الأولى- التحذير من الأحاديث الواردة في فضل شهر رجب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [1] :
"ومن هذا الباب: شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان» [2] ."
ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذب، والحديث إذا لم يعلم أنه كذبٌ [3] ، فروايته في الفضائل أمرٌ قريبٌ، أما إذا علم كذبُه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله. لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين» [4] .
نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي غير ذلك، فاتخاذه موسمًا بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب [5] وأبي بكرة [6] وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى ابن ماجه:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم رجب" (10) رواه عن إبراهيم بن منذر الحزامي، عن داود بن عطاء، حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن سليمان بن علي عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وليس بالقوي. [7] ""
وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو ألا يقرن به شهرا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك" [8] ."
وقال أيضًا [9] :
"أَمَّا تَخْصِيصُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ جَمِيعًا بِالصَّوْمِ أَوْ الِاعْتِكَافِ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - شَيْءٌ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ. وَلَا أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانَ .. [10] "
وَأَمَّا صَوْمُ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَا يَعْتَمِدُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَيْسَتْ مِنَ الضَّعِيفِ الَّذِي يُرْوَى فِي الْفَضَائِلِ بَلْ عَامَّتُهَا مِنِ الْمَوْضُوعَاتِ الْمَكْذُوبَاتِ،وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَارِكْ لَنَا فِى رَمَضَانَ» .. [11]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ. [12] وَفِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ لَكِنْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَضْرِبُ أَيْدِيَ النَّاسِ؛ لِيَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الطَّعَامِ فِي رَجَبٍ. وَيَقُولُ: لَا تُشَبِّهُوهُ بِرَمَضَانَ. [13]
وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى أَهْلَهُ قَدْ اشْتَرَوْا كِيزَانًا لِلْمَاءِ وَاسْتَعَدُّوا لِلصَّوْمِ فَقَالَ:"مَا هَذَا فَقَالُوا: رَجَبٌ فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُشَبِّهُوهُ بِرَمَضَانَ؟ وَكَسَرَ تِلْكَ الْكِيزَانَ" [14] . فَمَتَى أَفْطَرَ بَعْضًا لَمْ يُكْرَهْ صَوْمُ الْبَعْضِ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ: حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَمَرَ بِصَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ [15] . فَهَذَا فِي صَوْمِ الْأَرْبَعَةِ جَمِيعًا لَا مَنْ يُخَصِّصُ رَجَبًا.
وَأَمَّا تَخْصِيصُهَا بِالِاعْتِكَافِ فَلَا أَعْلَمَ فِيهِ أَمْرًا، بَلْ كُلُّ مَنْ صَامَ صَوْمًا مَشْرُوعًا وَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ مِنْ صِيَامِهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِلَا رَيْبٍ،وَإِنْ اعْتَكَفَ بِدُونِ الصِّيَامِ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِدُونِ الصَّوْمِ،مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ"اهـ"
قلت: والذي صحَّ من ذلك مارواه مسلم (2782) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الأَنْصَارِىُّ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ - وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِى رَجَبٍ - فَقَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ.
قال النووي [16] :
"الظَّاهِر أَنَّ مُرَاد سَعِيد بْن جُبَيْر بِهَذَا الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ، وَلَا نَدْب فِيهِ لِعَيْنِهِ، بَلْ لَهُ حُكْم بَاقِي الشُّهُور، وَلَمْ يَثْبُت فِي صَوْم رَجَب نَهْيٌ وَلَا نَدْبٌ لِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّ أَصْلَ الصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نَدَبَ إِلَى الصَّوْم مِنْ الْأَشْهُر الْحُرُم، وَرَجَب أَحَدهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
حكمُ صَوْمِ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ [17]
"ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ."
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ أَفْضَل الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ: الْمُحَرَّمُ، ثُمَّ رَجَبٌ، ثُمَّ بَاقِيهَا: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ» . [18] .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَصُومَ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ مِنْ كُل شَهْرٍ مِنْ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ مِنَ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ، لَكِنَّ الأَْكْثَرَ لَمْ يَذْكُرُوا اسْتِحْبَابَهُ، بَل نَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ [19] . وَلأَِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ. وَتَزُول الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنَ السَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَل رَجَبًا [20] .
ـــــــــــــــ
(1) - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم - (ج 2 / ص 96) و قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 131
(2) - ذكر ابن حجر العسقلاني هذا الحديث في رسالته (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) (ص 11، 12) ، وذكر أنه أخرجه البزار في مسنده، والطبراني في الأوسط والبيهقي في فضائل الأوقات، وأبو يوسف القاضي في كتاب الصيام، وقال ابن حجر: (وهو حديث ليس بالقوي) . وانظر: كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي (1/ 457) ، الحديث رقم (961) فقد أورد الحديث، وعلق عليه.
(3) - قلت: ولا منكر ولا ساقط،وهو الضعيف جدًّا.
(4) - أخرجه أحمد في المسند (1/ 113) ، عن علي بن أبي طالب (4/ 250، 252، 255) ، عن المغيرة بن شعبة. وأخرجه مسلم مقطوعًا وموصولًا عن المغيرة، في المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات (1/ 9) .
(5) - انظر: تبيين العجب (ص 35) .
(6) - في المطبوعة: وأبي بكر، وكلاهما صحيح، لأنه ورد أن أبا بكر نهي أهله عن ذلك. انظر: مجموع الفتاوى للمؤلف (25/ 291) وانظر: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب (ص 35)
(7) - أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام، باب صيام أشهر الحرم، الحديث رقم (1743) ، (1/ 554) .
(8) - لزيادة الفائدة في بيان حقيقة ما ورد في فضل رجب. راجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب، رسالة لابن حجر العسقلاني مطبوعة بعناية عبد الله الجبرين
(9) - مجموع الفتاوى - (ج 25 / ص 290)
(10) - صحيح البخارى (1969)
(11) - مسند أحمد (2387) وهو حديث ضعيف
(12) - سنن ابن ماجه (1815) وهو ضعيف
(13) - كما في مصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 102) (9851) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الْجِفَانِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ. (وإسناده صحيح)
(14) - لم أجده
(15) - قلت: الذي ورد هو هذا الحديث الذي في صحيح مسلم (2813) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَرْفَعُهُ قَالَ سُئِلَ أَىُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ وَأَىُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ» .
(16) - شرح النووي على مسلم - (ج 4 / ص 167)
(17) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 28 / ص 95)
(18) - مر تخريجه
(19) - مر تخريجه
(20) - الفتاوى الهندية (1/ 201 ط الأميرية 1310 هـ) حاشية الدسوقي 1/ 516، ومغني المحتاج 1/ 449، كشاف القناع 2/ 338، 340، الفروع 3/ 119