المبحث السادس والعشرون
بيانُ أنَّ معرفة الشيءِ ببرهانهِ طريقةُ القرآنِ الكريمِ [1]
قال الأستاذ العلامة مفتى الديار المصرية الشيخ محمد عبده في المقالة أثرت عنه ما صورته"سعادة الناس في دنياهم وأخراهم بالكسب والعمل ، فإنَّ الله خلق الإنسان وأناط جميع مصالحه ومنافعِه بعمله وكسبِه، والذين حصَّلوا سعادتهم بدون عمل ولا سعيٍ همُ الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام وحدهم ، لا يشاركُهم في هذا أحدٌ من البشر مطلقًا، والكسبُ مهما تعددت وجوهُه فإنها ترجعُ إلى كسبِ العلمِ، لأنَّ أعمالَ الإنسان إنما تصدرُ عن إرادته ، وإرادتُه تنبعثُ عن آرائه، وآراؤُه هي نتائجُ علمه، فالعلمُ مصدرُ الأعمالِ كلِّها دنيويةَ وأخرويةَ، فكما لا يسعدُ الناسُ في الدنيا إلا بأعمالِهم كذلك لا يسعدونَ في الآخرةِ إلا بأعمالِهم ، وحيث كان للعلم هذا الشأنُ فلا شكَّ أن الخطأ فيه خطأٌ في طريقِ الَّسير إلى السعادة عائقٍ أو مانعٍ من الوصول إليها، فلا جرمَ أن الناس في أشد الحاجةِ إلى ما يحفظُ من هذا الخطأِ ويسيرُ بالعلم في طريقهِ القويمِ حتى يصلَ السائرُ إلى الغاية"
ثم قال:"اعتنى العلماءُ في كلِّ أمةٍ بضبطِ اللسانِ وحفظِه من الخطأِ في الكلام، ووضعوا لذلك علومًا كثيرةً، وما كان للسان هذا الشأنُ إلا لأنه مجليٌّ للفكرِ وترجمانٌ له ، وآلةٌ لإيصالِ معارفِه من ذهنٍ إلى آخرَ، فأجدرُ بهم أن تكونَ عنايتُهم بضبطِ الفكرأعظمُ، كما أن اللفظ مجليُّ الفكر هو غطاؤُه أيضًا ، فإن الإنسان لا يقدرُ على إخفاءِ أفكارهِ إلا بحجابِ الكلامِ الكاذبِ، حتى قال بعضهُم: إن اللفظَ لا يوجدُ إلا ليخفيَ الفكرَ".
ثم كشف الأستاذُ النقابَ عن حقيقة الفكر الصحيحِ الذي ينتفعُ بالميزان ويكونُ مطلقًا يجري في مجراهُ الذي وضعه اللهُ تعالى عليه إلى أن يصلَ إلى غايتِه، أمَّا المقيَّدُ بالعادات فهو الذي لا شأنَ له، وكأنهُ لا وجود لهُ، وقد جاء الإسلامُ ليعتقَ الأفكارَ من رقِّها ويحلَّها من عقلِها، فترَى القرآنَ ناعيًا على المقلِّدين ذاكرًا لهم بأسوأ ما يذكرُ به المجرمُ، ولذلك بنيَ على اليقين ثم قال:"على طالب العلمِ أن يسترشدَ بم تقدمَّه سواءٌ كانوا أحياءً أم أمواتًا، ولكن عليه أن يستعملَ فكرهُ فيما يؤثرُ عنهم، فإن وجده صحيحًا أخذَ به ، وإن وجده فاسدًا تركَهُ، وحينئذ يكون ممن قال اللهُ تعالى فيهم: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) [الزمر/17-19] )، وإلا فهو كالحيوانِ، والكلامُ كاللحام له أو الزمامِ يمنعُ به عن كلِّ ما يريدُ صاحب الكلام منعُه عنه، وينقادُ إلى حيث يشاءُ المتكلِّمُ أن ينقادَ إليه من غير عقلٍ ولا فهمٍ".
ثم ألمعَ إلى الأشياءَ التي تجعل الفكرَ صحيحًا مطلقًا فقال:"إنَّ الكلامَ عنه يحتاجُ إلى شرحٍ طويلٍ، ويمكن أن نقولَ فيه كلمةً جامعةً يرجع إليها كلُّ ما يقالُ وهي الشجاعةُ - الشجاعُ هو الذي لا يخافُ في الحقِّ لومةَ لائمٍ -فمتَى لاح له يصرِّحُ به ويجاهرُ بنصرتِه ، وإن خالفَ في ذلك الأولينَ والآخرينَ، ومنَ الناس من يلوحُ له نورُ الحقِّ فيبقَى متمسكًا بما عليه الناسُ، ويجتهدُ في إطفاءِ نورِ الفطرةِ، ولكنَّ ضميرَهُ لا يستريحُ فهو يوبِّخُه إذا خلا بنفسِه ولو في فراشِه لا يرجعُ عن الحقِّ أو يكتمُ الحقَّ لأجلِ الناس، إلا الذي لم يأخذ إلا بما قال الناسُ، ولا يمكنُ أن يأتي هذا من موقنٍ يعرفُ الحقَّ معرفةً صحيحةً".
وبعد أن أفاضَ في الكلامِ على الشجاعةِ وبينَ احتياجَ الفكرِ والبصيرةِ في الدِّينِ إليها قال:"وهنا شيءٌ يحسبُه بعضُهم شجاعةً وما هو بشجاعةٍ وإنما هو وقاحةٌ، وذلك كالاستهزاءِ بالحقِّ وعدم المبالاةِ بالحقِّ، فترى صاحبَ هذه الخلَّةَ يخوضُ في الأئمةِ ويعرضُ بتنقيص أكابرِ العلماءِ غرورًا وحماقةً، والسببُ في ذلك أنه ليس عنده من الصبرِ والاحتمالِ وقوةِ الفكرِ ما يسبرُ به أغوارَ كلامِهم ويمحِّصُ به حججَهم وبراهينَهم، ليقبلَ ما يقبلُ عن بيِّنةٍ ويتركَ ما يتركُ عن بيِّنَةٍ ، وهذا ولا شكَّ أجبنُ ممن تحمَّلَ ثقِلَ التقليدِ على ما فيه، وربما تنبعَ في عقلُه خواطرَ ترشدُه إلى البصيرةِ أو تلمعُ في ذهنهِ بوارقُ من الاستدلالِ لو مشَى في نورِها لاهتدى وخرجَ من الحيرةِ، وأما المستهزئُ فهو أقلُّ احتمالًا من المقلِّد، فإنَّ الهوى الذي يعرضُ لفكرةٍ إنما يأتيهِ من عدمِ صبرِه وثباتِه على الأمورِ وعدم التأملِ فيها ، والحاصلُ أن الفكرَ الصحيحَ يوجَدُ بالشجاعةِ، وهي ها هنا التي يسمِّيها بعضُ الكتاب العصريين"الشجاعةُ الأدبيةُ"وهي قسمانِ شجاعةٌ في رفعِ القيدِ الذي هو التقليدُ الأعمَى ، وشجاعةٌ في وضعِ القيدِ الذي هو الميزانُ الذي لا ينبغي أن يقرَّ رأيٌّ ولا فكرٌ إلا بعد ما يوزنُ به ويظهرُ رحجانُه، وبهذا يكونُ الإنسانُ عبدًا للحقِّ وحدَه ، وهذه الطريقةُ طريقةُ معرفةِ الشيء بدليلِه وبرهانِه ما جاءتنا من علمِ المنطقِ وإنما هي طريقةُ القرآنِ الكريمِ الذي ما قررَ شيئًا إلا واستدلَّ عليه وأرشدَ متبعيهِ إلى الاستدلال وإنما المنطقُ آلةٌ لضبط الاستدلال كما أن النحوَ آلةٌ لضبط الألفاظِ في الإعرابِ والبناءِ"انتهى .
ـــــــــــــــ
(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 281)