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة ، وليس بالقوي ، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا ، وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه ،فعساه قرئَ على مالك حديث أخر عن هشام بن عروة فظنَّ هذا أن ذلك من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحمله على ذلك ، ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان اهـ وانزر المنتخب من العلل للخلال ص 68
(10) - أخرجه عبد الله بن أحمد في"العلل"لأبيه ( النص: 2997 ) بإسناد صحيح .
(11) - وفي تقريب التهذيب برقم (7210 ) نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي القرشي مولاهم مشهور بكنيته ويعرف بالجامع لجمعه العلوم لكن كذبوه في الحديث وقال بن المبارك كان يضع من السابعة مات سنة ثلاث وسبعين ت فق
(13) - الاقتراح ص 234
(14) - ص ؤ215
(15) - في نزهة النظر - (ج 1 / ص 109)
(16) - قلتُ: بل هذا ليس كذلك على كل حال، وإنما قد يقع هنا الظن الغالب، وقد لا يقع؛ إذ هو بحسب القرائن واختلاف الأحوال، وهذا أيضًا مِن محاسن منهجهم أنهم تنبهوا لهذا الأمر، واستخدموا العقل في موضعه.
(17) - هذا صحيح، ولكن مع ملاحظة الفارق بين الأمرين في وجْه الشبه الذي يوجب التفريق في الحكم؛ إذْ أنّ الاعتراف باختلاق الحديث مقتضاه الطعن في الدين وتحريفه، ولا يَعْلم الكذّاب يقينًا أنّ ذلك يُهْدر دمه، بخلاف الاعتراف بموجبٍ مِن موجبات الحدود على المعترف.
(18) - ص 15
(19) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 257)
(20) - معرفة علوم الحديث ص 131
(21) - من كلام أبي زكريا يحيى بن مَعين ( النص: 218 ) .
(22) - تحرير علوم الحديث 2/331
(23) - التقييد ص 132
(24) - معرفة علمو الحديث ص 62 والموضوعات لاين الجوزي 1/147
(25) - الموضوعات 1/146
(26) - في محاسن الاطلاع ص 215
(27) - النكت 2/844
(28) - الكفاية ص 15
(29) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (346 )
(30) - تحرير علوم الحديث 2/332
(31) - الموضوعات - (ج 2 / ص 170) وتذكرة الموضوعات - (ج 1 / ص 147)
(32) - الكامل ( 1 / 338 ) .
(33) - تحرير علوم الحديث 3/333
(34) - النكت 2/283
(35) - (ج 2 / ص 178) (3100) قلت لكن مصعب فيه ضعف
(36) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (ج 21 / ص 95)
(37) - الموضوعات 1/151
(38) - الموضوعات - (ج 1 / ص 99)