قال ابن الصلاح:"ثم بلغني عن أبي عمر بن عبد البر الأندلسي وجادة قال: كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول إلا أن يكون رجلًا مشهورا في غير حمل العلم كاشتهار (مالك بن دينار) بالزهد و (عمرو بن معدي كرب) [1] بالنجدة" [2] .
وذهب أبو الحسن علي بن عبد الله القطان إلى رفع جهالة الحال عن الراوي بتوثيق أحد أئمة الجرح له . أي أن مجهول العين الذي لم يرو له إلا واحد إذا وثق ذلك الراوي من قبل أحد أئمة الجرح والتعديل كان ذلك التوثيق كافيًا عنده في التعريف بحاله [3] . وهو نفس ما ذهب إليه ابن حجر فقال بقبول رواية مجهول العين إذا وثقه من ينفرد عنه أن كان متأهلًا لذلك [4] .
وعلى هذا الأساس بنى توثيقة لأحمد بن يحيى بن محمد في تهذيب التهذيب فاسمع إليه وهو يقول: قال الذهبي: (أحمد بن يحيى بن محمد لا يعرف ، قلت: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه ، وفي التعريف بحاله توثيقة له) [5] .
فمع أن أحمد بن يحيى هذا غير معروف عند العلماء لأنه لم يرو عنه سوى النسائي . فقد عده ابن حجر معروفًا ومعدلًا برواية النسائي وتعديله إياه .
وحكي الفيروزآبادي الشيرازي في كتابه التبصرة عن بعض الشافعية أنهم يعدِّلون من روى عنه الثقة مطلقًا فقال: (إذا روى الثقة عن المجهول لم يدل على عدالته، ومن أصحابنا من قال يدل على عدالته) [6] .
وذهب الغزالي إلى أن الثقة إذا روى عن المجهول وكان هذا الثقة لا يروي إلا عن العدول ولا يستجيز نقل الأحاديث الضعيفة عدَّ ذلك تعديلًا منه لمن روى عنه وإلا فلا فقال: (إذا روى المستجمع لخلال التعديل عن شخص واقتصر عليه فهل يجعل ذلك تعديلًا؟! والمختار أن ذلك كالتعديل من مالك ومن كل محدث لا يستجيز نقل الأحاديث الضعيفة وإلا فلا) [7] .
وذهب بعض العلماء إلى تعديل من عمل الثقة بموجب حديثه . قال الغزالي وهو يتحدث عما يعد توثيقا للراوي: (أن يعمل بموجب حديث لم ينقله إلا رجل واحد هل يجعل ذلك تعديلًا ؟ فيه خلاف. والمختار أنه أن أمكن حمل عمله على الاحتياط فلا ، وإن لم يمكن حمله فهو كالتعديل لأنه محصل للثقة) [8] .
ثالثًا: ما ترتفع به جهالة المبهم:
والمقصود بالمبهم من الرواة من لم يسمّ اسمه كنحو (حدثني رجل) أو (فلان) أو (حدثني الثقة) أو (من لا أتهم) إلى غيرها من الألفاظ التي لا تكشف عن اسم الراوي .
وللعلماء في رفع الجهالة الناتجة عن الإبهام طريقتان:
الأولى: طريقة التنصيص:
وهي أن ما ذكر مبهمًا في مكان ذكر صراحة في موضع آخر . وقد ذكر هذه الطريقة ابن حجر في نزهة النظر فذكر أنه يُستَدَلُّ على معرفَةِ اسمِ المُبْهَمِ بوُرودِه مِن طريقٍ أُخرى [ مسمّىً [ فيها ] [9] .
الثانية: طريقة استقراء منهج الراوي:
ومعناها أن يعرف من خلال الاستقراء أن الراوي الفلاني إذا قال حدثني الثقة مثلًا فإنما يعني به شخصا بعينه . مثاله إذا قال الشافعي: (حدثني الثقة عن الليث بن سعد فالثقة يحيى بن حسان التنيسي البكري) [10] .
وإذا قال: (حدثني الثقة عن ابن جريج فمراده بالثقة مسلم بن خالد المخزومي مولاهم) [11] .
ويعد هذا النوع من أصعب أنواع الاستكشاف للرواة لأن كل عالم له منهجه وطريقته الخاصة في إيراد ذكر شيوخه .
والأسباب التي تؤدي إلى وقوع الإبهام في الرواة هي:
أن الراوي يهمل ذكر اسم شيخه اختصارا ، إذا كان قد ذكره صريحًا في موضع آخر .
إن الراوي قد يهمل اسم شيخه تدلسيًا [12]
8-حكم رواية المجهول
الاعتبار الأول - حكم رواية المجهول باعتبار نوع الجهالة المتعلقة به:
ويمكن معرفة هذه الأحكام من خلال معرفتنا لأنواع الجهالة التي تلحق الراوي . وهي:
1-جهالة العين:
وللعلماء في حكم الراوي الذي جهلت عينه مذاهب وهي:
أولا: ذهب جمهور العلماء إلى عدم قبول رواية مجهول العين مطلقًا وحجتهم أن العدالة شرط في صحة الرواية فمن جهلت عينه جهلت عدالته من باب أولى.
يقول ابن كثير: (فأما المبهم الذي لم يسمّ اسمه أو من سمي ولا تعرف عينه فهذا من لا يقبل روايته أحد علمناه) [13]
وصرح ابن حجر بهذا فقال في اللسان: (إذ المجهول غير محتج به) [14]
ثانيا: ذهب الحنيفة ومن معهم إلى قبول روايته مطلقا لأنهم لم يشترطوا في الرواة مزيدًا على الإسلام .
يقول الدكتور فاروق حمادة (وقد قبل هذا النوع مطلقًا من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام ، وعزاه ابن المواق للحنفية حيث قال: إنهم لم يفصلوا بين من روى عنهم واحد وبين من روى عنه أكثر من واحد ، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق) [15] .
ثالثا: إذا تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن ثقة كعبد الرحمن بن مهدي قبلت روايته وإلا فلا:
قال الخطيب: (إذا قال العالم كل من اروي لكم عنه واسميه فهو عدل رضًا مقبول الحديث كان هذا القول تعديلًا منه لكل من روى عنه وسماه) [16] .
رابعا: ذهب علي بن عبد الله بن القطان إلى أن مجهول العين إذا زكاه مع راويه الواحد أحد أئمة الجرح والتعديل قبلت روايته . وإلا فلا [17] .
خامسا: ذهب ابن عبد البر إلى قبول رواية مجهول العين إذا كان مشهورًا بشيء من مكارم الأخلاق من نجدة أو كرم أو ما إلى ذلك من غير العلم . وإلا فلا . [18] قال ابن الصلاح: بلغني عن أبي عمر ابن عبد البر وجادة قال: (كل من لم يرد عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول إلا أمور يكون رجلًا مشهورًا في غير حمل العلم واشتهار مالك بن دينار بالزهد وعمرو بن معد مكرب بالنجدة) [19] .
2-جهالة الظاهر والباطن:
وللعلماء في قبول رواية من كان مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا مذاهب يمكن إجمالها فيما يلي:
أولا: ذهب جمهور المحدثين إلى عدم قبول رواية مجهول العدالة - ظاهرًا وباطنًا - لأن العدالة - كما قدمنا - شرط في صحة الرواية ، ومن جهلت عدالته في الظاهر والباطن فجماهير العلماء على روايته .
ثانيا: نسب إلى أبي حنيفة وأتباعه قبول روايته مطلقًا اكتفاءً منهم بظاهر الإسلام وعدم ظهور ما يفسق به أنواعها ترد روايته . وقد عقب البلقيني على كلام ابن الصلاح حينما قال: (ومجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعًا روايته غير مقبولة عند الجماهير) [20] بقوله (فائدة: أبو حنيفة يقبل مثل هذا) [21] .
ثالثا: ذهب ابن حجر ومن معه إلى أن مجهول العدالة إن كان من انفرد عنه ممن لا يروي إلا عن ثقة قبلت روايته وإلا فلا [22] .
3-جهالة الباطن:
وهي أن يكون الراوي عدلًا في ظاهره ، مجهول العدالة من حيث الباطن . وهو ما يسمى بالمستور عند المحدثين .
وللعلماء في قبول رواية المستور مذاهب يمكن إجمالها فيما يلي:-
أولا: ذهب الجمهور إلى عدم قبول روايته ما لم تثبت عدالته . وهو قول الشافعي . ومبناه أن أمور رواية الراوين عنه تعريف به لا توثيق له وأن قبول الرواية مبني على التوثيق لا على التعريف . [23] .
ثانيا: ذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى قبول روايته ما لم يعلم الجرح فيه .
قال السيوطي [24] :(وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خفيُّ البَاطن أي: مجهول العَدَالة باطنًا يحتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قول بعض الشَّافعيين كسليم الرَّازي.
قال: لأنَّ الإخبار مَبْنيٌّ على حُسْن الظَّن بالرَّاوي, ولأنَّ رِوَاية الأخبار تَكُون عند من يتعذَّر عليه معرفة العَدَالة في الباطن, فاقتصر فيها على مَعْرفة ذلك في الظاهر, بخلاف الشَّهادة, فإنَّها تَكُون عند الحُكَّام, فلا يتعذَّر عليهم ذلك.
قال الشَّيخ ابن الصَّلاح [25] : ويشبهُ أن يَكُون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتب الحديث المشهورة في جَمَاعة من الرُّواة تقادم العهد بهم, وتعذَّرت خبرتهم باطنًا وكذا صحَّحه المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» .).
قلت: قال النووي في شرح المهذب [26] :
"وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَنْ نَقْبَلُهُ . وَأَمَّا الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ , فَإِنْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ عَدْلَانِ اُشْتُرِطَتْ , وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ , قَالُوا: وَهُمَا جَارِيَانِ فِي رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , الْحَدِيثَ ( وَالْأَصَحُّ ) قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ , وَكَذَا الْأَصَحُّ قَبُولُ قَوْلِهِ هُنَا وَالصِّيَامُ بِهِ , وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَالْعُدَّةِ وَالْمُتَوَلِّي ,"
ثالثا: وذهب إمام الحرمين إلى القول بالتوقف في رواية المستور حتى يتبين حاله فقد قال:
(لا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة على استبانة حالته) [27] .
وقد اختار الحافظ ابن حجر هذا القول وتبناه حينما قال: (والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها بل هي موقوفة على استبانة حاله) [28] .
والخلاصة أن مجهول الحال له صورتان:
الأولى: كون الراوي معروفًا برواية أكثر من واحد عنه .
والثانية: روى عنه واحد ، لكن انضمت إليه قرينة زادت من قدر العلم به ، كمجيء ذكره في خبر لا في إسناد ، أو أن يكون العلم به وبحديثه جاءنا من رواية ثقة عنه لم يعرف بالرواية عن المجروحين ، كإبراهيم النخعي ، وسفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح .
لكنه مع العلم بوجوده وارتفاع جهالة عينه فإنه لم تثبت أهليته في الحديث .
نعم ، تثبت له العدالة الدينية بذلك ... .
ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: ( مجهول الحال ) ، وربما أطلق بعض علماء الجرح والتعديل وصف: ( مجهول ) ويعنون هذا المعنى ، كما يقع من أبي حاتم الرازي .
ويوصف هذا أيضًا بـ ( المستور ) .
وزوال الراوي بجهالة الحال إنما يكون باختبار حديثه وتبين حفظه وإتقانه بذلك ، وهو الطريق الذي سلكه أئمة الحديث للحكم على الرواة ، فإن ثبت حفظه فهو ثقة أو صدوق ، وإن تبين سوء حفظه نزل على ما يناسبه من الأصاف .
وقد لا يتهيأ للناقد تبين حال الراوي إذا كان لم يرو إلا القليل من الحديث ، فيثبت له الوصف بالجهالة الموجبة لرد حديثه ، حتى تندفع عنه شبهة الضعف بالمتابعة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سألته عن عطاء العطار ؟ فقال:"روى عنه حماد بن سلمة ، وهشام بن حسان"فقلت: كيف حديثه ؟ فقال:"كم روى ؟ ! شيئًا يسيرًا" [29] .
وقال ابن عدي في ( عمران بن عبد الله البصري ) :"غير معروف ، وأنكر عليه البخاري الحديث الواحد في التسبيح ، وإذا كان الرجل غير معروف بالروايات ؛ فإنه يقع في حديثه المناكير" [30] .
وقال البخاري في ( قيس أبي عمارة الفارسي ) :"فيه نظر" [31] ، فقال ابن عدي:"هذا الذي أشار إليه البخاري إنما هو حديث واحد ، وليس الذي يبين من الضعف في الرجل وصدقه إذا كان له حديث واحد" [32] .
وقال ابن عدي في ( سلم العلوي ) :"قليل الحديث جدًا ، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليلًا ، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف ، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر" [33] .
4-جهالة الإبهام:
ويعنى بجهالة الإبهام أن الراوي لم يسمّ وإنما يذكر مبهمًا ويأتي على ضربين:-
أولا: إبهام لا يفيد التوثيق:
كأن يقول حدثني رجل ، أو بعضهم ، وحكم رواية المبهم عند العلماء كالأتي:-
1.ذهب جمهور العلماء إلى عدم قبول رواية المبهم (لأن شرط قبول الرواية معرفة عدالة الراوي ، ومن أبهم اسمه لا نعرف عينه فكيف نعرف عدالته وضبطه) [34] .
2.لكن إذا وقع الإبهام من رجل آلى على نفسه ألا يحدث إلا عن ثقة وهو ممن يعتد برأيه كعبد الرحمن بن مهدي مثلًا . فإنه يحتج به عند من قال أن جهالة الحال تزول بتوثيق واحد من أئمة الجرح والتعديل . والجمهور على عدم ثبوتها . لما بينه الخطيب حينما قال: (242 أَخْبَرَنَا بُشْرَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيُّ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّاشِدِيُّ ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ , يَقُولُ:"إِذَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ , فَرِوَايَتُهُ حُجَّةٌ , قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَوَّلًا يَتَسَهَّلُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ , ثُمَّ شَدَّدَ بَعْدُ , كَانَ يَرْوِي عَنْ جَابِرٍ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ ثُمَّ تَرَكَهُ"وَهَكَذَا إِذَا قَالَ الْعَالِمُ: كُلُّ مَنْ رَوَيْتُ عَنْهُ فَهُوَ ثِقَةٌ وَإِنْ لَمْ أُسَمِّهِ , ثُمَّ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ , فَإِنَّهُ يَكُونُ مُزَكِّيًا لَهُ , غَيْرَ أَنَّا لَا نَعْمَلُ عَلَى تَزْكِيَتِهِ , لِجَوَازِ أَنْ نَعْرِفَهُ إِذَا ذَكَرَهُ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ , وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمُرْسَلِ مِنَ الْأَخْبَارِ , إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , فَأَمَّا إِذَا عَمِلَ الْعَالِمُ بِخَبَرِ مَنْ رَوَى عَنْهُ لِأَجْلِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْدِيلًا لَهُ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ إِلَّا وَهُوَ رِضًا عِنْدَهُ عَدْلٌ , فَقَامَ عَمَلُهُ بِخَبَرِهِ مَقَامَ قَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ مَقْبُولُ الْخَبَرِ , وَلَوْ عَمِلَ الْعَالِمُ بِخَبَرِ مَنْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ كَذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ عَدْلًا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ وَالرُّجُوعُ إِلَى تَعْدِيلِهِ , لِأَنَّهُ إِذَا احْتَمَلَتْ أَمَانَتُهُ أَنْ يَعْمَلَ بِخَبَرِ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُ , احْتَمَلَتْ أَمَانَتُهُ أَنْ يُزَكِّيَ وَيُعَدِّلَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ) [35] (ولأن إضراب المحدث عن تسمية شيخه ريبة توقع ترددًا في القلب) [36] .
ثانيا: إبهام يفيد التوثيق:
وهو على درجتين: الأول ، أن يقول حدثني الثقة ، أو الحافظ أو نحو ذلك والثانية أن يقول حدثني من لا أتهم . ولا شك أن النمط الأول آكد وأشد في إثبات عدالة من أبهم . لأن قوله (من لا أتهم) لا يحمل من قوة التوثيق ما يحمله الأول .
وللعلماء من رواية من أبهم على التعديل مواقف نجملها فيما يأتي:-
أولا: ذهب الخطيب البغدادي والصيرفي الفقيه وغيرهما إلى أن التعديل على الإبهام لا يجزئ من غير تسمية المعدل .. (وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع ، فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف) [37] .
ثانيا: نقل عن أبي حنيفة (أن ذلك يكفي تعديلًا للراوي) [38] وهو مبني على أن الموثق مؤتمن على ذلك ، وهو نظير الاحتجاج بالمرسل من جهة أن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه ، فكأنه عدله ، فالقبول في هذه المسألة من باب أولى لأن الإبهام قد دفع بلفظ التوثيق الصريح [39] .
ثالثا: أما إذا كان التعديل من قبل رجل لا يروي إلا عن ثقة ، فروايته مقبولة لأنه توثيق صريح لذلك الراوي: وهو عندي أقوى ممن قبل توثيق مجهول الحال برواية من لا يروي إلا عن ثقة . والله أعلم .
المذهب الثاني:موقف العلماء من رواية المجهول بالنظر إلى طبقته .
ومن العلماء من تعامل مع المجاهيل ومروياتهم من جهة قربهم أو بعدهم عن عصر الرسالة .
وبهذا الاعتبار فأنهم صنفوا المجاهيل إلى أربع طبقات ، كل طبقة لها حكمها الخاص بها . وهذه الطبقات هي:-
1-المجاهيل من الصحابة:
والمقصود بالمجهول من الصحابة هو من جهل اسمه أو جهل اشتهاره بالعلم . والعلماء مجمعون على أن الجهالة مرفوعة عن الصحابة لأن عدالتهم ثابتة بتعديل الله تبارك وتعالى لهم.
2-المجاهيل من كبار التابعين وأوساطهم:
وهم الذين تتلمذوا على أيدي الصحابة الكرام فأمثال هؤلاء يقبل حديثهم إذا سلم من المخالفة . قال الذهبي: (وأما المجهولون من الرواة فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ) [40] .
3.إذا كان من صغار التابعين:-
وأما إذا كان الراوي من صغار التابعين فإن العلماء قالوا في روايته ما يلي:- (وأما إن كان الرجل منهم - أي من المجاهيل - من صغار التابعين فسائغ رواية خبره ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي وتحريه) [41] .
4.إذا كان من تابع التابعين فما بعدهم:
وأما أن كان الراوي من تابع التابعين فمن بعدهم فهو أضعف لخبره سيما إذا انفرد به [42] ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد للقرون الثلاثة الأول بالخيرية على سائر الأجيال . فعَنْ أَبِى جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خَيْرُ أُمَّتِى قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » . قَالَ عِمْرَانُ فَلاَ أَدْرِى أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا « ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَنْذُرُونَ وَلاَ يَفُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ » [43] ْْ.
المذهب الثالث: حكم رواية المجهول بالنظر إلى وثاقة من يروي عنهم:
ومن العلماء من كان ينظر إلى المجاهيل وحكم مروياتهم من خلال النظر إلى مرتبة من يروي عن أولئك المجاهيل . من حيث الوثاقة والاعتبار . ومن هذا المنظار فان رواية المجاهيل يمكن تصنيفها كالأتي:-
حكم رواية المجهول إذا روى عنه الضعفاء:-
فهؤلاء لم أجد من العلماء من ذهب إلى اعتبار روايته سواء المتشددون منهم أو المتساهلون ، فهذا ابن حبان على الرغم من تساهله في التوثيق فانه يقول: (وأما المجاهيل الذين لم يروِ عنهم إلا الضعفاء فإنهم متروكون على الأحوال كلها) [44] ،لأن الضعف قد انتاب روايتهم من طرفين الأول جهالة الراوي والثاني ضعف الناقلين لتلك الرواية .
حكم رواية المجهول إذا روى عنه المشهورون:
أما إذا روى عن المجهول أناس عدول أو مشهورون فإن للعلماء في قبول روايته مذاهب قدمناها آنفًا عند حديثنا على رواية مجهول الحال .
3.حكم رواية المجهول إذا روى الإثبات عنه:
أما إذا انفرد الثقات الإثبات بالرواية عن ذلك المجهول فإن حكم روايته عند العلماء كما يلي:-
1.ذهب جمهور العلماء إلى عدم قبول روايته حتى تثبت عدالته لجواز أن يروي الثقة عمن ليس بثقة ظنًا منه أنه ثقة . وهو مبني على أن رواية الثقة عن غيره ليست توثيقًا له [45] .
2.مذهب من يرى أن رواية الثقة عن غيره تعديل له أن من روى عن المجهول وهو ثقة قبلت روايته عنه .
يقول الدكتور فاروق حمادة (وهذا في الحقيقة لازم لكن من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها تعديل له ، بل عزاه النووي في مقدمة شرحه على مسلم لكثير من المحققين وكذلك محمد بن اسحق بن خزيمة ذهب إلى أن جهالة العين ترتفع براو واحد مشهور واليه يومئ قول ابن حبان: العدل من لم يعرف فيه جرح فمن لم يجرح فهو عدل حتى يثبت جرحه) [46] .
وصرح ابن حبان بهذا وهو يتكلم عن منهجه في ثبوت العدالة فقال: (إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو ثقة) [47] .
8-جهالة الراوي سببٌّ لردِّ حديثه
الجهالة سبب لرد حديث الراوي ، ما لم تثبت استقامة حديثه ذلك .
وهذا قديم عند أهل العلم أنهم لا يحتجون بحديث المجهول .
قال عبد الله بن عون:"لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب" [48] .
(1) - -لا يصح التمثيل هنا عمرو بن معدي كرب . لأنه صحابي وترجمته في الإصابة (4 /691 ) . ومعلوم أن الصحابي لا يضر إبهامه فكيف إذا عرف اسمه .
(2) - -مقدمة ابن الصلاح/ 496 .
(3) - -فتح المغيث/ 1/317 .
(4) - -نزهة النظر/ 50 .
(5) - -تهذيب التهذيب 1/77 .
(6) - -التبصرة/ الفيروز آبادي الشيرازي/ 339 .
(7) - -المنخول/ الغزالي 264 .
(8) - -المنخول/ 264 .
(9) - -نزهة النظر/ 49 .
(10) - (1) -تقريب التهذيب/ابن حجر/ 589 .
(11) - -المصدر السابق/ 529 .
(12) - انظر جرح الرواة وتعديلهم - (ج 7 / ص 17)
(13) - -اختصار علوم الحديث/ابن كثير 81 وانظر الموجز 157 والجرح والتعديل (بحث في الرسالة الإسلامية/ د. حارث سليمان الضاري 83-84 .
(14) - -لسان الميزان لابن حجر 1/4 .
(15) - -المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل/ فاروق حمادة ص 306 .
(16) - -الغاية/ 115 .
(17) - -نزهة النظر/ 50 .
(18) - -فتح المغيث 1/316 .
(19) - -مقدمة ابن الصلاح/ 496 .
(20) - -مقدمة ابن الصلاح 225 .
(21) - -محاسن الإصلاح/ هامش مقدمة ابن الصلاح/ للبلقيني 225 .
(22) - -انظر الكفاية 115 ، والخلاصة في أصول الحديث/ للطبي 93 ، وقواعد في علوم الحديث/ التهانوي 203 ، وعلوم الحديث ونصوص من الأثر/ 75 .
(23) - -مقدمة ابن الصلاح/ 225 ، وتدريب الراوي 1/316-317 .
(24) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)
(25) - -مقدمة ابن الصلاح/ 225 .
(26) - المجموع شرح المهذب - (ج 6 / ص 277)
(27) - -البرهان في أصول الفقه/ الجويني 1/615 .
(28) - -نزهة النظر/ ابن حجر 50 .
(29) - العلل ومعرفة الرجال ، لأحمد بن حنبل ( النص: 786 ) .
(30) - الكامل ( 6 / 173 ) .
(31) - التاريخ الأوسط ( 2 / 108 ) .
(32) - الكامل ( 7 / 171 ) .
(33) - الكامل ( 4 / 352 ) .
(34) - -المصدر السابق/ 49 .
(35) - -الكفاية/ 115 .
(36) - -مقدمة ابن الصلاح/ 224 .
(37) - -مقدمة ابن الصلاح/ 224 .
(38) - -فتح المغيث/ 1/308 ، إرشاد الفحول/ 67 .
(39) - -انظر ضوابط الجرح والتعديل/ 77 .
(40) - -ديوان الضعفاء والمتروكين/ الذهبي 374 .
(41) - -المصدر السابق 374 .
(42) - -المغني في الضعفاء/ المقدمة 1/ك .
(43) - صحيح البخارى (3650 )
(44) - -لسان الميزان 1/14 .
(45) - -الكفاية/ 112 .
(46) - -المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل/ د. فاروق حمادة/ 306 .
(47) - -الصحيح/ لابن حبان 1/115 .
(48) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 1 / 1 / 28 ) والرامهرمزي في"المحدث الفاصل" ( ص: 405 ) وابنُ عدي ( 1 / 257 ) والخطيب في"الكفاية" ( ص: 251 ) من طريق إبراهيم بن المنذر الحِزامي ، قال: سمعت أيوب بن واصل يقول: سمعت عبد الله بنَ عون ، به . وإسناده حسن .