المبحث الثاني:
تحريرُ منع تقديم الجرح على التعديل إلا بشروط
التأصيل: أن من ثبت تعديله من ناقد عارف ، فالواجب منع المصير إلى خلافه إلا بحجة .
والتحقيق من مذاهب أهل العلم:
أن الجرح الثابت عن الناقد العارف متروك حتى تجتمع فيه شروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون مفسرًا ، ولو من ناقد واحد
الجرح المجمل: هو اللفظ ظاهره القدح ، لكن لم يبين وجهه ، ولم يشرح سببه ، كقول الناقد في راو: ( ضعيف ) ، أو ( ليس بشيء ) ، أو ( متروك ) ، أو استعماله عبارة من العبارات النادرة الاستعمال ، كقوله: ( ارم به ) ، أو يسأل عن الراوي ، فيشير بيده ، أو لسانه ، أو يحرك رأسه .
كما لا عبرة بعدد المعدلين والجارحين على التحقيق ، وما يسلكه بعض المنتسبين لهذا العلم من المتأخرين من حساب عدد من جرح ومن عدل ، فيصير إلى الراجح بالعدد ، فمذهب ضعيف لا يقوم على أصول هذا العلم .
فالتأصيل: أن الجرح ولو كان من واحد في مقابل تعديل الجمع ، إذا سلم كونه قادحًا ، قدم على التعديل ، لأن الجارح بما هو قادح بمنزلة زيادة العلم من الثقة ، فالجارح قد اطلع على ما يخرج ذلك الراوي عن محل السلامة في العدالة أو الضبط ، إلى حيز الجرح والقدح ، دون أن يكون لمجرد العدد تأثير في ذلك .
قال الخطيب في الكفاية:"268 أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ لَمْ تَقْبَلْ مَا حَدَّثَكَ الثِّقَةُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، لِمَا انْتَهَى إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جَرْحِهِ لِبَعْضِ مَنْ حَدَّثَ بِهِ , وَتَكُونُ مُقَلِّدًا ذَلِكَ الثِّقَةَ مُكْتَفِيًا بِهِ , غَيْرَ مُفَتِّشٍ لَهُ , وَهُوَ حَمَلَهُ وَرَضِيَهُ لِنَفْسِهِ ؟ فَقُلْتُ: لِأَنَّهُ قَدِ انْتَهَى إِلَيَّ فِي ذَلِكَ عِلْمُ مَا جَهِلَ الثِّقَةُ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْهُ , فَلَا يَسَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ لِمَا انْتَهَى إِلَيَّ فِيهِ , بَلْ يَضِيقُ ذَلِكَ عَلَيَّ , وَيَكُونُ ذَلِكَ وَاسِعًا لِلَّذِي حَدَّثَنِي عَنْهُ , إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ مَا عَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ , وَيَسْأَلُ عَنْهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ , فَيُعَدَّلُ فَيَقْبَلُ شَهَادَتَهُ , ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَهُ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ , فَيَسْأَلُ عَنْهُ فَلَا يُعَدَّلُ , فَيَرُدُّهَا الْحَاكِمُ بَعْدَ إِجَازَتِهِ لَهَا , لَا يَسَعُهُ إِلَّا ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ بَعْدَهُ أَنْ يُجِيزَهَا , إِذَا لَمْ يُعَدَّلْ إِنْ كَانَ حَاكِمٌ قَبِلَهُ , فَكَذَلِكَ أَنَا وَالَّذِي حَدَّثَنِي فِيمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ عِلْمِ مَا جَهِلَ مِنْ ذَلِكَ , وَكِلَانَا مَصِيبٌ فِيمَا فَعَلَ"قَالَ الْخَطِيبُ: وَلِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِقَوْلِ الْجَارِحِ لَمْ يَتَّهِمِ الْمُزَكِّي وَلَمْ يُخْرِجْهُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ عَدْلًا , وَمَتَى لَمْ نَعْمَلْ بِقَوْلِ الْجَارِحِ كَانَ فِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لَهُ , وَنَقْضٌ لِعَدَالَتِهِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَالَهُ فِي الْأَمَانَةِ مُخَالِفَةٌ لِذَلِكَ , وَلِأَجْلِ هَذَا وَجَبَ إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ , وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ , أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِقَضَاءِ الْحَقِّ أَوْلَى , لِأَنَّ شَاهِدَيِ الْقَضَاءِ يُصَدِّقَانِ الْآخَرَيْنِ , وَيَقُولَانِ: عَلِمْنَا خُرُوجَهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ , وَأَنْتُمَا لَمْ تَعْلَمَا ذَلِكَ , وَلَوْ قَالَ شَاهِدَا ثُبُوتِ الْحَقِّ: نَشْهَدُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَقِّ , لَكَانَتْ شَهَادَةً بَاطِلَةً"
فَصْلٌ إِذَا عَدَّلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا وَجَرَحَهُ أَقَلُّ عَدَدًا مِنَ الْمُعَدِّلِينَ , فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْجَرْحِ وَالْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى , وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْحُكْمُ لِلْعَدَالَةِ , وَهَذَا خَطَأٌ , لِأَجَلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجَارِحِينَ يُصَدِّقُونَ الْمُعَدِّلِينَ فِي الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ , وَيَقُولُونَ: عِنْدَنَا زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ تَعْلَمُوهُ مِنْ بَاطِنِ أَمْرِهِ , وَقَدِ اعْتَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُعَدِّلِينَ تُقَوِّي حَالَهُمْ , وَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِمْ , وَقِلَّةُ الْجَارِحِينَ تُضَعِّفُ خَبَرَهُمْ , وَهَذَا بُعْدٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ , لِأَنَّ الْمُعَدِّلِينَ وَإِنْ كَثُرُوا لَيْسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْجَارِحُونَ , وَلَوْ أُخْبِرُوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ , لَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ تَعْدِيلٍ أَوْ جَرْحٍ , لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بَاطِلَةٌ عَلَى نَفْيِ مَا يَصِحُّ , وَيَجُوزُ وُقُوعُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ , فَثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ .""
فإن قلت: لم لا يقدح الجرح مطلقًا ما دام صادرًا من ناقد عارف ، بناء على أن التعديل إنما جاء على وفاق الأصل ، الذي هو السلامة من الجرح ، والجرح زيادة علم جاء به الناقد ، والأصل أن هؤلاء الناقد لما عرف من درايتهم بالنقلة ، فهم يعنون ما يقولون ، لا يطلقون عبارة الجرح إلا أن تكون جارية على اعتبارهم أسباب الجرح القادح المؤثر ؟
فالجواب: الاشتباه واقع فيما يرد على لفظ الجرح من الاحتمال بسبب الإجمال ، مع صحة وقوع المثال من قبل النقاد أنفسهم أنهم ربما أطلقوا اللفظ ظاهره الجرح ، ويحتمل وجهًا غير معارض للتعديل ، كما أن أحدهم ربما جرح بغير جارح ، أو بلغه سبب الجرح عن غيره فبنى عليه ، أو خرج منه مخرج الغضب والانفعال
وقال الخطيب:"بَابُ الْقَوْلِ فِي الْجَرْحِ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ أَمْ لَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا جَرَحَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَرْحَ , يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ , وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدَنَا تَرْكُ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ , إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَالِمًا , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَفْسُ مَا دَلَّلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْعَدْلِ عَمَّا بِهِ صَارَ عِنْدَهُ الْمُزَكَّى عَدْلًا , لِأَنَّنَا مَتَى اسْتَفْسَرْنَا الْجَارِحَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا لِسُوءِ الظَّنِّ وَالِاتِّهَامِ لَهُ بِالْجَهْلِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَذَلِكَ يَنْقُضُ جُمْلَةَ مَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ , مِنَ الرِّضَا بِهِ , وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ , وَلَا يَجِبُ كَشْفُ مَا بِهِ صَارَ مَجْرُوحًا , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّاسِ فِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , كَمَا لَا يَجِبُ كَشْفُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُقُوقِ , وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَامِّيًّا , وَجَبَ لَا مَحَالَةَ اسْتِفْسَارُهُ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا جَرَحَ رَجُلًا فَسُئِلَ عَمَّا جَرَحَهُ بِهِ , فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَائِمًا , فَقِيلَ لَهُ: وَمَا فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَقَعُ الرَّشَشُ عَلَيْهِ وَعَلَى ثَوْبِهِ , ثُمَّ يُصَلِّي , فَقِيلَ لَهُ: رَأَيْتَهُ صَلَّي كَذَلِكَ ؟ فَقَالَ: لَا , فَهَذَا وَنَحْوُهُ جَرْحٌ بِالتَّأْوِيلِ ، وَالْعَالِمُ لَا يَجْرَحُ أَحَدًا بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ , فَوَجَبَ بِذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ . سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا , وَلَيْسَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: فُلَانٌ ضَعِيفٌ , وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ , مِمَّا يُوجِبُ جَرْحَهُ وَرَدَّ خَبَرِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْسُقُ بِهِ , فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ , لَيُنْظَرَ هَلْ هُوَ فِسْقٌ أَمْ لَا ؟ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ نَجِسٌ , لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يُبَيِّنَا سَبَبَ النَّجَاسَةِ , فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ , وَفِي نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ فِيهِ , قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ , مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِمَا , فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدِ احْتَجَّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَالْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّابِعِينَ , وَكَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ , وَهَكَذَا فَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ اشْتُهِرَ عَمَّنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ الرُّوَاةِ الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ , وَسَلَكَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ , وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ وَذُكِرَ مُوجِبُهُ." [1]
ومن أمثلته المؤكدة لوجوب تحقق هذا الشروط:
ما رواه عباس الدوري في ( بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ) ، قال: سمعت يحيى ( يعني ابن معين ) يقول: حدث يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق فقال: رأيت بريدة بن سفيان يشرب الخمر في طريق الري
قال الدوري:"والذي يظن ببريدة بن سفيان أنه شرب نبيذًا ، فرآه محمد بن إسحاق فقال: رأيته يشرب خمرًا ، وذاك أن النبيذ عند أهل المدينة ومكة خمر ، لا أنه يشرب خمرًا بعينها إن شاء الله ، فهذا وجه الحديث عندي" [2] .
قلت: وكأن الجوزجاني استعمل هذه الحكاية للطعن عليه حين قال:"مغموص عليه في دينه" [3] ، فزاد الجرح إبهامًا ، فتأمل !
وقال يحيى القطان:"كان محمد بن سيرين لا يرضى حميد بن هلال" [4] .
فقال ابن عدي:"لحميد بن هلال أحاديث كثيرة ، وقد حدث عنه الناس والأئمة ، وأحاديثه مستقيمة ، والذي حكاه يحيى القطان أن محمد بن سيرين لا يرضاه لا أدري ما وجهه ، فلعله كان يرضاه في معنى آخر ليس الحديث ، فأما في الحديث فإنه لا بأس به وبروايته" [5] .
والأمر كما قال ابن عدي ، وذلك المعنى الآخر غير الحديث فقد َرَوَى: عَلِيٌّ، عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيْرِيْنَ لاَ يَرضَى حُمَيْدَ بنَ هِلاَلٍ.قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لأَبِي، فَقَالَ: دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ السُّلْطَانِ.
فَلِهَذَا كَانَ لاَ يَرضَاهُ، وَكَانَ فِي الحَدِيْثِ ثِقَةً. [6]
وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن ( الربيع بن عبد الله بن خطاف ) ، وقلت له: إن عبد الرحمن بن مهدي يثنى عليه ، فقال:"أنا أعلم به"، وجعل يضرب فخذه تعجبًا من عبد الرحمن ، وقال:"لا ترو عنه شيئًا"، فقلت: لا أروي عنه حديثًا أبدًا [7] .
قلت: فهذا جرح مجمل ،لم يذكر يحيى له سببًا ، وتسليمه له مع قيام المعارض ، وهو التعديل لا يصح .
قال ابن عدي: لم أر له حديثًا يتهيأ لي أن أقول من أي جهة أنه ضعيف ، والذي يرويه عن الحسن وابن سيرين إنما هي مقاطيع" [8] ."
وتبين أن العلة التي تكلم لأجلها فيه يحيى هي مظنة أنه كان يذهب إلى القول بالقدر .
وقال العقيلي:"رَبِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُطَّافٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُطَّافٍ الَّذِي رَوَى عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَنِ حَفْصٍ الْمِنْقَرِيِّ ، قُلْتُ لِيَحْيَى: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُثْنِي عَلَيْهِ ، قَالَ يَحْيَى: أَنَا أَعْلَمُ ، وَجَعَلَ يَحْيَى يَضْرِبُ بِيَدِهِ تَعَجُّبًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لِيَحْيَى: لَا أَرْوِي عَنْ هَذَا الشَّيْخِ حَدِيثًا وَاحِدًا ؟ قَالَ: أَجَلْ ، فَلَا تَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا ، فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ ، كُنْتُ أَخْتَلِفُ ثُمَّ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي رَوَى عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَنْ حَفْصٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فَقَالَ: كَانَ عِنْدِي ثِقَةً فِي حَدِيثِهِ ، قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَرَى الْقَدَرَ ؟ قَالَ: كَانَ يُجَالِسُ عَمْرَو بْنَ فَائِدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: رَبِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُطَّافٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَحْدَبُ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ: يَحْيَى لَا يَرْوِي عَنْهُ". [9]
ومما يبين ضرورة تفسير سبب الجرح وقوع الحالات التالية:
أولًا: أن الكلام في الراوي قد يكون بسبب منكرات جاءت من طريقه، ليس الحمل فيها عليه ، إنما على مجروح أو مجهول غيره في الإسناد فوقه أو دونه
فتكلمت طائفة من النقاد في ( بقية بن الوليد ) ، وذلك في التحقيق لشهرته بكثرة الرواية عن المتروكين والمجهولين ، حتى أضرَّ ذلك به عند طائفة .
قال الدار قطني:"يروي عن قوم متروكين ، مثل مجاشع بن عمرو ، وعبد الله بن يحيى ، ولا أعرفه ، ولا أعلم له راويًا غير بقية" [10] .
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ:"يُخَالِفُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ الثِّقَاتِ، وَإِذَا رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّهُ ثَبتٌ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيْرِهِم، خَلَّطَ، وَإِذَا رَوَى عَنِ المَجْهُوْلِيْنَ، فَالعُهدَةُ مِنْهُم، لاَ مِنْهُ، وَهُوَ صَاحِبُ حَدِيْثٍ، يَرْوِي عَنِ الصِّغَارِ وَالكِبَارِ، وَيَرْوِي عَنْهُ الكِبَارُ مِنَ النَّاسِ، وَهَذِهِ صِفَةُ بَقِيَّةَ." [11] .
ومن أمثلته: ما حكاه أبو حاتم الرازي في ( عثمان بن أبي العاتكة ) : سمعت دحيمًا يقول:"لا بأس به ، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد ، والأمر من علي"، فقيل له: إن يحيى بن معين يقول: الأمر من القاسم أبي عبد الرحمن ، فقال:"لا".
قلت: ودحيم المرجع في رواة الشاميين ، وعثمان هذا منهم ، ولذا قال أبو حاتم:"لا بأس به ، بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد ، فأما ما روي عن عثمان عن غير علي بن يزيد فهو مقارب ، يكتب حديثه" [12] .
وقال الذهبي في ( أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني ) :"لَيْسَ بثِقَةٍ، بَلْ مُتَّهَمٌ، يَأْتِي بِمصَائِب.قَالَ ابْنُ خَيْرُوْنَ:قِيْلَ:إِنَّهُ يكذب." [13] ، فعارض قول الحافظ شيرويه الديلمي:"كان ثقة صدوقًا عالمًا زاهدًا ، حسن المعاملة ، حسن المعرفة بعلوم الحديث" [14] .
وتبين أن التهمة بالكذب حكاها ابن الجوزي فقال:"ذكروا أنه كان كذابًا ، ويقال: إنه وضع صلاة الرغائب"ونقل عن أبي الفضل بن خيرون قوله:"قد تكلموا فيه" [15] .
وهذا الطعن متهافت ، فمن ذا كذبه ، فالجرح لا يقبل من مجهول ، والتهمة بوضع صلاة الرغائب جاءت من جهة أنه روى الحديث فيها ، لكنه لم يكن سوى ناقل ، وعلتها ممن فوقه ، فإسنادها مجهول
وكثير من الثقات رووا عن المجهولين والضعفاء والمتهمين ما هو منكر أو كذب ، وما لحقهم الجرح بسببه ، إنما التهمة لمن يعرف من رجاله بالعدالة .
وتفطن إلى صورة تقابل هذه ، وهي: أن يكون الراوي عن المتكلم فيه مجروحًا ، فيروي عنه منكرات ، والحمل فيه على ذلك المجروح .
قال السلمي قال الدارقطني سماك بن حرب إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص ، فأحاديثهم عنه سليمة ، وما كان عن شريك بن عبد الله وحفص بن جميع ونظرائهم ، ففي بعضها نكارة. (158) [16] ..
وكما قال ابن عدي في ( ثابت بن أسلم البناني ) :"هو من ثقات المسلمين ، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه ، إنما هو من الراوي عنه ؛ لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون ، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة" [17] .
وذكر ابن عدي جماعة من الرواة ، عيبهم من هذا الباب ، فذبَّ عنهم ، وحمل النكارة في أحاديث جاءت عنهم على أنها من قبل الأسانيد إليهم [18] .
ثانيًا: قد يكون الجرح من أجل الخطأ في حديث معين ، فيطلق الناقد العبارة في الراوي ، وليس الأمر كما قال ، بل الإنصاف أن يقيد الجرح بما أخطأ فيه خاصة ، ويحتج به فيما سوى ذلك .
مثاله: عبد الرحمن بن نمر الشامي ، روى عن الزهري ومكحول ، وروى عنه الوليد بن مسلم وسليمان بن كثير .
قال فيه يحيى بن معين:"ابن نمير ضعيف في الزهري" [19] .
وهذا الجرح تبين أنه كان من أجل حديث معين ، أورده ابن عدي من طريقه عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ أَخْبَرَتْنِى بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ الأَسَدِيَّةُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُ بِالْوَضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فِى مَتْنِهِ: وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ. لاَ يَرْوِيهِ عَنِ الزُّهْرِىِّ غَيْرُ ابْنِ نَمِرٍ هَذَا. {ت} قَالَ قال البيهقي: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ هَارُونُ بْنُ زِيَادٍ الْحِنَّائِىُّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ أَبُو مُوسَى الأَنْصَارِىُّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَلَى الصِّحَّةِ فِى الإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ جَمِيعًا."."
قال ابن عدي:"له عن الزهري غير نسخة ، وهي أحاديث مستقيمة .. وقول ابن معين: هو ضعيف في الزهري ، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما يرويه عن الزهري ، أو في متونها ، إلا ما ذكرت من قوله: والمرأة مثل ذلك ، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء" [20]
وأقول: بل ذهب ناقد أهل الشام دحيم إلى تصحيح حديثه عن الزهري ، كما قال الخبير بحديث الزهري الحافظ محمد بن يحيى الذهلي بعد أن أطلق ثقته:"عبدالرحمن بن نمر وعبد الرحمن بن خالد ثقتان ولا تكاد تجد لابن نمر حديثا عن الزهري إلا ودون الحديث مثله يقول سألت الزهري عن كذا فحدثني عن فلان وفلان فيأتي بالحديث على وجهه." [21]
على أنه من الجائز أن تكون تلك الزيادة التي أجلها ضعفه ابن معين على ما بينه ابن عدي مدرجة من قول الزهري ورأيه ، والزهري معروف بمثل ذلك يدرج في المتون التفسير والرأي ، خصوصًا مع مراعاة ما ذكره الذهلي من أنه كان يسأل الزهري .
ثالثًا أن يكون الجرح عائدًا إلى كون الراوي قد ضعف في شيخ معين ، أو في حال معين ، فهذا لا يصلح فيه قبول الجرح المطلق ، بل يرد من حديثه القدر الذي ضعف فيه ، ويحتج بما سواه من حديثه .
(1) - الكفاية ، للخطيب ( ص: 179 ) .
(2) - تاريخ يحيى ( النص: 268 ، 1923 ) وعنه في: الكامل ( 2 / 243 ) ومعرفة علوم الحديث ، للحاكم ( ص: 72 ) .
(3) - الكامل ( 1 / 243 ) .
(4) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 230 ) .
(5) - الكامل ( 3 / 81 ) .
(6) - سير أعلام النبلاء (5/310)
(7) - ميزان الاعتدال - (ج 2 / ص 42) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 3 / ص 466) وتهذيب التهذيب - (ج 3 / ص 216)
(8) - الكامل ( 4 / 43 ) ، ويعني بقوله: ( مقاطيع ) أي مقطوعات ، يعني كلامَ الحسن وابن سيرين ، وليست أحاديث مرفوعة ، أو آثارًا موقوفة .
(9) - الضعفاء ، للعُقيلي ( 2 / 49 ) ، وابنُ فائد هذا كانَ يذهب مذهب المعتزلة في القدر .
(10) - سؤالات السلمي للدارقطني ( النص: 89 ) .
(11) - سير أعلام النبلاء (8/522) والكامل في الضعفاء [ ج2 - ص80 ] .
(12) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 6 / ص 163) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 19 / ص 399)
(13) - سير أعلام النبلاء (17/276) ومعناه في"الميزان" ( 3 / 142 ) .
(14) - من كتابه"طبقات الهَمذانيين"، نقله عنه الرافعي في"تاريخ قزوين" ( 3 / 370 ) وابنُ حجر في"اللسان" ( 4 / 277 ) .
(15) - المنتظم ، لابن الجوزي ( 15 / 161 ) .
(16) - موسوعة أقوال الدارقطني - (ج 17 / ص 185)
(17) - الكامل لابن عدي - (ج 2 / ص 101)
(18) - فانظر مثلًا: الكامل ( 3 / 73 ) ترجمة ( حُميد بن قيس الأعرج ) ، و ( 4 / 161 ) ترجمة ( زيد بن رُفيع ) .
(19) - تاريخه ( النص: 1164 ) وفي سؤالات ابنِ الجنيد ( النص: 140 ) :"ضعيف الحديث".
(20) - الكامل لابن عدي - (ج 4 / ص 293)
(21) - تهذيب التهذيب - (ج 6 / ص 258)