وأطلقَ الشافعيُّ كلامَهُ في اختلافِ الحديثِ أنَّهُ لا يحتجُّ بالمجهولِ ، وحكى البيهقيُّ في"المدخلِ": أنَّ الشافعيَّ لا يحتجُّ بأحاديثِ المجهولينَ . ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ هذا القسمَ الأخيرَ ، قال: وهو المستورُ ، فقد قال بعضُ أئمتِنا: المَسْتُورُ مَنْ يكونُ عَدْلًا في الظَّاهرِ ، ولا تُعْرَفُ عدالتُهُ باطنًا . انتهى كلامُه . وهذا الذي نَقَلَ كلامَهُ آخرًا ، ولم يسمِّهِ ، هو البغويُّ ، فهذا لفظُهُ بحروفِهِ في"التهذيبِ"، وتَبِعهُ عليه الرافعيُّ. وحكى الرافعيُّ في الصومِ وجهين في قبولِ روايةِ المستورِ من غيرِ ترجيحٍ. وقالَ النوويُّ في"شرحِ المهذّبِ": (( إنَّ الأصحَّ قبولُ روايتِهِ ) ).
وقولي: ( وفيه نظرٌ ) ، ليس في كلامِ ابنِ الصلاحِ ، فهو من الزوائدِ التي لم تتميَّزْ ووجهُ النظرِ الذي أشرتُ إليهِ هو أنَّ في عبارة الشافعيِّ في اختلافِ الحديثِ ما يقتضي أنَّ ظاهِرَي العدالةِ مَنْ يحكمُ الحاكمُ بشهادتِهِمَا .
فقالَ في جوابِ سؤالٍ أوردَهُ: فلا يجوزُ أنْ يَتركَ الحُكْمَ بشهادتِهما إذا كانا عَدْلَيْنِ في الظاهرِ . فعلى هذا لا يُقالُ لمَنْ هو بهذهِ المثابةِ مستورٌ. نَعَمْ، في كلامِ الرافعيِّ في الصومِ أنَّ العدالةَ الباطنةَ هي التي يُرْجَعُ فيها إلى أقوالِ المُزَكِّينَ . ونقلَ الرُّوْيَانيُّ في"البَحر"عن نصِّ الشافعيِّ في"الأمِّ": أنَّهُ لو حضَرَ العقدَ رجلانِ مسلمانِ ، ولا يُعرفُ حالُهما من الفِسْقِ والعَدالةِ انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ . قال: لأنَّ الظّاهرَ من المسلمينَ العدالةُ . والله أعلم .""
وقال البزدوي [1] :
"وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْمَسْتُورِ كَالْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ أَهَمُّ فَلَا يَكُونُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا غَيْرُ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِيهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ"
وقال الإمام النووي رحمه الله [2] :
"وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُغَفَّلُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ , وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَنْ نَقْبَلُهُ ."
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ , فَإِنْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ عَدْلَانِ اُشْتُرِطَتْ , وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ , قَالُوا: وَهُمَا جَارِيَانِ فِي رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , الْحَدِيثَ ( وَالْأَصَحُّ ) قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , وَكَذَا الْأَصَحُّ قَبُولُ قَوْلِهِ هُنَا وَالصِّيَامُ بِهِ , وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَالْعُدَّةِ وَالْمُتَوَلِّي""
وقال الآمدي رحمه الله [3] :
"المسألة الأولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية ،بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له."
وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفَى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا.
وقد احتج النافون بحجج الأولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات ،غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع ، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله فوجب أن لا يقبل ، ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق ومن ظهر إسلامه وسلم من الفسق ظاهرًا لا نسلِّم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقًا بدليل العدل المتفق على عدالته.
الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعًا لاحتمال مفسدة الكذب كالشهادة في العقوبات ، ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائمًا ظاهرًا غير أن احتمال الصدق مع ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا أظهر من احتمال الكذب ، ومع ذلك فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد ولا يمكن القياس على الشهادة ، لأن الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية ولهذا كان العدد والحرية مشترطًا في الشهادة دون الرواية ومتعبدًا فيها بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية ، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولًا ، وعلى هذا فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة اشتراط ذلك في الرواية.
الحجة الثالثة قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرطٌ في قبول الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى ، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار فلا تقبل أخباره دفعًا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلِّد اتباعه إجماعًا.
ولقائل أن يقول: المجمعُ على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا أو بمعنى آخر، والأول مسلم غير أن ما هو الشرط متحقق فيما نحن فيه ، والثاني ممنوع كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة ، وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع فالاعتبار بالمفتي غير ممكن، وذلك لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ، ولهذا كانت العدالة أغلب وقوعًا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله.
الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية فاعتبر فيه الخبرة الباطنية مبالغة في دفع الضرر كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول الشهادة.
ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في الحجة الثانية ، وبتقدير مناسبته فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم.
الحجة الخامسة قالوا: ردَّ عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة الحال وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة واشتهر ذلك فيما بين الصحابة ولم ينكره منكر فكان إجماعًا.
ولقائل أن يقول: أمَّا ردُّ عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر صدقها ولهذا قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ، وما نحن فيه ليس كذلك فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرًا فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه ، وأما ردُّ علي عليه السلام لخبر الأشجعي فإنما كان أيضًا لعدم ظهور صدقه عنده ولهذا وصفه بكونه بوالًا على عقبيه أي غير محترز في أمور دينه ، ويجب أن يكون كذلك وإلا كان مخالفًا لقوله - صلى الله عليه وسلم - . «إِنَّمَا نحكم بِالظَّاهِرِ ، وَالله يتَوَلَّى السرائر» [4]
والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي دليلًا ، والأصل عدم ذلك الدليل ، والمسألة اجتهادية ظنية فكان ذلك كافيًا فيها .
فإن قيل بيان وجود الدليل من جهة النص والإجماع والمعقول: أما النص فمن جهة الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات ، أمر بالتثبت مشروطًا بالفسق فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت فيه.
وأما السنة فمن وجهين: الأول قوله عليه السلام:"إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" [5] وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق فكان داخلًا تحت عموم الخبر الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه الأعرابي وقال أشهد أن لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده [6] قبل شهادته وأمر بالنداء بالصوم لما ثبت عنده إسلامه ولم يعلم منه ما يوجب فسقًا فالرواية أولى.
وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد والنسوان والأعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرًا.
وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق فكان خبره مقبولًا كإخباره بكون اللحم لحم مذكَّى ، وكون الماء طاهرًا أو نجسًا وكون الجارية المبيعة رقيقة ، وكونه متطهرًا عن الحدثين حتى يصح الاقتداء به ونحوه والثاني أنه لو أسلم كافر وروى عقيب إسلامه خبرًا من غير مهلة فمع ظهور إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه يمتنع رد روايته ، وإذا قبلت روايته حال إسلامه فطول مدته في الإسلام أولى أن لا توجب رده.
والجواب عن الآية أن العمل بموجبها نفيًا وإثباتًا متوقف على معرفة كونه فاسقًا أو ليس فاسقًا لا على عدم علمنا بفسقه ، وذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله ،وعن الخبر الأول من ثلاثة أوجه:
الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه لا بنفس النص المذكور ، والقياس عليه ممتنع لأن ما للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الاطلاع والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية غير متحقق في حق غيره.
الثاني أنه رتب الحكم على الظاهر وذلك وإن كان يدل على كونه علة لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلة.
الثالث المعارضة بقوله تعالى: { إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (36) سورة يونس ، وليس العمل بعموم أحد النصين وتأويل الآخر أولى من الآخر بل العمل بالآية أولى لأنها متواترة وما ذكروه آحاد.
وعن الخبر الثاني: لا نسلِّم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم من حال الأعرابي سوى الإسلام.
وعن الإجماع لا نسلِّم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا ردوا رواية من جهلوه كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس ورد علي شهادة الأعرابي.
وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع ؛ وذلك من وجهين:
الأول أن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى رتبة وأشرف منصبًا من الإخبار فيما ذكروه من الصور ، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما .
الثاني أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق ولا كذلك فيما نحن فيه.
وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله ، لاحتمال أن يكون كذوبًا وهو باق على طبعه .
وإن قبلنا روايته في مبدأ إسلامه فلا يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الإسلام ودوامه من رقة القلب وشدة الأخذ بموجباته والحرص على امتثال مأموراته واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب والتزمه ، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في دوامه.""
7-ما ترتفع به الجهالة:
بعد أن عرفنا الجهالة وأنواعها وأسباب ورودها بقي علينا أن نتعرف على منهج علماء الحديث فيما ترتفع فيه الجهالة عن الراوي . أو بعبارة أخرى ما هي الأمور التي إذا توفرت في الراوي زالت جهالته واشتهرت حاله .
وللجواب على هذا التساؤل نقول: ان لعلماء الحديث منهجًا في رفع الجهالة عن الراوي تبعًا لنوع الجهالة المتعلقة بالراوي . فما ترتفع به جهالة العين هو غير ما ترتفع به جهالة الحال وهما غير ما ترتفع به جهالة من أبهم اسمه وعينه
ويمكن إجمال مناهج العلماء في ذلك فيما يأتي:
أولا: ما ترتفع به جهالة العين:
والمقصود بجهالة العين أن الراوي لم يروِ عنه إلا واحد .
قال ابن حجر في ترجمة يحيى بن حرب المديني (قلت: قال ابن المديني: مجهول ما روى عنه غير موسى ) [7]
وقال ابن عدي (ولا أعلم أحدا يروي عنه غير مروان الفزاري وإذا روى عنه رجل واحد فهو شبه المجهول ) [8]
إذن فلا فرق عند العلماء بين مجهول العين أو شبه المجهول لان كليهما لم يروِ عنهما إلا راويا واحدا .
ومن كان هذا حاله فان للعلماء فيما ترتفع به الجهالة عنه أقوالا:
ذهب الخطيب البغدادي إلى أن (أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم ) [9] .
قال صاحب كتاب نصب الراية موافقا الخطيب فيما ذهب إليه: (وَإِنَّمَا يرتفع جَهَالَةُ الْمَجْهُولِ إذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَتَانِ مَشْهُورَانِ، فَأَمَّا إذَا رَوَى عَنْهُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ حُجَّةً، وَلَا ارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ، انْتَهَى.) [10] .
بينما ذهب فريق من العلماء كيحيى بن معين والذهبي وابن حجر في ،حد رأييه وغيرهم إلى أن جهالة العين ترتفع بأن يروي عنه اثنان فصاعدًا دون أن يشترط فيهما أن يكونا مشهورين في أهل العلم .
أخرج الخطيب البغدادي 227 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ , أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَارِئُ , نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , يَقُولُ: إِذَا رَوَى عَنِ الْمُحَدِّثِ رَجُلَانِ ارْتَفَعَ عَنْهُ اسْمُ الْجَهَالَةِ قَالَ الْخَطِيبُ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ: فَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ عَدَالَتَهَ تَثْبُتُ بِذَلِكَ , وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ ) [11] .
وجاء في تعجيل المنفعة في ترجمة بركة بن يعلى التميمي (واستفدنا منهما أن لبركة راويين فارتفعت جهالة عينه والله المستعان ) [12] .
وجاء في تلخيص الحبير في ترجمة عبد الله بن بصير: (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَصِيرٍ قِيلَ لَا يُعْرَفُ لِأَنَّهُ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْهُ فَارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ عَيْنِهِ) [13] .
ذهب ابن حجر في رأيه الآخر إلى أن الراوي مجهول العين-وهو من لم يرو عنه إلا واحد-ينظر إلى ذلك الواحد الذي يروي عن ذلك المجهول . فان كان من أئمة الحديث وحفاظهم عدَّ ذلك تعريفًا بعين ذلك الراوي:
جاء في تهذيب التهذيب (وقال الذهبي في الطبقات: أحمد بن يحيى بن محمد لا يعرف . قلت: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه وفي التعريف بحاله توثيقه له.) [14] .
4.وذهب ابن خزيمة وابن حبان من بعده إلى أن مجهول العين ترتفع جهالته برواية واحدٍ مشهور .
جاء في لسان الميزان: (وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحدٍ مشهور وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره . وقد أفصح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يعرف فيه الجرح ، إذ التجريح ضد التعديل ، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه ) [15] .
ثانيا: ما ترتفع به جهالة الحال:
والمقصود من جهالة الحال أن لا يعرف الراوي بجرح ولا تعديل . وترتفع جهالة حاله بأمور وضوابط وضعها علماء الحديث ، وهم مختلفون فيها كما يأتي:
أجمع علماء أهل السنة وأغلب الفرق الإسلامية على أن من ثبتت صحبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتفعت جهالة حاله واستغني عن البحث عن عدالته . لأن الصحابة - رضي الله عنهم - عدول بتعديل الله تعالى لهم وتعديل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال الذهبي: (وأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات ، فما يكاد يسلم أحد من الغلط ، لكنه غلط نادر لا يضر أبدا ، إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى ) [16] .
ذهب جمهور المحدثين إلى أن من وردت روايته في كتب الصحيح ارتفعت جهالة حاله . يوضح ذلك قول ابن حجر في مقدمة فتح الباري: (فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة ، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف ،ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا) [17] .
وجاء في نصب الراية قول ابن دقيق العيد ( رحمه الله) : (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: وَمِنْ العجب كون الْقَطَّانِ لَمْ يَكْتَفِ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، مَعَ تَفَرُّدِهِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ قَدْ تقل كَلَامَهُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ ثِقَةٌ، أَوْ يُصَحَّحَ لَهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ؟ وَإِنْ كَانَ تَوَقَّفَ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا أَبُو قِلَابَةَ، فَلَيْسَ هَذَا: بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ فِي نَفْيِ جَهَالَةِ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُ جَهَالَةَ الْحَالِ بِانْفِرَادِ رَاوٍ وَاحِدٍ عَنْهُ بَعْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي تَعْدِيلَهُ، وَهُوَ تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَيَنْبَغِي عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَطَرِيقَةُ الْفِقْهِ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَوْلِنَا: عَنْ رَجُلٍ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا: عَنْ رَجُلٍ من بين عَامِرٍ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ ذِكْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ بِالزِّيَادَةِ، وَيَحْكُمُ به، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، فَإِنْ كَانَ كُنْيَةً لِعَمْرٍو فَلَا اخْتِلَافَ، وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ مُخَالِفَةٌ احْتِمَالًا لَا يَقِينًا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَهِيَ مُخَالِفَةٌ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي إسْنَادِهَا عَلَى طَرِيقَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمْ يُعَلِّلْ بِهَا، انْتَهَى كَلَامُهُ.) [18] .
وذهب الدارقطني فيما نقله عنه السخاوي أن: ( من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته ) [19] .
وذكر البلقيني أن هذا هو مذهب ابن حبان كذلك فقال: ( اكتفى ابن حبان بمجرد رواية عدلين في التعديل وهو بعيد ) [20] .
والصحيح أن ابن حبان يختلف عن الدارقطني فيما ترتفع به جهالة الحال عن الراوي . وله مذهب خاص به وهو الآتي:
4 .ذهب ابن حبان إلى أن كل من روى عنه راو مشهور قد ارتفعت جهالة عينه وكل من ارتفعت جهالة عينه ولم يعرف فيه جرح فهو عدل ، أي أن جهالة الحال ترتفع مع جهالة العين إذا لم يعرف فيه جرح للعلماء .
وقد نص ابن حجر على مذهب ابن حبان هذا في لسان الميزان فقال: (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب ، والجمهور على خلافه) [21] .
إذن فما ذهب إليه البلقيني من أن ابن حبان يشترط رواية عدلين في إثبات عدالة الراوي يخالف المشهور من مذهب ابن حبان الذي قدمناه آنفًا .
وذهب ابن عبد البر إلى أن مجهول الحال يمكن أن ترتفع جهالته إذا اشتهر ـ في غير حمل العلم ـ بمكارم الأخلاق من زهد أو كرم أو نجدة . وقد نقل السخاوي قوله في فتح المغيث وهو (قبول روايته أن كان مشهورًا كأن يشتهر بالزهد أو النجدة أو الكرم فان اشتهر بالعلم فقبوله من باب أولى ) [22] .
(1) - كشف الأسرار - (ج 5 / ص 26)
(2) - المجموع شرح المهذب - (ج 6 / ص 277)
(3) - الأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 78) والإحكام في أصول الأحكام - (ج 1 / ص 324) فما بعد الشاملة 2
(4) - هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعلم من خرجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا ، وَسُئِلَ عَنهُ حَافظ زَمَاننَا جمال الدَّين الْمزي فَقَالَ: لَا أعرفهُ . وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» بَاب الحكم بِالظَّاهِرِ . ثمَّ أورد حَدِيث «إِنَّمَا أَنا بشر ...» وَقد أوردهُ الرَّافِعِيّ قبل هَذَا .البدر المنير - (ج 9 / ص 590)
(5) - لا أصل له في المرفوع
(6) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلاَلَ -يَعْنِى رَمَضَانَ - فَقَالَ « أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا » .سنن أبى داود (2342 ) وصحح جمع إرساله
(7) - -تهذيب التهذيب/ابن حجر 11/173 .
(8) - -الكامل في ضعفاء الرجال/ابن عدي/3/389 .
(9) - -الكفاية/ 111 .
(10) - نصب الراية - (ج 2 / ص 39)
(11) - الكفاية - بَابُ ذِكْرِ الْمَجْهُولِ وَمَا بِهِ تَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ
(12) - -تعجيل المنفعة برجال الأئمة الأربعة/ابن حجر 1/50 .
(13) - -تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير/ابن حجر/2/26 .و وانظر البدر المنير - (ج 9 / ص 282)
(14) - تهذيب التهذيب - (ج 1 / ص 77)
(15) - -لسان الميزان/ابن حجر 1/14 وانظر تفصيل كلام ابن حبان في كتابه الثقات 1/11-13 .
(16) - -معرفة الرواة المتكلم فيه بما لا يوجب الرد/ الذهبي 46 .
(17) - -مقدمة فتح الباري/ 384 .
(18) - نصب الراية - (ج 1 / ص 149)
(19) - -فتح المغيث/ السخاوي 1/320 .
(20) - -محاسن الإصلاح/ البلقيني 227 هامش مقدمة ابن الصلاح .
(21) - -لسان الميزان/ 1/14 .
(22) - -فتح المغيث/السخاوي 1/316 .