وقال الشافعي:"قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ طَلَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ مُخْبِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُخْبِرًا آخَرَ غَيْرَهُ ، قِيلَ لَهُ: إِنَّ قَبُولَ عُمَرَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَعَ مُخْبِرٍ مُخْبِرًا غَيْرَهُ إِلَّا اسْتِظْهَارًا ، لَا أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ مَرَّةً وَلَا تَقُومُ أُخْرَى ، وَقَدْ يَسْتَظْهِرُ الْحَاكِمُ فَيَسْأَلُ الرَّجُلَ قَدْ شَهِدَ لَهُ عِنْدَهُ الشَّاهِدَانِ الْعَدْلَانِ زِيَادَةَ شُهُودٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِلَ الشَّاهِدَيْنِ ، وَإِنْ فَعَلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ جَهِلَ الْمُخْبِرَ ، وَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ جَهِلَهُ ، وَكَذَلِكَ لَا نَقْبَلُ خَبَرَ مِنْ جَهِلْنَاهُ ، وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْهُ بِالصِّدْقِ وَعَمَلِ الْخَيْرِ ." [1] .
وقال:"قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ , وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ , يَذْهَبُونَ إِلَى أَنْ لَا يَقْبَلُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَمَّنْ عَرَفَ وَحَفِظَ , وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا الْمَذْهَبَ , وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا حَدَّثَهُ رَجُلٌ حَدِيثًا , قَالَ: إِنْ كَانَ حَدَّثَكَ حَافَظٌ مَلِيُّ وَإِلَّا فَلَا تُحَدِّثْ عَنْهُ" [2] .
وقال البيهقي:"لا يجوز الاحتجاج بأخبار المجهولين" [3] .
وقال الذهبي:"لا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة ، ولا انتفت عنه الجهالة" [4] .
وقال ابن رجب:"ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح ولا يحتج به" [5] .
قلت: وقد جرح الأئمة بالجهالة ، وردوا بها الكثير من الحديث .
فمن أمثلته ( هبيرة بن يريم الشيباني ) ، تابعي تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي ، قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عنه قلت: يحتج بحديثه ؟ قال:"لا ، هو شيبه بالمجهولين" [6] .
وهذا ابن عدي أدخل في المجروحين جماعة من المجهولين كانت حجته تعود تارة إلى نكارة حديثهم ، وتارة إلى قلة الرواية بحيث لا يتبين من مقدارها استقامة ما رووا ، فمن كلامه:
قوله في ( إبراهيم بن عبد السلام المخزومي ) :"ليس بمعروف ، حدث بالمناكير ، وعندي أنه يسرق الحديث" [7] .
وقوله في ( إبراهيم بن هانئ ) شيخ لبقية بن الوليد:"ليس بالمعروف ، يحدث عنه بقية ، ويحدث إبراهيم هذا عن ابن جريج بالبواطيل" [8] .
وقوله في ( إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي ) :"ليس بمعروف ، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة" [9] .
وقوله في ( بشير بن زياد الخراساني ) :"غير مشهور ، في حديثه بعض النكرة"وقال:"ليس بالمعروف ، إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه ، ولم أجد أحدًا يروي عنه غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة" [10] .
وقوله في ( بكر بن يزيد المدني ) :"ليس بمعروف ، ولا أعلم يروي عنه غير القعنبي [11] ، وهو مجهول من أهل المدينة ، والقعنبي أصله من المدينة سكن البصرة ، ويروي عن قوم من أهل المدينة غير معروفين ، لا يروي عنهم غيره" [12] .
وقال مثل هذا في ( بهلول بن راشد ) [13] ، و ( سليمان بن أبي خالد البزار ) [14] ، و ( سليط بن مسلم ) [15] , و ( عبد الله بن سليمان ) [16] ، وهؤلاء جميعًا روى عنهم القعنبي .
وقوله في ( تمام بن بزيع السعدي ) :"ليس بالمعروف ، ولا يحدث عنه من البصريين غير محمد بن أبي بكر المقدمي ، وهو قليل الحديث" [17] .
وقوله في ( الحسن بن عبد الله الثقفي ) :"ليس بمعروف ، منكر الحديث"، وقال بعد أن ذكر له حديثين:"وهذان الحديثان بهذا الإسناد منكران ، ولا أعلم أنّ للحسن بن عبد الله الثقفي غيرهما ، وإن كان للحسن رواية غير ما ذكرته يكون مثل ما ذكرته في الإنكار" [18] .
وقوله في ( محمد بن عباد بن سعد ) شيخ لمعن بن عيسى:"ليس بالمعروف ، ومعن يحدث عن قوم ٍ من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين" [19] .
وكذلك صنع العقيلي ، فمن كلامه في جماعة من المجهولين:
قوله في ( إياس بن أبي إياس ) :"مجهول ، حديثه غير محفوظ" [20] .
وقوله في ( إبراهيم بن زكريا الواسطي ) :"مجهول ، وحديثه خطأ" [21] .
وقوله في ( إبراهيم بن عبد الرحمن الجبلي ) :"ليس بمعروف في النقل ، والحديث غير محفوظ" [22] .
وقوله في ( بلهط بن عباد ) :"مجهول في الرواية ، حديثه غير محفوظ ، ولا يتابع عليه" [23] .
وقوله في ( الحسن بن علي الهمداني ) :"مجهول ، لا يتابع على حديثه ، ولا يعرف إلا به" [24] .
وهكذا رأيت من صنيع ابن حبان ، لكن على خطته فيمن لم يرو عنه إلا مجروح ، فمن كلامه:
قوله في ( عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري ) ، وذكر له أثرًا عن علي بن أبي طالب:"من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة":"هذا شيء لا أصل له عن علي ، .. وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول ، ما أعلم له شيئًا يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه .." [25] .
وقوله في ( عبد الله بن زياد سليم القرشي ) :"شيخ مجهول ، يروي عن عكرمة ، روى عنه بقية بن الوليد ، لست أحفظ له راويًا غير بقية"وذكر له من تفرده ما لا يحتمل [26] .
وقوله في رجل يقال له: ( أبو زيد ) :"يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه ، ليس يدري من هو ، لا يعرف أبوه ولا بلده ، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ، ولا يحتج به"، وذكر له حديثًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بالنبيذ [27] .
وكذلك الشأن عند الدار قطني ، فجرح جماعة بقوله في أحدهم:"مجهول يترك"أو"مجهول متروك".
قال ذلك في: إسحاق بن عمر ، يروي عن عائشة [28] ، وفي: علي بن أبي فاطمة ، يحدث عن يونس بن بكير [29] ، وفي: عمرو بن أبي نعيمة المعافري [30] ، وحابس اليماني ، يروي عن أبي بكر الصديق [31] وفي: يزيد بن زيد مولى أبي أسيد البدري [32] ، وفي: أبي مريم الثقفي ، يروي عن عمار بن ياسر [33] .
وهذا الذي ذكرت يوضح منهجًا مشتركًا عند هؤلاء الأئمة ، هو: أن الراوي يكون مجهولًا ويأتي بالحديث بما لا يعرف وجهه إلا من طريقه ، ولكون الشبهة في ضعفه قد قويت من جهة ما تفرد به إسنادًا أو متنًا أو كليهما ، فقد صار في عداد المجروحين .
ولا يلحق بالثقات إلا من ثبت تحديثه بالمحفوظ من الحديث دون غيره من أولئك المجهولين .
9-القول في رواية المستور
وقال الزركشيُّ رحمه الله [34] :
"الثَّانِي: الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْبَلُ مَا لَمْ يُعْلَمْ الْجَرْحُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ تُعْلَمْ الْعَدَالَةُ كَالشَّهَادَةِ ، وَكَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ جَزْمِ الشَّافِعِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ ، وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، وَنَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ: نُصَّ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْتُورِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ ."
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْعَدْلِ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ": وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى جَهَالَةِ الْحَالِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ خَصْمًا يُطَالِبُ بِالْعَدَالَةِ ، فَجَازَ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ إذَا تَرَكَ الْخَصْمُ حَقَّهُ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ كَمَا قُلْنَا بِالِاتِّفَاقِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ ."
وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ مِنَّا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ ، كَمَا رَأَيْت ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَكَذَا وَافَقَهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِ"التَّقْرِيبِ"، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْإِخْبَارَ مَبْنِيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي ، وَلِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ تَكُونُ عِنْدَ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ ، فَاقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ ، وَيُفَارِقُ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَالَةُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ الَّذِينَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِهِمْ ، وَتَعَذَّرَتْ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ بِهِمْ ،وَإِلَى نَحْوِهِ مَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيمَنْ عُرِفَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَسَنَذْكُرُهُ .
قُلْتُ: وَذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَيَّدُوا مَا سَبَقَ عَنْهُمْ بِصَدْرِ الْإِسْلَامِ ، حَيْثُ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْعَدَالَةُ ، وَأَمَّا الْمَسْتُورُ فِي زَمَانِنَا فَلَا يُقْبَلُ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الرَّشَادِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقْبَلُ فِي زَمَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ .
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي"التَّقْوِيمِ": الْمَجْهُولُ خَبَرُهُ حُجَّةٌ إنْ نَقَلَ عَنْهُ السَّلَفُ ، وَعَمِلُوا بِهِ أَوْ سَكَتُوا عَنْ رَدِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَيُعْمَلْ بِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْقِيَاسَ اهـ.
وَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ ابْنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ"أَنْ يُوَثِّقَ مَنْ كَانَ فِي الطَّبَقَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ التَّابِعِينَ .
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: اسْتَقْرَيْت ذَلِكَ مِنْهُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ عَلَى ذَلِكَ الْعَصْرِ ، مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ مَا يَقْتَضِي التَّضْعِيفَ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُوقَفُ ، وَيَجِبُ الِانْكِفَافُ إذَا رُوِيَ التَّحْرِيمُ إلَى الظُّهُورِ فَتَحَصَّلْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ .
وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي"شَرْحِ الْمُهَذَّبِ"تَصْحِيحَ قَبُولِ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ ، وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِمَسْتُورِي الْعَدَالَةِ ، فَالرِّوَايَةُ أَوْلَى ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ: قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ إنَّمَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَضَاءِ بِالنِّكَاحِ ، لَا مَنْزِلَةَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ ، وَالنِّكَاحُ لَا يُقْضَى فِيهِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورٍ ، فَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَشْهُورِ .
وَقَالَ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ": إنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ اعْتَقَدَ أَنَّ شُهُودَ النِّكَاحِ عُدُولٌ فِي ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ نَاقَضَ مَا قَالَهُ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ وَمُعْظَمُهَا ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ عَدَالَةً فَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ قَوْلِهِ .انْتَهَى .
وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ ، وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَلَامَهُ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ"أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَجْهُولُ ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ ، وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ."
ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَسْتُورِ مَنْ يَكُونُ عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ ، وَلَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَبَعًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي"النِّهَايَةِ"أَنَّ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ هِيَ الَّتِي تَرْجِعُ فِيهَا الْقُضَاةُ إلَى قَوْلِ الْمُزَكِّينَ ، وَسَبَقَ عَنِ النَّصِّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُهُ .
وَفَسَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَسْتُورَ بِاَلَّذِي لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ نَقِيضُ الْعَدَالَةِ ، وَلَمْ يَبْقَ الْبَحْثُ عَلَى الْبَاطِنِ فِي عَدَالَتِهِ ، وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ الِاسْتِقَامَةُ بِلُزُومِ أَدَاءِ أَوَامِرِ اللَّهِ ، وَتَجَنُّبِ مَنَاهِيهِ وَمَا يَثْلِمُ مُرُوءَتَهُ ، أَيْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمْ لَا .
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَكْفِيهِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ ، حَتَّى يَتَوَقَّى مَعَ ذَلِكَ لِمَا يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَغِيرَةً كَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ ، وَتَطْفِيفِ الدَّانِقِ وَنَحْوِهِ .
الثَّالِثُ: مَجْهُولُ الْعَيْنِ ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ ، فَالصَّحِيحُ لَا يُقْبَلُ ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الرَّاوِي مَزِيدًا عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، فَاكْتَفَيْنَا فِي التَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ بِالزُّهْدِ وَالنَّجْدَةِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَقِيلَ: إنْ زَكَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَعَ رِوَايَتِهِ وَأَخَذَهُ عَنْهُ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثِ ، صَاحِبِ كِتَابِ"الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ".
قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَقَلُّ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَغَيْرِهِ .
قُلْتُ: وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ ابْنِ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِهِ وَصَحِيحِهِ:""ارْتِفَاعُ الْجَهَالَةِ بِرِوَايَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّسَائِيّ أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا رَوَى عَنْهُ وَاحِدٌ فَقَطْ فَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَإِذَا رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مَعْلُومٌ انْتَفَتْ عَنْهُ الْجَهَالَةُ .
قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي الْجَمَاعَةُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُونَ ، وَلَا يُخْبِرُونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ ، وَيُحَدِّثُونَ بِمَا رَوَوْا عَنْهُ ، وَلَا تُخْرِجُهُ رِوَايَتُهُمْ عَنْهُ عَنِ الْجَهَالَةِ إذَا لَمْ يَعْرِفُوا عَدَالَتَهُ .
قُلْت: مُرَادُ الْمُحَدِّثِينَ ارْتِفَاعُ جَهَالَةِ الْعَيْنِ لَا الْحَالِ ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ رِوَايَةَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْجَمَةِ فِي الشَّهَادَةِ .""
قلتُ:
ورواية مستور الحال يحتجُّ بها لدى طائفةٍ معتبرةٍ من العلماء ، قال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي [35] :
"وروايةُ المَسْتُور, وهو عدل الظَّاهر, خفيُّ البَاطن أي: مجهول العَدَالة باطنًا يحتجُّ بها بعض من ردَّ الأوَّل, وهو قول بعض الشَّافعيين كسليم الرَّازي."
قال: لأنَّ الإخبار مَبْنيٌّ على حُسْن الظَّن بالرَّاوي, ولأنَّ رِوَاية الأخبار تَكُون عند من يتعذَّر عليه معرفة العَدَالة في الباطن, فاقتصر فيها على مَعْرفة ذلك في الظاهر, بخلاف الشَّهادة, فإنَّها تَكُون عند الحُكَّام, فلا يتعذَّر عليهم ذلك [قال الشَّيخ ابن الصَّلاح[36] : ويشبهُ أن يَكُون العمل على هذا الرأي في كثير من كُتب الحديث المشهورة في جَمَاعة من الرُّواة تقادم العهد بهم, وتعذَّرت خبرتهم باطنًا وكذا صحَّحه المُصنِّف في «شرح المُهذَّب» .
10-أصولٌ في الراوي المجهول
الأصل الأول: مجاهيل التابعين أرفع ممن بعدهم لندرة الكذب يومئذ .
هذا الأصل بالنظر إلى ندرة ما ينكر من أحاديث من أحاديث تلك الطبقة ، على أن هذا لا يدل على قبول حديث من كان كذلك منهم ، إنما المقصود تفاوت أثر النعت بالجهالة فيما بينهم وبين من بعدهم .
وقال الشافعي:"أَخْبَرَنَا عَمِّي ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ:"إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَأَسْتَحْسِنُهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذِكْرِهِ إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنِّي سَامِعٌ فَيَقْتَدِي بِهِ . أَسْمَعُهُ مِنَ الرَّجُلِ لَا أَثِقُ بِهِ قَدْ حَدَّثَهُ عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ ، وَأَسْمَعُهُ مِنَ الرَّجُلِ أَثِقُ بِهِ قَدْ حَدَّثَهُ عَمَّنْ لَا أَثِقُ بِهِ". وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ:"لَا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا الثِّقَاتُ" [37] "
قال ابن عبد البر:"في خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة" [38] .
وهكذا جاء عن غير واحد من التابعين أنهم لم يكونوا يقبلون الحديث إلا عمن ثبت عندهم أنه ثقة .
قال الشافعي:"وما زال أهل الحديث في القديم والحديث يثبتون فلا يقبلون الرواية التي يحتجون بها ويحلون بها يحرمون بها إلا عمن أمنوا" [39] .
لكن لو قارنت بين مجاهيل التابعين والمجاهيل بعدهم ، وجدت أكثر من بقي له نعت الجهالة فيمن بعدهم قد روي عنه من الحديث ما عدت الآفة فيه منه ، كشيوخ بقية بن الوليد وغيره ممن كانوا يروون عن المجهولين الأحاديث المنكرة .
وفي علل الحديث لابن أبي حاتم (180) وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ ؛ رَوَاهُ بَقِيَّةُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ الأَنْمَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، وَأَبُو سُفْيَانَ الأَنْمَارِيُّ مَجْهُولٌ". [40] "
قلتُ: الأنماري هذا من طبقة أتباع التابعين ، أتى بهذا الإسناد النظيف الذي لا يعرف عن غيره ، فلظهور نكارة الإسناد والجزم بكونه باطلًا أن يروي به هذا الحديث ، حمل هذا المجهول تبعته .
الأصل الثاني: المجهولات من النساء .
يقلُّ في النساء من روين الحديث ويقلُّ فيمن رواه منهن من عرفن ، ومن عرفن فقد عرفن بالثقة ، وندرَ في النساء من جرحت بسبب من أسباب الجرح المتقدمة ، لكن أكثرهن مجهولات .
وأكثر من ذكرن بالرواية منهن كن من الطبقات المتقدمة ، من الصحابيات ومن قرب من عهدهن .
ولعل ما ذكرت من غلبة الجهالة على النساء أنهم لم يكونوا يرغبون في الرواية عنهن ؛ لأنها رواية عن المجهولات .
قال أبو هاشم الرماني:"كانوا يكرهون الرواية عن النساء ، إلا عن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -" [41] .
(1) - اختلاف الحديث ( ص: 45 ) . و معرفة السنن والآثار (10)
(2) - الأم ( 12 / 369 ) .
(3) - الخلافيات ( 2 / 178 - 179 ) .
(4) - ميزان الاعتدال ( 2 / 234 ) .
(5) - شرح علل الترمذي ( 1 / 347 ) .
(6) - الجرح والتعديل ، لابن أبي حاتم ( 4 / 109 - 110 )
قلت: قد روى عنه اثنان ووثقه عدة والصواب أنه حسن الحديث يحتج به انظر: تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 570 ] (7268) الكاشف [ ج 2 - ص 334 ] (5941 ) والثقات لابن حبان [ ج 5 - ص 511 ] (5989) والثقات للعجلي [ ج 2 - ص 325 ] (1885) والكامل في الضعفاء [ ج 7 - ص 133 ] 2049 )
(7) - الكامل في ضعفاء الرجال ( 1 / 419 ) .
(8) - الكامل ( 1 / 421 ) .
(9) - الكامل ( 1 / 422 ) .
(10) - الكامل ( 2 / 183 ) .
(11) - هوَ عبد الله بن مسلمة القعنبي .
(12) - الكامل ( 2 / 201 ) .
(13) - الكامل ( 2 / 251 ) .
(14) - الكامل ( 4 / 295 ) .
(15) - الكامل ( 4 / 549 ) .
(16) - الكامل ( 5 / 430 ) .
(17) - الكامل ( 2 / 279 ) .
(18) - الكامل ( 3 / 167 - 168 ) .
(19) - الكامل ( 7 / 478 ) .
(20) - الضعفاء ، للعُقيلي ( 1 / 35 ) .
(21) - الضعفاء ( 1 / 53 ) .
(22) - الضعفاء ( 1 / 56 ) .
(23) - الضعفاء ( 1 / 166 ) .
(24) - الضعفاء ( 1 / 235 ) .
(25) - المجروحين ، لابن حبان ( 2 / 5 ) .
(26) - المجروحين ( 2 / 17 ) .
(27) - المجروحين ( 3 / 158 ) .
(28) - سؤالات البرقاني ( النص: 28 ) .
(29) - سؤالات البرقاني ( النص: 367 ) .
(30) - سؤالات البرقاني ( النص: 372 ) .
(31) - سؤالات البرقاني ( النص: 112 ) .
(32) - سؤالات البرقاني ( النص: 551 ) .
(33) - سؤالات البرقاني ( النص: 587 ) .
(34) - البحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 340) فما بعدها
(35) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 247)
(36) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 21)
(37) - تأويل مختلف الحديث (1469 ) وأخرجه الشافعي في"الأم" ( 12 / 368 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية" ( ص: 73 ، 210 ) وابنُ عبد البر في"التمهيد" ( 1 / 38 ، 39 ) وإسناده صحيح .
(38) - التمهيد ( 1 / 39 ) .
(39) - الأم ( 12 / 368 ) .
(40) - قلت: قد صح الحديث من طرق انظرها في البدر المنير - (ج 2 / ص 188)
(41) - أخرجه عبد الله بن أحمد في"العلل ومعرفة الرجال" ( النص: 4956 ) بإسنادٍ صحيح ، وأبو هاشم هذا ثقةٌ فقيه يروي عن التابعين .