فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 522

إن من ينعم النظر في عملية الجرح والتعديل التي يمارسها أئمة الحديث على الرواة يجد أن المواطن التي يمكن للجارح أن يطعن من خلالها في الرواة لا تتجاوز هذه الأشياء وهي:-

( البدعة ، أو المخالفة ، أو الغلط ، أو جهالة الحال ، أو دعوى الانقطاع في السند بأن يدعي في الراوي بأنه كان يدلس أو يرسل ) . [2]

وجاء في نخبة الفكر أن ( الطعن أما أن يكون لكذب الراوي أو لتهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته عن الإتقان أو فسفه أو وهمه بأن يروى على سبيل التوهم ، أو مخالفته للثقات أو لجهالته ، أو لبدعته أو سوء حفظه بان يكون ليس غلطه اقل من إصابته ) . [3]

1-تعريفُها:

أ) لغة: مصدر"جَهِلَ"ضد"عَلِمَ"والجهالة بالراوي تعني عدم معرفته.

ب) اصطلاحًا: عدم معرفة عَيْنِ الراوي أو حاله.

يمكن لنا أن نقول ان المراد بجهالة الراوي: هو أن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح من قبل أهل الجرح والتعديل . وبهذا المعنى فان جهالة الراوي يندرج تحتها ثلاثة أمور هي: [4]

أولا: جهالة اسم الراوي .

ثانيا: جهالة عين الراوي .

ثالثًا: جهالة حال الراوي .

أما من هو المجهول ؟

فقد اختلف فيه العلماء على مذاهب تبعًا لاختلافهم في وسائل إثبات العدالة ، إذ أن كل من ثبتت عدالته ارتفعت عنه الجهالة .

ويمكن إجمال مذاهب علماء الحديث في المجهول فيما يأتي:-

أولا: يرى الخطيب البغدادي أن المجهول عند المحدثين هو (هُوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُشْتَهَرُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ , وَلَا عَرَفَهُ الْعُلَمَاءُ بِهِ , وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ رَاو وَاحِدٍ , مِثْلُ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ وَجَبَّارٍ الطَّائِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَغَرَّ الْهَمْدَانِيِّ وَالْهَيْثَمِ بْنِ حَنَشٍ وَمَالِكِ بْنِ أَغَرَّ وَسَعِيدِ بْنِ ذِي جُدَّانَ وَقَيْسِ بْنِ كُرْكُمٍ وَخَمِرِ بْنِ مَالِكٍ , وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ , وَمِثْلُ سَمْعَانَ بْنَ مُشَنَّجٍ وَالْهِزْهَازِ بْنِ مِيزَنٍ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا رَاوٍ إِلَّا الشَّعْبِيُّ , وَمِثْلُ بَكْرِ بْنِ قِرْوَاشٍ وَحَلَامِ بْنِ جَزْلٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا إِلَّا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ , وَمِثْلُ يَزِيدَ بْنِ سُحَيْمٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو , وَمِثْلُ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ , وَمِثْلُ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ , وَغَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا خَلْقٌ كَثِيرٌ تَتَّسِعُ أَسْمَاؤُهُمْ , وَأَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ الرَّجُلِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ كَذَلِكَ) [5]

ثانيًا: بينما يرى ابن الصلاح الشهرزوري أن المجهول من الرواة على ثلاثة أصناف وهم:

مجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعًا .

المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور . ثم عرف المستور بقوله: قال بعض أئمتنا المستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا تعرف عدالته الباطنة .

المجهول العين . [6] وقد اقر في حده ما ذكره الخطيب .

ثالثًا: يذهب ابن حجر العسقلاني إلى أن المجهول من الرواة صنفان:

مجهول العين:- وهو من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق.

مجهول الحال:- وهو من روى عنه اثنان فاكثر ولم يوثق. [7]

رابعًا: بينما يذهب ابن حبان إلى أن الجهالة منحصرة في عين الراوي فمن انتفت عنه جهالة عينه فهو على العدالة إلى أن يثبت عكس ذلك . وكلامه هذا مبني على مذهبه في إثبات العدالة .

يقول ابن حبان:( فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس [8]

أن يكون فوق الشيخ الذي ذكره رجل ضعيف لا يحتج بخبره .

أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته .

أو يكون مرسلًا فلا يلزم به حجة .

أو يكون منقطعًا .

أو يكون في الإسناد رجل مدلس . [9] .

التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره لان العدل من لم يعرف منه الجرح ... فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده ) [10]

غير أن العلماء لم يرتضوا منهج ابن حبان هذا يقول ابن حجر: ( وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه ) [11]

والذي يبدو والله أعلم - أن اقرب هذا الأقوال إلى الواقع هو ما ذكره ابن حجر . لأن ما ذكره الخطيب في حده للمجهول بقوله: ( هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به) أمر فيه نوع من المرونة فإنه ليس كل من تصدى للحديث كان مشتهرًا ، ثم ما هو الحد الذي إذا وصل إليه المحدث كان مشتهرًا وإذا قصر عنه لم ينعت بالاشتهار .

أما ابن الصلاح فانه حينما صنف من كان مجهول العدالة إلى صنفين الأول مجهول العدالة ظاهرًا وباطنا والثاني مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر . وهو ما سماه بالمستور . فإني أرى أن هذا زيادة في التقسيمات والتعريفات . لأن جمهور العلماء قالوا: إن العدالة إنما تثبت بأشياء زائدة على الظاهر . وإنه يجب التحري ومحاولة سبر أغوار نفوس الرواة قبل الحكم على عدالتهم وعدم الاكتفاء بما يظهر من صلاحهم لخطورة ما يتعلق بهذا الحكم .

أما ابن حبان فان مذهبه هذا مخالف لما عليه الجمهور تبعًا لرأيه في إثبات العدالة وقد: صرح ابن حجر بأنه عجيب وإنه مخالف لجمهور المحدثين كما نقلنا عنه ذلك قبل قليل .

إذن فالمجهول أما أن يكون مجهول العين وأما أن يكون مجهول الحال أي العدالة . ولكل نوع من هاتين الجهالتين منهج للعلماء في التعامل معه . [12]

2-أسباب وقوع الجهالة:

لا شك أن وقوع الجهالة في بعض رواة الحديث أمر لا بد منه لأن من اشتغل بنقل سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا من الكثرة بمكان لا يسمح معه أن يلم أصحاب الجرح والتعديل بهم جميعًا .

وقد ذكر ابن حجر بعض الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الجهالة في الراوي فقال في متن نخبة الفكر:

( ثم الجهالة ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتَهَرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فيهِ الْمُوْضِحَ.

وقَدْ يَكُونُ مُقِلاًّ فَلاَ يَكْثُر الأخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ.

أَوْ لا يُسَمَّى اخْتِصَارًا، وفيهِ المُبْهَمَاتُ. [13]

والإبهام أو الاختصار يكون على شكلين:-

أولا: أن يبهم الراوي اسم شيخه فيقول حدثني رجل ، أو بعضهم أو شيخ لنا ، أو حدثني الثقة أو حدثني من لا أتهم .

ثانيا: أن يذكر الراوي اسم شيخه مهملًا كأن يقول ( حدثني فلان أو ابن فلان أو أبو فلان ) .

وهناك سبب رابع لوقوع الجهالة لم يذكره ابن حجر ولكنه شائع الوقوع بين رواه الحديث وهو:

(عدم نص أئمة الحديث على توثيق الراوي أو تضعيفه) [14] فتقع الجهالة لهذا السبب . لأنه من المعلوم أن المحدثين وناقلي السنة النبوية أكثر ممن تعرض لهم أئمة الجرح والتعديل في كتبهم ، فكم من راو يقولون عنه لم يعرف عنه تعديل ولا تجريح .

ولما كان رأي الجمهور أن العدالة لا تثبت بمجرد رواية الثقات عن الراوي كان عدم وجود نص من قبل العلماء في ذلك الراوي تجريحًا أو تعديلًا مدخلًا له في دائرة جهالة الحال اهـ.

3-أمثلة:

أ) مثال كثرة نعوت الراوي:"محمد بن السائب بن بشر الكلبي"نسبه بعضهم إلى جده فقال"محمد بن بشر"وسماه بعضهم"حماد بن السائب"وكناه بعضهم"أبا النضر"وبعضهم"أبا سعيد"وبعضهم"أبا هشام"فصار يُظَن أنه جماعة ، وهو واحد . [15]

ب) مثال قلة رواية الراوي وقلة من روي عنه:"أبو العشراء الدارمي"من التابعين ، لم يرو عنه غير حماد بن سلمة . [16]

ج ) مثال عدم التصريح باسمه: قول الراوي: أخبرني فلان ،مثاله كما في مسند الحميدى برقم (16) حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى فُلاَنٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ هَكَذَا - يَعْنِى يُحَرِّكُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا - عُوَيْمِلٌ لَنَا بِالْعِرَاقِ ، عُوَيْمِلٌ لَنَا بِالْعِرَاقِ خَلَطَ فِى فَىْءِ الْمُسْلِمِينَ أَثْمَانَ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا » . يَعْنِى أَذَابُوهَا. هذا الرجل مجهول لأنه لم يسمَّ

أو شيخ ، كما في مصنف عبد الرزاق مشكل - (ج 5 / ص 16) برقم (9799) و (9516- جامع الحديث ) عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، أَخْبَرَنِي شَيْخٌ ، مُؤَذِّنُ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ:"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"فَقَالَ: هِيَ هِيَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا هِيَ هِيَ ؟ قَالَ:"وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا" ( والشيخ مجهول)

أو رجل أو نحو ذلك ، كما في سنن أبى داود برقم (3810 ) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَسَنٍ الْمِصِّيصِىُّ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنِى رَجُلٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْحُمُرِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْكُلَ لُحُومَ الْخَيْلِ قَالَ عَمْرٌو فَأَخْبَرْتُ هَذَا الْخَبَرَ أَبَا الشَّعْثَاءِ فَقَالَ قَدْ كَانَ الْحَكَمُ الْغِفَارِىُّ فِينَا يَقُولُ هَذَا وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

وكما في مصنف عبد الرزاق مشكل - (ج 3 / ص 452) برقم (7353) ( 7118 - جامع الحديث ) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ ، أَنَّ رَجُلًا ، أَخْبَرَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ رَأَيْتُ الْهِلَالَ ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ - وَلَا أَرَاهُ -:"اللَّهُمَّ أَطْلِعْهُ عَلَيْنَا بَالسَّلَامَةِ ، وَالْإِسْلَامِ ، وَالْأَمْنِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالْبِرِّ ، وَالتَّقْوَى ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ ، وَتَرْضَى ، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى حَفِظَهَا"وكما في مصنف ابن أبي شيبة (ج 3 / ص 50) 9393- حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ مُصَدَّقٌ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ..

وبرقم (19103) حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرِو سَمع عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَوِ اسْتَطَعْت أَنْ أَجْعَلَ عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَةً وَنِصْفًا فَعَلْت فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَوْ جَعَلْتهَا شَهْرًا وَنِصْفًا فَسَكَتَ..

وكما في مسند أحمد برقم (15575) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو أَخْبَرَنِى رَجُلٌ ثِقَةٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لَحْمُ الصَّيْدِ حَلاَلٌ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ » .

قلت: وهذا الرجل المجهول إذا لم يبين ، ولم يوجد ما يشهد للحديث فالحديث ضعيف

4-تعريف المجهول:

هو من لم تُعْرَف عَيْنُهُ أو صفته

ومعنى ذلك أي هو الراوي الذي لم تعرف ذاته أو شخصيته أو عرفت شخصيته ولكن لم يعرف عن صفته أي عدالته وضبطه شيء.

5-أنواع المجهول:

يمكن أن يقال أن أنواع المجهول ثلاثة هي:

ا ) مجهول العَيْن [17] :

تعريفه: هو من ذُكِر اسمه ، ولكن لم يَرْوِ عنه إلا راو واحد .

حكم روايته: عدم القبول ، إلا إذا وُثِّقَ .

كيف يوثق: يوثق بأحد أمرين:

أما أن يوثقه غير من روى عنه.

وإما أن يوثقه من روى عنه بشرط أن يكون من أهل الجرح والتعديل.

هل لحديثه اسم خاص ؟ ليس لحديثه اسم خاص ، وإنما حديثه من نوع الضعيف .

2 )مجهول الحال: ( ويسمى المستور )

تعريفه: هو من روي عنه اثنان فأكثر، لكن لن يُوَثَّق.

حكم روايته: الرد، على الصحيح الذي قاله الجمهور.

هل لحديثه اسم خاص ؟ ليس لحديثه اسم خاص ، وإنما حديثه من نوع الضعيف . [18]

6-هل تقبل رواية المجهول ؟

وقال الحافظ العراقي رحمه الله [19] :

"اختلفَ العلماءُ في قَبولِ روايةِ المجهولِ ، وهو على ثلاثةِ أقسامٍ: مجهولِ العينِ ، ومجهولِ الحالِ ظاهرًا وباطنًا ، ومجهولِ الحال باطنًا ."

القسمُ الأولُ: مجهولُ العَيْنِ ، وهو مَنْ لم يروِ عنه إلا راوٍ واحدٌ . وفيه أقوالٌ:

الصحيحُ الذي عليه أكثرُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ ، وغيرِهم ، أنّهُ لا يقبلُ .

والثاني: يقبلُ مطلقًا.وهذا قولُ مَنْ لم يشترطْ في الراوي مزيدًا على الإسلامِ.

والثالثُ: إن كان المنفردُ بالروايةِ عنه لا يروي إلا عَنْ عَدْلٍ ، كابنِ مهديٍّ ، ويحيى بنِ سعيدٍ ، ومَنْ ذُكرَ معهُما ، واكتفينا في التعديلِ بواحدٍ قُبلَ ، وإلاّ فلا .

والرابعُ: إنْ كان مشهورًا في غيرِ العلمِ بالزُّهْدِ ، أو النَّجْدةِ قُبلَ ، وإلاّ فلا . وهو قولُ ابنِ عبدِ البرِّ ، وسيأتي نقلهُ عنه .

والخامسُ: إنْ زَكَّاه أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتعديلِ مع روايةِ واحدٍ عنهُ قُبل ، وإلاّ فلا . وهو اختيارُ أبي الحسنِ بنِ القطّانِ في كتابِ"بيان الوهمِ والإيهامِ".

قال الخطيبُ في"الكفاية": المجهولُ عند أصحابِ الحديثِ: كُلُّ مَنْ لم يشتهرْ بطلبِ العلمِ في نفسِهِ ، ولا عرفَهُ العلماءُ به . ومَنْ لم يُعرفْ حديثُهُ إلاّ من جهةِ راوٍ واحدٍ، مثلُ: عَمْرٍو ذِي مرٍّ ، وجَبَّارٍ الطَّائيِّ ، وعبدِ اللهِ بنِ أَعَزَّ الهَمْدانيِّ ، والهَيْثَمِ بنِ حَنَشٍ ، ومالكِ بنِ أَعزَّ ، وسعيدِ بنِ ذي حُدَّانَ ، وقَيْسِ بنِ كُرْكُمٍ ، وخَمْرِ بنِ مالكٍ . قال: وهؤلاءِ كلُّهم لم يَرْوِ عنهم غيرُ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ . ومثلُ: سَمْعانَ بنِ مُشَنَّجٍ ، والهَزْهازِ بنِ مَيْزنٍ ، لا يُعرفُ عنهما راوٍ إلاّ الشَّعبيُّ . ومثلُ: بَكْرِ بنِ قِرْواشٍ ، وحَلاَّمِ بنِ جَزْلٍ ، لم يروِ عنهما إلا أبو الطُّفَيلِ عامرُ بنُ واثلةَ . ومثلُ: يزيدَ بنِ سُحَيْمٍ ، لم يروِ عنه إلا خِلاَسُ بنُ عَمْرٍو . ومثلُ: جُرَي بنِ كُلَيبٍ ، لم يروِ عنه إلا قتادةُ بن دِعَامةَ . ومثلُ: عُمَيرِ بنِ إسحاقَ ، لم يروِ عنه سوى عبدِ اللهِ بنِ عَوْنٍ . وغيرُ من ذَكرنا . وروينا عن محمدِ بنِ يحيى الذُّهْلِيِّ ، قال: إذا رَوَى عن المحدِّثِ رجلانِ ارتفعَ عنه اسمُ الجهالةِ .

وقال الخطيبُ: أقلُّ ما تُرفعُ به الجهالةُ أن يرويَ عنه اثنانِ فصاعدًا ، من المشهورينَ بالعلمِ ، إلا أنّه لا يثبتُ له حكمُ العدالةِ بروايتهِما عنه . واعترضَ عليه ابنُ الصلاحِ بأنَّ الهَزْهازَ رَوَى عنه الثوريُّ أيضًا .

قلت: وروى عنه أيضًا الجرَّاحُ بنُ مَلِيحٍ ، فيما ذكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ ، وسمَّى أباهُ مازنًا، بالألفِ لا بالياءِ . ولعلَّ بعضَهُم أمالَهُ فكتبَهُ بالياءِ . وخَمْرُ بنُ مالكٍ روى عنه أيضًا عبدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ ، وذكرَهُ ابنُ حبّانَ في"الثقاتِ"، وسمَّاهُ خُمَيْرَ بنَ مالكٍ ، وذكرَ الخلافَ فيه في التَّصْغيرِ والتّكبيرِ ابنُ أبي حاتِمٍ . وكذلِكَ الهَيْثمُ ابنُ حَنَشٍ رَوَى عنه أيضًا سَلَمةُ بنُ كُهَيْل ، قالَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ . وأما عبدُ اللهِ بنُ أَعزّ ، ومالكُ بن أعزَّ ، فقد جعلَهُما ابنُ ماكولا واحدًا ، اختُلفَ على أبي إسحاقَ في اسمِهِ . وبَكْرُ بنُ قِرْواشٍ روى عنه أيضًا قتادةُ فيما ذكرَهُ البخاريُّ ، وابنُ حبّانَ في"الثقاتِ". وسمَّى ابن أبي حاتم أباهُ قُرَيشًا . وحَلاَّمُ بنُ جَزْلٍ ذكرَهُ البخاريُّ في"تاريخه"فقالَ: حِلاَبٌ ، أي: بباء موحّدةٍ ، وخطَّأهُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابٍ جمعَ فيهِ أوهامَهُ في"التاريخ"، وقال:"إنّما هو حَلاَّمٌ"، أي: بالميمِ . ثم تعقّبَ ابنُ الصلاحِ بعضَ كلامِ الخطيبِ المتقدّم بأنْ قال: قد خَرَّجَ البخاريُّ حديث جماعةٍ ليس لهم غيرُ راوٍ واحدٍ منهم: مِرْدَاسٌ الأسلميُّ ، لم يروِ عنه غيرُ قَيْسٍ بنِ أبي حازمٍ . وخَرَّجَ مسلمٌ حديثَ قومٍ ليس لهم غيرُ راوٍ واحدٍ منهم: ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ ، لم يروِ عنه غيرُ أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ . وذلك منهما مَصِيرٌ إلى أنَّ الراوي قد يَخْرُجُ عن كونِهِ مجهولًا مردودًا ، بروايةِ واحدٍ عنه . والخلافُ في ذلك مُتَّجِهٌ ، نحوَ اتجاهِ الخلافِ المعروفِ في الاكتفاءِ بواحدٍ في التعديلِ .

قلتُ: لم ينفردْ عن مِرْداسٍ قَيْسٌ ، بل روى عنه أيضًا زيادُ بنُ عِلاَقةَ فيما ذكرَهُ المزّيُّ في"التهذيبِ"، وفيه نظرٌ . ولم ينفردْ عن ربيعةَ أبو سَلَمةَ ، بل رَوَى عنه أيضًا نُعَيْمٌ المُجْمِرُ وحَنْظلةُ بنُ عليٍّ.وأيضًا فمِرْداسٌ وربيعةُ من مشاهيرِ الصحابةِ، فمِرداسٌ من أهلِ الشَّجَرَةِ،وربيعةُ من أهل الصُّفَّةِ.وقد ذكرَ أبو مسعودٍ إبراهيمُ بنُ محمدٍ الدِّمَشْقيُّ في (( جُزْءٍ له أجابَ فيه عن اعتراضاتِ الدارقطنيِّ على كتابِ مسلمٍ ) )، فقال: لا أعلمُ رَوَى عن أبي عليٍّ عمرِو بنِ مالكٍ الجَنْبيِّ أحدٌ غيرُ أبي هانيءٍ ، قال: وبروايةِ أبي هانيءٍ وَحْدَهُ لا يرتفعُ عنه اسمُ الجهالةِ ، إلا أنْ يكونَ معروفًا في قبيلتهِ ، أو يروي عنه أحدٌ معروفٌ مع أبي هانئٍ ، فيرتفعُ عنه اسمُ الجهالةِ . وقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ في النوعِ السابعِ والأربعينَ عن ابنِ عبدِ البرِّ ، قال: كُلُّ مَنْ لم يروِ عنه إلا رجلٌ واحدٌ ، فهو عندَهم مجهولٌ إلا أنْ يكونَ رجلًا مشهورًا في غيرِ حملِ العلمِ كاشتهارِ مالكِ بنِ دينارٍ بالزُّهْدِ ، وعَمْرِو بن مَعْديْ كَرِبَ بالنَّجْدةِ . فشهرةُ هذينِ بالصُّحبةِ عند أهلِ الحديثِ آكدُ في الثقةِ به من مالكٍ وعمرٍو ، والله أعلمُ .

والقسمُ الثاني: مجهولُ الحالِ في العدالةِ في الظاهرِ والباطنِ ، مع كونِهِ معروفَ العَيْنِ بروايةِ عدلينِ عنه . وفيه أقوالٌ:

أحدُها: وهو قولُ الجماهيرِ ، كما حكاهُ ابنُ الصلاحِ أنَّ روايتَهُ غيرُ مقبولةٍ.

والثاني: تقبلُ مطلقًا ، وإنْ لم تقبلْ روايةُ القسمِ الأولِ . قال ابنُ الصلاحِ: وقد يَقبلُ روايةَ المجهولِ العدالةِ مَنْ لا يَقبلُ روايةَ المجهولِ العينِ .

والثالثُ: إنْ كانَ الراويانِ ، أو الرواةُ عنه فيهم مَنْ لا يَروِي عن غيرِ عَدْلٍ قُبِلَ ، وإلاَّ فلاَ .

والقسمُ الثالثُ: مجهولُ العدالةِ الباطنةِ ، وهو عدلٌ في الظاهرِ ، فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ ، وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ ، قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ ، فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ ، فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ ، فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ.

قالَ ابنُ الصّلاحِ: ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم ، وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم ، واللهُ أعلمُ .

(1) - وهي السبب الثامن من أسباب الطعن في الراوي . انظر مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 21) ,قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 155) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 87) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 302) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)

(2) - -مقدمة فتح الباري/ابن حجر/384/وانظر قواعد التحديث/للقاسمي/191 .

(3) - -نخبة الفكر/ابن حجر/230 (ذيل سبل السلام للصنعاني) و نزهة النظر - (ج 1 / ص 21)

(4) - -انظر نزهة النظر/ابن حجر/44 .

(5) - الكفاية بَابُ ذِكْرِ الْمَجْهُولِ وَمَا بِهِ تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ الْمَجْهُولُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ

(6) - -مقدمة ابن الصلاح/225-226 .

(7) - -نزهة النظر/ابن حجر/50 .

(8) - -يعني بالخصال الخمس ما يلي:

(9) - (انظر الثقات/لابن حبان 1/11)

(10) - -الثقات/ابن حبان/1/13 .

(11) - -لسان الميزان/ابن حجر/1/14 .

(12) - جرح الرواة وتعديلهم - (ج 7 / ص 1)

(13) - -نخبة الفكر/ابن حجر/ذيل سبل السلام 4 / 230 و نزهة النظر - (ج 1 / ص 277)

(14) -انظر ضوابط الجرح والتعديل/عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف/76 .

(15) - انظر تهذيب الكمال [ ج 25 - ص 246 ] برقم (5234 )

(16) - وفي الكاشف [ ج 2 - ص 443 ] برقم (6741 ) أبو العشراء الدارمي البصري عن أبيه وعنه حماد بن سلمة يقال أسامة ويقال عطارد ويسار أعرابي لينه البخاري وقال أحمد حديثه عندي غلط

(17) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 7) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 93) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 378) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 306) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 248) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 26) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 514)

(18) - قلت: لنا عودة حول المسكوت عنه ( وهو المستور )

(19) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 114)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت