فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 522

المذهبُ الثالثُ : يعملُ به في الفضائل والمواعظ ونحو ذلك بشروط

وقد ذكرها الحافظ ابن حجر وهي:

1-أنْ يكونْ الضعفُ غيرَ شديدٍ،فيخرجُ من انفردَ من الكذابين والمتهمين بالكذب،ومن فحُش خطأُه،وقد نقل العلائيُّ الاتفاقَ على هذا الشرط .

ومن ثم فلا تجوز روايته،ولو كان في الترغيب والترهيب إلا على سبيل بيان حاله لكي لا يغترَّ به أحد.

قلتُ: ويخدشُ هذا الشرط والاتفاق عليه قول النووي في الأذكار:"قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا". [1]

وقوله في التقريب:"ويَجُوز عِنْد أهل الحديث وغيرهم التَّساهُل في الأسَانيد, ورِوَاية ما سِوَى الموضُوع من الضَّعيف, والعمل به من غير بَيَان ضعفه, في غير صِفَات الله تعالى, والأحْكَام, كالحَلالِ والحَرَام, ومِمَّا لا تعلُّق له بالعَقَائد والأحْكَام." [2]

وقال ابن الصلاح:"يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد،ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة،من غير الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ،والقصص،وفضائل الأعمال،وسائر فنون الترغيب والترهيب،وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد". [3]

وقال العراقي في شرح ألفيته:"وأمّا غيرُ الموضوعِ فجوّزوا التساهُل في إسنادِهِ وروايتِهِ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ الأحكامِ والعقائدِ. بلْ في الترغيبِ والترهيبِ،من المواعظِ والقصصِ،وفضائلِ الأعمالِ،ونحوِها" [4]

وذكر الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر في كتابه خطورة مساواة الضعيف بالموضوع [5] أنه يخدش قول العلائي أيضًا: الضربُ الثاني عند البيهقي والرابع عند ابن أبي حاتم ,وكذا قول السخاوي في تعليقه على حديث في سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ ( 481 ) عَنْ فَائِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ،أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ،ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ،ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ،وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ،سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ،الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ،أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ،وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ،وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ،وَالسَّلَامَةَ مِن كُلِّ إِثْمٍ،لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ،وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ،وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ":"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ،فَائِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ،وَفَائِدٌ هُوَ أَبُو الوَرْقَاءِ" [6] في الجملة هو حديث ضعيف جدا،يكتب في فضائل الأعمال اهـ [7]

وهو رأي ابن تيمية كذلك،حيث قال:"وَهَذَا كالإسرائيليات: يَجُوزُ أَنْ يُرْوَى مِنهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيهَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي شَرْعِنَا وَنَهَى عَنْهُ فِي شَرْعِنَا" [8]

وقال أيضًا:"إِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا - فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ" [9]

2-أنْ يندرجَ تحتَ أصلٍ عامٍّ معمولٍ بهِ منْ أصول الشريعة،فيخرجُ ما يخترَعُ بحيثُ لا يكون لهُ أصلٌ أصلًا .

أي أن يكون الحديثُ له أصلُ صحيح ثابت في الكتاب أو السُّنَّة،مثاله: لو جاءنا حديث يرغِّب في بر الوالدين،وحديث آخر يرغب في صلاة الجماعة،وآخر يُرغب في قراءة القرآن وكلها أحاديث ضعيفة،ولكن قد ورد في بر الوالدين،وفي صلاة الجماعة،وفي قراءة القرآن أحاديث صحيحة ثابتة في الكتاب والسُّنَّة،فعندئذٍ فلا حرج في العمل به .

3-أنْ لا يعتقدَ عندَ العملِ به ثبوتَه،لئلا ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله،بلْ يُعتقدُ الاحتياطَ . [10]

لأنه لا يجوز أن يعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حديثًا إلا إذا كان قد صحَّ عنه ذلك.

وزاد بعض أهل العلم شرطًا آخر،وهو أن يكون الحديث في الترغيب والترهيب. [11]

قلتُ: وهذا شرطٌ مختلفٌ فيه كما سنرى والراجح عدمه،فلا يمكن اعتباره قيدًا إلا إذا قصد ثوابت الحلال والحرام،أي لا ينشئ حكمًا،وإلا فقد ذهب فريق كبير من أهل العلم إلى العمل بالحديث الضعيف في الأحكام لا سيما إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه،وقدَّموه على رأي الرجال .

ـــــــــــــــ

(1) - الأذكار للنووي (ج 1 / ص8 )

(2) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث (ج 1 / ص 6 ) ولم يعترض عليه السيوطي في تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 232 )

(3) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 19 ) ومثله في قواعد التحديث للقاسمي ص 114، وتوجيه النظر للجزائري (ج 3 / ص 40 ) وسكتا عليه ، وسكت عليه العراقي في الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 233 )

(4) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 101 ) وبنحوه في فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (ج 1 / ص 272 )

(5) - ص 61

(6) قلت وفائد متروك ):

(7) - من القول البديع 431-432

(8) - مجموع الفتاوى (ج 1 / ص 251 )

(9) - مجموع الفتاوى (ج 18 / ص 66 ) وذكره هنا ثلاث مرات مجموع الفتاوى (ج 1 / ص 250 ) فما بعد

(10) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي- (ج 1 / ص 233 ) وقواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 76 )

(11) - قسم الحديث والمصطلح (ج 44 / ص 25 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت