فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 522

يقع سلب الضبط عن الراوي بسبب سوء حفظه ، سلبًا كليًا أو جزئيًا .

وهذا في الجملة قسمان:

أولهما: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث ، وقد يكون علامة عند بعض النقاد على سوء الظن به ، واتهامه بالكذب بما ينتقل به القدح إلى عدالته .

وثانيهما: اختلال الضبط جزئيًا ، فيثبت على الراوي الوهم في بعض ما يرويه ، فإن كثر رجح به إلى جانب الرد دون القدح في أصل عدالته وصدقه ، فيبقيه في إطار من يعتبر به عند الموافقة ، وربما نزل به عن درجة المتقنين ، دون النزول به عن درجة القبول ، لكنه يكون في مرتبة دنيا منه .

وهذا قد يتميز منه أن سلب الضبط وقع للراوي في حال دون حال ، وتميز ذلك من أمره ، فهو مجروح به في الحال المتميز ، عدل مقبول فيما سواه ، كمن ضبط عن بعض الشيوخ دون آخرين ، وكالمختلط فيما حدث به بعد اختلاطه وقبله .

وسوء الحفظ لا ينافي الصدق في الأصل .

ومراجعة إلى الغفلة وضعف تيقظ الراوي .

وتارة تكون الغفلة طبعًا فيه ، وتارة عارضة لعدم الاعتناء بالمحفوظ ، وتأثير عوارض أخرى عليه ، كالاشتغال بالعبادة دون العلم ، أو ترك بثه في أهله ، أو الانشغال بالدنيا ، أو تقدم السن ، أو لغير ذلك .

وكثير من ذلك في المنسوبين للصلاح والتعبد ، حتى ربما حدَّثوا بالموضوع والكذب ، يجري على ألسنتهم دون تعمُّد ، وربما كان أحدهم سمع بعض الحديث ، فيحمل إسناد هذا على حديث هذا ، وحديث هذا على إسناد هذا ، ويحدِّث على التوهم عن الرجل بما ليس من حديثه ، وربما ألصق كلامًا حسنًا بإسناد معروف ، ليس ذلك الإسناد من ذلك الكلام في شيء ، وربما أدخل عليه ما ليس من حديثه وهو لا يعلم فيحدِّث به على أنه من حديثه ، وهكذا .

لذا كان أبو الزناد عبد الله بن ذكوان يقول:"أدركت بالمدينة مئة ، كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال: ليس من أهله" [2] .

وكذلك قال مالك بن أنس:"لَا تَأْخُذِ الْعِلْمَ مِنْ أَرْبَعَةٍ , وَخُذْ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ , لَا تَأْخُذْ مِنْ سَفِيهٍ مُعْلِنٍ بِالسَّفَهِ وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ , وَلَا تَأْخُذْ مِنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ , إِذَا جُرِّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَلَا مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ , وَلَا مِنْ شَيْخٍ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ"قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيِّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا , وَلَكِنْ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ بِهَذَا الْبَلَدِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ مَشْيَخَةً لَهُمْ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ يُحَدِّثُونَ , مَا سَمِعْتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثًا قَطُّ , قِيلَ: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مَا يُحَدِّثُونَ". [3] "

وعن حماد بن زيد: أن فرقدًا ( يعني السبخي ) ذكر عند أيوب ( يعني السختياني) ، فقال:"لم يكن صاحب حديث ، وكان متقشفًا ، لا يقيد علمًا ، ذاك لون ، والبصر بالعلم لون آخر". [4]

وقال عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ , قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ , تَعْرِفُ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ , فِي رَجُلٍ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ , ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ؟ قَالَ: مَنْ يَرْوِيهِ ؟ قَالَ: وَهْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ:"ذَلِكَ رَجُلٌ صَالِحٌ , وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ". [5]

وقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، يَقُولُ:"مَا رَأَيْتُ الْكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْخَيْرِ وَالزُّهْدِ" [6]

قال الإمام مُسْلِمٌ:"يَقُولُ يَجْرِى الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ وَلاَ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ." [7] .

وعلل يحيى القطان نفسه مرة بعلة أخرى غير ما قاله مسلم ، فقال:"لأنهم يكتبون عن كل من يلقون ، لا تمييز لهم فيه" [8] .

قلت: يعني يحيى أنهم يحدثون بالكذب الواقع من غير جهتهم ، وكلا العلتين صحيحتان .

وكان يحيى القطان يقول كذلك:"رب صالح لو لم يحدث كان خيرًا له ، إنما هو أمانة ، إنما هو تأدية ، الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث" [9] .

ومن أمثلته:

( ثابت بن محمد الزاهد ) ، قال ابن عدي:"هو ممن لا يتعمد الكذب ، ولعله يخطئ ، وفي أحاديثه ما يشتبه عليه فيرويه حسب ما يستحسنه ، والزهاد والصالحون كثيرًا ما يشتبه عليهم فيروونا على حسن نياتهم" [10] .

و ( رواد بن الجراح ) ، قال ابن عدي:"كان شيخًا صالحًا ، وفي حديث الصالحين بعض النكرة" [11] .

و ( سلم بن ميمون الخواص ) ، قال ابن عدي:"روى عن جماعة ثقات ما لا يتابعه الثقات عليه: أسانيدها ومتونها"، ثم فسر فقال:"هو في عداد المتصوفة الكبار ، وليس الحديث من عمله ، ولعله كان يقصد أن يصيب فيخطئ في الإسناد والمتن ؛ لأنه لم يكن من عمله" [12] .

و ( زكريا بن يحيى الوقار ) ، قال ابن عدي:"سمعت مشايخ أهل مصر يثنون عليه في باب العبادة والاجتهاد والفضل ، وله حديث كثير ، بعضها مستقيمة ، وبعضها ما ذكرت وغير ما ذكرت موضوعات ، وكان يتهم الوقَّار بوضعها ؛ لأنه يروي عن قوم ثقات أحاديث موضوعات ، والصالحون قد رسموا بهذا الرسم أن يرووا في فضائل الأعمال أحاديث موضوعة بواطيل ، ويتهم جماعة منهم بوضعها" [13] .

ومثال من كانت الغفلة طبعه ، حتى ربما حدث بالكذب وهو لا يدري: ذاك الواسطي الذي أخبر بقصته الحافظ يزيد بن هارون ، قال:"كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفًا ، ثم قيل: إنه أخرج كتابًا عن أنس ، فأتيناه فقلنا له: هل عندك سوى تلك الأحرف ؟ فقال: نعم ، عندي كتاب عن أنس ، فقلنا: أخرجه إلينا ، فأخرجه إلينا ، فنظرنا فيه ، فإذا هي أحاديث شريك بن عبد الله النخعي ، فجعل يقول: حدثنا أنس بن مالك ، فقلنا له: هذه أحاديث شريك ، فقال: صدقتم ، حدثنا أنس بن مالك عن شريك"، قال:"فأفسد علينا تلك الأحرف التي سمعناها منه ، وقمنا عنه" [14] .

قلت: فهذا الشيخ إنما أتي من غفلته وجهله ، فأين شريك من أنس ، فأنس صحابي توفي سنة ( 93 ) ، وشريك من أتباع التابعين ولد سنة ( 95 ) , فكيف روى أنس عن شريك ؟ !

ومن هؤلاء ( محاضر بن المورع ) ، قال أبو سعيد أحمد بن داود الحداد الواسطي ( وكان ثقة ) :"محاضرًا لا يحسن أن يصدق ، فكيف يحسن أن يكذب ! كنا نوقفه على الخطأ في كتابه ، فإذا بلغ الموضوع أخطأ" [15] .

وقال أحمد بن حنبل:"سمعت منه أحاديث ، لم يكن من أصحاب الحديث ، كان مغفلًا جدًا" [16] .

ومنهم: ( عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ) ، قال أبو حاتم الرازي:"الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخره عمره التي أنكروا عليه نرى أن هذا مما افتعل خالد بن نجيح ، وكان أبو صالح يصحبه ، وكان سليم الناحية ، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعه في كتب الناس ، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب ، كان رجلًا صالحًا" [17] .

ومنهم ( سفيان بن وكيع بن الجراح ) ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:"دَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَحَضَرَنِي أَصْحَابُ الْحَدِيثِ , وَقَدْ تَعَلَّقُوا بِوَرَّاقِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ فَقَالُوا: أَفْسَدَتَ عَلَيْنَا شَيْخَنَا وَابْنَ شَيْخِنَا , قَالَ: فَبَعَثَتُ إِلَى سُفْيَانَ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَدْخَلَهَا عَلَيْهِ وَرَّاقُهُ ، لِيَرْجِعَ عَنْهَا , فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا , فَتَرَكْتُهُ" [18] .

وهذه الحال قد تبلغ بإنسان حد الترك لحديثه في نظر بعض الأئمة ، وذلك بحسب أثر ذلك على ما روى ، كما قال أبو بكر بن أبي شيبة في ( مصعب بن سلام التميمي ) :"تركنا حديثه ، وذلك أنه جعل يملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة ، حدثنا شعبة ، فذهبت إلى وكيع فألقيتها عليه ، قال: من حدثك بهذا ؟ فقلت: شيخ ههنا ، قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة ، فإذا الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة" [19] .

وهذا ذكر يحيى بن معين أنه قد رجع عنه [20] ، لكنه ينبئ أن بعض النقلة لم يكن يميز ، وهذا الرجل له حديث حسن من روايته عن غير شعبة إذ هو صدوق في الأصل ، وما وقع منه من قلب فيما ذكروه من روايته عن شعبة أو الزبرقان السراج فإنه لا يسقطه جملة ، إنما تبين أن ما حدث به عن غيرهما فيه المحفوظ ، على أنه لا ينبغي أن يحتج به لذاته ، بل يكتب حديثه للاعتبار .

ومن هؤلاء من لم يكن يفهم ما الحديث ، فكان يؤتى من جهله:

قال أبو حاتم الرازي في ( عقيل الجعدي ) :"منكر الحديث ، ذاهب ، ويشبه أن يكون أعرابيًا ، إذ روى عن الحسن البصري ، قال: دخلت على سلمان الفارسي ، فلا يحتاج أن يسأل عنه" [21] .

وحاصل هذا:

أن من الغفلة ينتج سوء الحفظ ، فيخطئ الراوي في الأسانيد: فيرفع الموقوف ، ويوقف المرفوع ، ويوصل المرسل ، ويرسل الموصول ، ويقلب الأسانيد ، فيجعل ما لهذا الشيخ لشيخ آخر ، ولا يضبط المتون ، ويغير فيها .

وسوء الحفظ يكون بسبب خلقي ، وهو ضعف ذاكرته ، كما يكون بتفريط من الراوي ، وعليه فهذان قسمان:

القسم الأول: الوهم والغلط بمقتضى الجبلَّة

وهو طبيعة ثابتة لكل نفس ، ولا تكون سببًا للقدح في الراوي حتى تكثر منه إلى جنب إلى ما روى ، فإن كثرت صارت به إلى مرتبة في الجرح ، تتفاوت قدرًا ، وقد تبلغ بالراوي إلى ترك حديثه ، وذلك إذا فحش منه ، كما قال الشافعي:"من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل صحيح لم يقبل حديثه ، كما يكون من كثر غلطه في الشهادة لم تقبل شهادته" [22] .

ومن أمثلته:

قول الدار قطني في ( الجراح بن مليح أبي وكيع ) :"ليس بشيء ، هو كثير الوهم"، قال البرقاني: قلت: يعتبر به ؟ قال:"لا" [23] .

وقول الحافظ عمرو بن علي الفلاس في ( جعفر بن الزبير الشامي ) وكان متروك الحديث ، ومنهم من بالغ فكذبه:"متروك الحديث ، وكان رجلًا صدوقًا كثير الوهم" [24] .

ومن الرواة من يكثر خطؤه إذا حدث من حفظه ، ويضبط إذا حدث من كتابه ، كما ذكرته في صور الجرح النسبي [25] .

والأصل أن علة كثرة الخطأ والوهم لا تنافي الصدق ، فما لم تغلب على الراوي فإنه باق في درجة من يعتبر به ، كما قال الدار قطني في ( مبارك بن فضالة ) :"لين ، كثير الخطأ ، بصري ، يعتبر به" [26] .

فهذه كثرة غير غالبة ، فلم تمنع من الاعتبار بحديثه ، وهذا يتبينه الباحث في حق الراوي من خلال النظر فيما قاله جماعة النقاد في ذلك الراوي ، وملاحظة قدر ما عليه من الخطأ .

والوهم والغلط يقع بأسباب:

أولها: المخالفة في الأسانيد .

والمقصود أن يأتي بها على غير ما يأتي بها الثقات .

مثل ( عبد الله بن عمر العمري ) ، قال أحمد بن حنبل:"كان يزيد في الأسانيد ، ويخالف ، وكان رجلًا صالحًا" [27] .

ومثل ( أشعث بن عطاف ) ، قال ابن عدي:"لم أر له منكرًا ، إلا أنه يخالف الثقات في الأسانيد ، ولأشعث بن عطاف أحاديث حسان عن الثوري وغيره ، وهو عندي لا بأس به" [28] .

ومن صور المخالفة في الأسانيد: القلب .

مثل ( محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ) ، وقد روى الكثير ، وبلغ به سوء الحفظ إلى أن قال البخاري:"ابْنُ أَبِى لَيْلَى هُوَ صَدُوقٌ وَلاَ أَرْوِى عَنْهُ لأَنَّهُ لاَ يَدْرِى صَحِيحَ حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا فَلاَ أَرْوِى عَنْهُ شَيْئًا." [29]

كان من سوء حفظه يقلب الأحاديث سندًا أو متنًا ، كما قال شعبة بن الحجاج:"أفادني ابن أبي ليلى أحاديث ، فإذا هي مقلوبة" [30] .

وممن عرف بسوء الحفظ ، وكان من علته قلب الأحاديث ( علي بن زيد بن جدعان ) ، قال حماد بن زيد:"حدثنا علي بن زيد ، وكان يقلب الأحاديث" [31] .

وقال حماد بن زيد:"كان علي بن زيد يحدث بالحديث فيأتيه من الغد فيحدث به كأنه حديث آخر" [32] .

وثانيها: وصل المراسيل .

مثل ( إبراهيم بن الحكم بن أبان ) ، جرحوه ، قال ابن عدي:"بلاؤه مما ذكروه أنه يوصل المراسيل عن أبيه ، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه"، وكان الحافظ عباس بن عبد العظيم قد قال فيه قبله:"كانت هذه الأحاديث في كتبه مراسيل ، ليس فيها ابن عباس ، ولا أبو هريرة ، يعني أحاديث أبيه عن عكرمة" [33] .

وثالثها: رفع الموقوف .

ولك أن تعدها من أمثلة الزيادة في الأسانيد .

مثل ( إبراهيم بن مسلم الهجري ) ، فقد كان ضعفه من جهة أنه كان يرفع الموقوف ، قال سفيان بن عيينة:"كان رفَّاعًا" [34] .

ومثله قول شعبة في ( علي بن زيد بن جدعان ) :"كان رفاعًا" [35] ، وقوله في ( يزيد بن أبي زياد ) مثل ذلك [36] .

ورابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض .

ومثاله في الضعفاء ( ليث بن أبي سليم ) :

قال أبو نعيم الفضل بن دكين: قال شعبة لليث بن أبي سليم:"كيف سألت عطاء وطاوسًا ومجاهدًا كلهم في مجلس ؟"، قال: سل عن هذا خف أبيك . قال ابن أبي حاتم: فقد دل سؤال شعبة لليث بن أبي سليم عن اجتماع هؤلاء الثلاثة له في مسألة ، كالمنكر عليه [37] .

وقال الداقطني:"صاحب سنة ، يخرج حديثه ، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد ، وحسْب" [38] .

قلت: وهذه صورة ناتجة عن تخليط الراوي واضطرابه ؛ لما علم من سوء حفظه

وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد ( يعني ابن حنبل ) وذكر الواقدي ، فقال:"ليس أنكر عليه شيئًا إلا جمعه الأسانيد ، ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة ، وربما اختلفوا". قال إبراهيم: ولم ، وقد فعل هذا ابن إسحاق ، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر ، وعبد الله بن أبى بكر ، وفلان ، وفلان . والزهري أيضًا قد فعل هذا ؟

قال إبراهيم: قال بور بن أصرم [39] : رآني الواقدي أمشي مع أحمد بن حنبل ، قال: ثم لقيني بعد ، فقال لي: رأيتك تمشي مع إنسان ربما تكلم في الناس . قيل لإبراهيم: لعله بلغه عنه شيء ؟ قال: نعم ، بلغني أن أحمد أنكر عليه جمع الرجال والأسانيد في متن واحد . قال إبراهيم: وهذا قد كان يفعله حماد بن سلمة ، وابن إسحاق ، ومحمد بن شهاب الزهري [40] .

قلت: يعني وما أنكر عليهم ، فلم ينكر على الواقدي ؟

وقد كان أحمد ربما أطلق على صنيع الواقدي هذا قلب الأحاديث ، وهو إنما كان يحيل لفظ هذا على لفظ هذا ، قال أحمد بن حنبل:"يقلب الأحاديث ، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر ، ونحو هذا" [41] .

وذكر ابن حبان هذه المسألة وكان قد ضرب مثلًا بحماد بن سلمة ، فقال في الجواب عن قول من قال:"يروي عن جماعة حديثًا واحدًا ، بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم":"يقال له: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة ، وكذلك كان حماد يفعل ، كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة [42] عن ابن سيرين ، فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ ، فإن أوجب ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين ؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك" [43] .

وقال الخليلي [44] :"ذاكرت يوما بعض الحفاظ ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في ( الصحيح ) وهو زاهد ثقة ؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس ، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب ، وربما يخالف في بعض ذلك ."

فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه ، وهو يجمع بين أسانيد ، فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي ، بأحاديث ، ويجمع بين جماعة غيرهم ؟

فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له"."

وتكلم شعبة بن الحجاج في ( عوف بن أبي جميلة الأعرابي ) بمثل ذلك .

قال يحيى القطان: قال لي شعبة في أحاديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة ، ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة إذا جمعهم ، قال لي شعبة:"ترى لفظهم واحد؟"، قال ابن حاتم: كالمنكر على عوف [45] .

قلت: يحتمل فعل مثل هذا من راو متقن ؛ لأن إتقانه حائل دون خالط ، مثل الزهري ، على قلته منه ، أما من يكثر من ذلك ويتبين الغلط في روايته بسببه ، كليث بن أبي سليم ، فيكون ذلك دليلًا على ضعفه .

وخامسها: قبول التلقين .

وهذا حين يكون الشيخ قد استولت عليه الغفلة ، فيقال له: حدثك فلان بكذا ، فيما هو من حديثه وما ليس من حديثه ، وهو لا يميز ، فيحدث به على أنه من حديثه .

ومن أمثلة هؤلاء الذين جرحوا بقبول التلقين:

( عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي أبو تقي الحمصي ) ، قال الحافظ محمد بن عوف الحمصي:"كان شيخًا ضريرًا لا يحفظ ، وكنا نكتب من نسخة الذي كان عند إسحاق بن زبريق لا بن سالم ، فنحمله إليه ونلقنه ، فكان لا يحفظ الإسناد ، ويحفظ بعض المتن ، فيحدثنا ، وإنما حملنا الكتاب عنه شهوة الحديث" [46] .

وقال أبو حاتم الرازي:"ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزبيدي [47] ، إلا أنها ذهبت كتبه فقال: لا أحفظها ، فأرادوا أن يعرضوا عليه ، فقال: لا أحفظ ، فلم يزالوا به حتى لان ، ثم قدمت حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة ، فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب ، وقالوا: عرض عليه كتاب ابن زبريق ، ولقنوه ، فحدثهم بهذا ، وليس هذا عندي بشيء ، رجل لا يحفظ ، وليس عنده كتب" [48] .

(1) - وهو السبب العاشر من أسباب الطعن في الراوي ، وهو آخرها . وانظر تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 22) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 533) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 129) ومن تكلم فيه وهو موثق أو صالح الحديث - (ج 1 / ص 79)

(2) - أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: 407 ( 425 ) ، والخطيب في الكفاية ( 159 ه‍، 247 ت) جميعهم من طريق الأصمعي ، عَنْ ابن أبي الزناد ، عَنْ أبيه ، بِهِ

(3) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 116) (294)

(4) - الكامل في الضعفاء [ ج 6 - ص 27 ] والجرح والتعديل [ ج 7 - ص 81 ]

(5) -أخرجه مسلم في"المقدمة" ( 1 / 17 ) والحاكم في"المدخل إلى الإكليل" ( ص: 64 ) والخطيب في"الكفاية" ( ص: 250 ) (466) وإسناده صحيح .

(6) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 168 ) وابنُ عبد البر في"التمهيد" ( 1 / 52 ) وإسناده صحيح .

(7) - مقدمة صحيح مُسلم ( 1 / 18 ) (45) .

(8) - أخرجه الخليلي في"الإرشاد" ( 1 / 171 -172 ) وإسناده جيد .

(9) - أخرجه الجوزجاني في"أحوال الرجال" ( ص: 37 ) وإسناده صحيح .

(10) - الكامل ( 2 / 301 ) .

(11) - الكامل ( 4 / 120 ) .

(12) - الكامل ( 4 / 350 ، 351 ) .

(13) - الكامل ( 4 / 176 ) ولسان الميزان [ ج 2 - ص 485 ] 1950

(14) - أخرجه ابنُ حبان في"المجروحين" ( 1 / 70 - 71 ) بإسناد جيد ، ونحوه في"المدخل إلى الإكليل"للحاكم ( ص: 60 ) .

(15) - سؤالات الآجري لأبي داود ( النص: 126 ) .

(16) - العلل ومعرفة الرجال ( النص: 4110 ) .

(17) - الجرح والتعديل [ ج 5 - ص 86 ] (398)

(18) - الكفاية (427)

(19) - معرفة الرجال ، رواية ابن مُحرز ( 2 / 213 ) .

(20) - انظر: سؤالات ابن الجنيد ( النص: 253 ) .

(21) - الجرح والتعديل [ ج 6 - ص 219 ] 1214

(22) - أخرجه ابنُ عدي في"الكامل" ( 1 / 207 ) وإسناده صحيح .

(23) - سؤالات البَرقاني للدارقطني ( النص: 67 ) .

(24) - الكامل ، لابن عدي ( 2 / 362 ) .

(25) - وسيمر بعد قليل

(26) - سؤالات البرْقاني ( النص: 477 ) .

(27) - تاريخ بغداد ( 10 / 20 ) .

(28) - الكامل في الضعفاء [ ج 1 - ص 380 ]

(29) - نقله الترمذي في"الجامع"بعدَ الحديث ( رقم: 365 ) ونحوه بعد الحديث ( رقم: 1715 ) .

(30) - أخرجه البخاري في"التاريخ الكبير" ( 1 / 1 / 162 ) وابن أبي حاتم في"التقدمة" ( ص: 152 ) و"الجرح" ( 3 / 2 / 322 ) والعُقيلي ( 4 / 98 ) بإسناد صحيح .

(31) - أخرجه العُقيلي ( 3 / 230 ) بإسناد صحيح .

(32) - أخرجه العُقيلي ( 3 / 231 ) بإسناد صحيح .

(33) - الكامل في الضعفاء [ ج 1 - ص 242 ] 72

(34) - أخرجه يعقوب بنُ سفيان في"المعرفة والتاريخ" ( 2 / 711 ) والعُقيلي ( 1 / 66 ) بإسناد صحيح . وكقول سُفيان فيه كذلك قولُ عددٍ من أئمة الجرح والتعديل .

(35) - أخرجه البُخاري في"التاريخ" ( 3 / 2 / 275 ) والترمذي ( بعد حديث: 2678 ) وعبد الله بن أحمد في"العلل" ( النص: 4978 ) وابنُ أبي حاتم في"تقدمة الجرح والتعديل" ( ص: 147 ) و"الجرح والتعديل" ( 3 / 1 / 186 ) والعُقيلي ( 3 / 229 ، 230 ) وابنُ عدي ( 6 / 334 ، 335 ) بإسناد صحيح .

(36) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"تقدمة الجرح والتعديل" ( ص: 156 ) و"الجرح والتعديل" ( 4 / 2 / 265 ) والعقيلي ( 4 / 340 ) وابنُ عدي ( 9 / 164 ) بإسناد صحيح .

(37) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"التقدمة" ( ص: 151 ) وإسناده صحيح .

(38) - سؤالات البُرقاني ( النص: 421 ) .

(39) - مرْوَزي ثقة ، ممن رَوى عنه البخاري .

(40) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 7 / ص 209) و (( تاريخ بغداد ) )3/16 وإسناده جيد .

(41) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 4 / 1 / 21 ) بإسناد صحيح . وكذلك أخرجه الخطيب في"تاريخه" ( 3 / 16 ) .

(42) - أيوب هوَ السختياني ، وهِشام هوَ ابنُ حسان ، وابنُ عون هوَ عبد الله ، ويونس هوَ ابنُ عبيْد ، وخالدٌ هوَ الحذَّاء ، وقتادة هوَ ابن دعامَة السدوسي ، جَميعًا من حُفاظ أصْحاب مُحمد بن سيرين .

(43) - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ( 1 / 154 ) .

(44) - الخليلي في"الإرشاد" ( 1 / 417 - 418 )

(45) - أخرجه ابن أبي حاتم في"تقدمه الجرح والتعديل" ( ص: 147 ) بإسناد صحيح .

(46) - تهذيب التهذيب - (ج 6 / ص 99) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 6 / ص 8)

(47) - هوَ مُحمد بن الوليد .

(48) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 6 / ص 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت