فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 522

37 -قولهم :( ليس بثقة ).

هي عبارة جرح ، قلَّ أن تجدها مقولة في راو إلا وهو شديد الضعف: متروك الحديث ، أو متهم بالكذب ، أو كذَّاب معروف ، خصوصًا في كلام يحيى بن معين والنسائي وقد أكثر منها .

لكن ليس ذلك بإطلاق ، فقد وقعت منهم في جماعات من الرواة الضعفاء ، أو ممن في حفظهم بعض اللِّين ، وإنما تبيَّن ذلك بدراسة أحوال أولئك الرواة ممن قيلت فيهم هذه الكلمة .

مثل ما قاله مسلم في مقدمة صحيحه وحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فَقَالَ:"لَيْسَ بِثِقَةٍ"، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، فَقَالَ:"لَيْسَ بِثِقَةٍ"، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، فَقَالَ:"لَيْسَ بِثِقَةٍ"، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَقَالَ:"لَيْسَ بِثِقَةٍ"، وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ ، فَقَالَ:"لَيْسَ بِثِقَةٍ"، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ ، فَقَالَ:"لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ"" [1] ."

قلت: وليس في هؤلاء من يبلغ الترك سوى حرام بن عثمان ، بل هم بين صدوق ، أو صالح يعبتر به .

وتعقب ابن القطان الفاسي قول مالك ذلك في ( شعبة مولى ابن عباس ) فقال:"إن مالكًا لم يضعفه ، وإنما شحَّ عليه بلفظة: ثقة ، وقد كانوا لا يطلقونها إلا على العدل الضابط .. وربما قالوا: ( ليس بثقة ) للضعيف أو المتروك ، فإذًا هو لفظ يتفسَّر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك" [2] .

وقال الخطيب وفي الكفاية:"قَالَ شُعْبَةُ:"لَقِيتُ نَاجِيَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ فَرَأَيْتُهُ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَرَكْتُهُ فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ ثُمَّ كَتَبْتُ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ"قَالَ الْخَطِيبُ: أَلَا تَرَى أَنَّ شُعْبَةَ فِي الِابْتِدَاءِ جَعَلَ لُعْبَةَ الشِّطْرَنْجِ مِمَّا يَجْرَحُهُ فَتَرَكَهُ , ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ صِدْقُهُ فِي الرِّوَايَةِ وَسَلَامَتُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ فَكَتَبَ حَدِيثَهُ نَازِلًا , فَكَذَلِكَ قَوْلُ الْجَارِحِ: إِنَّ فُلَانًا لَيْسَ بِثِقَةٍ , يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى فَيَجِبُ أَنْ يُفَسِّرَ سَبَبَهُ" [3]

قلت: ويصدق هذا أن يحيى بن معين سئل عن"يونس بن خباب"؟ فقال:"ليس بثقة ، كان يشتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن شتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بثقة" [4] .

قلت: فأعاد ابن معين هذه اللفظة حين فسرها هنا إلى معنى غير الحديث .

فحيث قام الاحتمال في دلالتها على الضعف المسقط أو غير المسقط ، بل الجرح المعتبر أو غير المعتبر ، فإنه لا يصح عدها من قبيل الجرح الشديد بمجرد إطلاقها .

وعليه: فهي لا حقة بألفاظ الجرح المجملة ، لا يعتد بها مجردة حتى تفسَّر .

نعم ، رد ابن حجر تأويل ابن القطان المتقدم بقوله:"هذا التأويل غير شائع ، بل لفظة ( ليس بثقة ) في الاصطلاح يوجب الضعف الشديد" [5] .

قلت: وابن حجر مسبوق إلى اعتبار هذا المعنى ، فحين قال الجوزجاني في"سعيد بن كثير بن عفير":"فيه غير لون من البدع ، وكان مخلطًا غير ثقة" [6] ، تعقبه ابن عدي بقوله:"هذا الذي قال: فيه غير لون من البدع ، فلم ينسب ابن عفير المصري إلى بدع ، والذي ذكر أنه غير ثقة ، فلم ينسبه أحد إلى الكذب" [7] .

قلت: فدلَّ هذا على أن ابن عدي من قبل كان يحملها عنهم على الضعف الشديد الذي يبلغ بالراوي حدَّ الكذب ، وذلك فيما يبدو من خلال ما وجده عنهم في أكثر استعمالهم كما ذكرت أولًا .

ـــــــــــــــ

(1) - أخرجه مسلم في"مقدمة صحيحه" ( ص: 26 ) وإسناده صحيح ، ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن لبيبة ، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية ، وشعبة هو ابن دينار مولى ابن عباس .

(2) - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام ( 5 / 325 ) .

(3) - الكفاية ص: 183 (277)

(4) - سؤالات ابن الجنيد ( النص: 559 ) .

(5) - تهذيب التهذيب ( 2 / 170 - 171 ) .

(6) - أحوال الرجال ( النص: 277 ) .

(7) - الكامل ( 4 / 471 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت