فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 522

البدعةُ نوعان:

القسم الأول: بدع يكفر بها صاحبها:

، ولا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه في قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الرفض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة [1] فهؤلاء لا خلاف بين العلماء انهم لا تجوز الرواية عنهم تحت أي ظرف من الظروف لأن الإسلام شرط في ثبوت العدالة .

أما إذا لم يكن التكفير متفقًا عليه فلا إجماع على رد روايته يقول ابن حجر:"والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِه ؛ لأَنَّ كلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مخالِفيها مبتَدِعةٌ ، وقد تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها ، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ ؛ لاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتواتِرًا مِنَ الشَّرعِ ، معلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ ، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ" [2]

والمقصود من هذا أن يكون المكفِّر قام عليه الدليل ليس بمجرد التعصب والتقليد ،بل قام الدليل على كفره بأن يكون أتى شيئًا يوجب تكفيره بالأدلة الشرعية، أما كونه يكفر لهواه أو لمخالفة نحلته فلا ،المهم أن تكون البدعة المكفِّرة من جهة الدليل . [3]

القسم الثاني: بدعٌ يفسق بها صاحبها:

كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنَّة خلافًا ظاهرًا لكنه مستندٌ إلى تأويل ظاهره سائع. [4]

وفي قبول رواية من كان على هذه الشاكلة، إن كان معروفًا في التحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفا بالديانة والعبادة .

3-حكمُ رواية المبتدع:

لقد تضاربت فيه مذاهب أهل الحديث ، بين قبول حديث الموصوف به وردِّه ، أو قبوله في حال وردِّه في حال .

مذاهب أهل العلم في ردِّ حديث أهل البدع أو قبوله:

هي محصورة في أربعة مذاهب:

المذهب الأول: ترك حديثهم مطلقًا ، أي: البدعة جِرحة مسقطٌةٌ للعدالة .

المذهب الثاني: التفريقُ بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها ، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها .

المذهب الثالث: التفريقُ بين الداعي إلى بدعته ، وغير الداعي ، فيردُّ الأول ، ويقبلُ الثاني .

المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحًا مسقطًا لحديث الراوي ، لما تقوم عليه من التأويل ، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق ، والسلامة من الفسق والكذب .

وخلاصة الفصل في هذا:

أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع ، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة ، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار ، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة ، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميَّزوا أهل الصدق من غيرهم ، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث ، فأسقطهم الله ، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنَّة ، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك ، وهو وإن كانوا أقل عددًا من أصحاب البدع ، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية ، ومقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصِّدق من الفريقين ، فأثبت أئمة الشأن له ذلك ، فلا يكون في التحقيق وصفُ من وصفوه بالصِّدق إلا من أجل ما روى .اهـ [5]

قلتُ: وعلى هذا، فالعبرةُ عند المتقدمين في باب الرواية عن أهل البدع هو اعتبارُ أحوالهم في قوة الدِّين وظهور الصِّدق، ولذلك لم يترددوا في قبول رواية الدعاة من الخوارج، وهذا البخاريُّ قد أخرج لعمران بن حطان ثلاثة أحاديث في صحيحه، بعضها في الأصول، رغم أنّه كان داعية إلى بدعته، بل كان رأسًا من رؤوس الخوارج.

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:"العبرةُ في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، كما أنّ المتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرا منهم لا يُوثَق بأيّ شيء يرويه" [6] .

وحتى هذا الصدق وهذه الأمانة لا يكونان مبرِّرًا لقبول روايته مطلقا، وإنّما يضافُ إلى ذلك عند بعضهم إذا كان ما عنده من الحديث ممّا تشتدّ الحاجة إلى أخذه ومعرفته. ولذلك نقل الذهبي عن بعض العلماء أنّ المبتدع الداعية إذا كان صادقا، وعنده سنّةٌ تفرّد بها، فإنّه لا يسوغ ترك تلك السنّة [7] .

فأنت ترى في النهاية أنّ الاعتبار يعود إلى ملاحظة جملة القرائن والأحوال في الراوي والرواية، ومن هنا فإنّنا قد لا نعدّ ما ورد عن المتقدّمين من الأقوال المتباينة اختلافا في القواعد، وإنّما هو في غالبه اختلاف في التطبيق بحسب ما يترجّح من خلال القرائن والملاحظات، ومبلغ علم كلّ واحد منهم بأحوال الرواية والرواة.

قال الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة رحمه الله:"إذا وجدنا بعض الأئمّة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيّد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد، فذلك لاعتبارات ظهرت لهم رجّحت جانبَ الصدق على الكذب والبراءةَ على التهمة. وإذا تعارض كلامُ الناقد وكلامُ صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع، قُدّم كلامُهما واعتبارُهما للراوي على كلام غيرهما، لأنّهما أعرفُ بالرجال من غيرهما" [8] .

ــــــــــــــ

لقد كان الحافظ ابن حجر رحمه الله دقيقًا على حدٍّ بعيد في حكمه على رواة هذه المرتبة ، ولكن مما يؤخذ عليه ما يلي:

الملاحظة الأولى- لو قمنا بمقارنة بين التقريب وبين أصله التهذيب ، لوجدنا أن عديدا من رواة هذه المرتبة لم يضبطها الحافظ ابن حجر رحمه الله بشكل دقيق ، وغلب على أحكامه التوفيق بين الأقوال المختلفة ، دون التحقيق العميق فيها، لأنه ليست كل تهمة توجَّه للراوي تكون صحيحة ، وكان ينبغي على الحافظ رحمه الله أن يحقق في هذه التهمة ، حتى لا يغترَّ بها من جاء بعده ، فيردُّ حديث الراوي من أجلها.

مثال على ذلك أول ترجمة في التقريب:

1-أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو علي نزيل بغداد صدوق من العاشرة مات سنة ست وثلاثين د فق

وفي تهذيب التهذيب [ج 1 -ص 8 ] (1) د فق أبي داود وابن ماجة في التفسير أحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي نزيل بغداد روى عن محمد بن ثابت العبدي وفرج بن فضالة وحماد بن زيد وعبد الله بن جعفر المديني ويزيد بن زريع وأبي عوانة وإبراهيم بن سعد وغيرهم.

روى عنه أبو داود حديثا واحدا وروى ابن ماجة في التفسير عن ابن أبي الدنيا عنه وأبو زرعة الرازي ومحمد بن عبد الله الحضرمي وموسى بن هارون وأبو يعلى الموصلي وأبو القاسم البغوي وآخرون ،وكتب عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال:لا بأس به، وقال صاحب تاريخ الموصل:كان ظاهر الصلاح والفضل، قال موسى بن هارون مات ليلة السبت لثمان مضين من ربيع الأول سنة 236 ،قلت: وذكره ابن حبان في الثقات ،وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة صدوق.""

قلت: فهذا الراوي يروي عن جماعة من الثقات ، ويروي عنه أئمة الحديث المعتبرين.

ويقول عنه الإمام يحيى بن معين (لا بأس به) وهي تساوي عنده ثقة كما مرّعنه في تفسيرها ، ويذكره ابن حبان في الثقات، ويقول عنه يحيى بن معين أيضًا: ثقة صدوق ، وهي على الصحيح من صيغ المبالغة ، وليس المقصود بها التردد في الحكم على الراوي ، فلماذا لا نقول عنه: (ثقة) ؟!!

وهل الثقة يحتاج لأكثر من هذا التعديل ؟!

وفي سير أعلام النبلاء (11/35) (15) أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَالِدٍ المَوْصِلِيُّ (د) الإِمَامُ، الثِّقَةُ، أَبُو عَلِيٍّ المَوْصِلِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ،عَنْ: إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَأَبِي الأَحْوَصِ، وَشَرِيْكٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ ثَابِتٍ، وَطَائِفَةٍ،حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو دَاوُدَ بِحَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ الصُّوْفِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، وَمُطَيَّنٌ، وَأَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، وَمُوْسَى بنُ هَارُوْنَ، وَآخَرُوْنَ.

وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ،وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.

فالصواب من القول أن يقول عنه ثقة ، وعنئذ يكون حديثه صحيحًا لذاته ، وليس حسنًا لذاته ....

الملاحظة الثانية - في بعض من وصفهم في هذه المرتبة (صدوق يهم ، يخطئ ، سيء الحفظ، يدلس، يرسل، اتهم بكذا ..) فيه نظر ، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

قوله مثلا في دراج أبي السمح.

(1824 ) دراج بتثقيل الراء وآخره جيم بن سمعان أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف من الرابعة مات سنة ست وعشرين بخ 4

والصواب أن حديثه عنه حسن كما هو رأي الإمام يحيى بن معين وابن شاهين ، وابن عدي ، وقد صحح حديثه أو حسنه عن أبي الهيثم الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم ... [9]

الملاحظة الثالثة - أحيانا نجد في قوله في مبالغة في غير محلها ، كقوله في ترجمة (2830 ) شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة مات سنة اثنتي عشرة بخ م 4

قلت: الصواب أنه صدوق يرسل، وأما الأوهام المزعومة ، فأكثرها غير صحيح ، والموجود منها ، ليس بوهم على الصحيح ، [10]

وفي السير"شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ أَبُو سَعِيْدٍ الأَشْعرِيُّ (4، م مَقْرُوْنًا) الشَّامِيُّ، مَوْلَى الصَّحَابِيَّةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيْدَ الأَنْصَارِيَّةِ، كَانَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِيْنَ. وبعد أن استفاض في ترجمته قال قَالَ يَعْقُوْبُ بنُ سفيان: شَهْرٌ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيْهِ ابْنُ عَوْنٍ، فَهُوَ ثِقَةٌ،قُلْتُ: الرَّجُلُ غَيْرُ مَدْفُوْعٍ عَنْ صِدْقٍ وَعِلْمٍ، وَالاحْتِجَاجُ بِهِ مُتَرَجِّحٌ". [11]

وكقوله في (6291 ) محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي صدوق إلا أنه يدلس من الرابعة مات سنة ست وعشرين ع

أقول: بعد الرجوع لترجمته تبين لدىَّ أن رميه بالتدليس ليس صحيحا . وغاية ما تمسك به متهموه ، أن الليث بن سعد لقيه، وكان عنده كتاب عن جابر فقال له: هذا كله سمعته من جابر ؟ قال: لا ، قلت: فأعلم لي على ماسمعت ، قال: فاعلم لي على هذا الذي كتبته عنه .

أقول: ما الدليل على أن الأحاديث التي لم يسمعها من جابر ، كان يرويها عن جابر مباشرة ؟ وكذلك ممن سمع هذه الأحاديث؟ ولم يظهر لنا إلى الآن بالروايات المعنعنة عن جابر أن هناك واسطة بينهما ولا في رواية واحدة . علما أن طلاب جابر كانوا يقدمون أبا الزبير ليحفظ لهم أحاديث جابر ، فقد شهدوا له أنه أحفظهم لأحاديث جابر ، وقد لازمه مدة طويلة. كما أن الجماعة عدا البخاري أخرجوا لأبي الزبير عن جابر بالعنعنة ولم يعلوها بالإنقطاع ، علما أن ابن حبان اشترط في مقدمة صحيحه أن لايخرج لمدلس إلا إذا صرح بالتحديث وأخرج لأبي الزبير عن جابر بالعنعنة أحاديث فدلَّ على أن تهمة التدليس ليست ثابتة في حقِّه [12] .

ــــــــــــــ

المرتبة السادسة

من قال فيه مقبول عند المتابعة وإلا فلين

هذا مصطلح جديد لم يسبق إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله ، ومن ثم فقد أوقع من جاء بعده بحيرة شديدة ، وغموض !

وقد احتار من جاء بعده ماذا يقصد بهذه المرتبة التي أسرف في استعمالها وعدد الرواة الذين وصفهم بهذا الوصف ناف على (1588) راويًا .

إن العاني - رحمه الله - هو أول من قام بدراسة بعض مصطلحات الحافظ ابن حجر في التقريب ، ولاسيما هذه المرتبة والتي دونها ،وردَّ كثيرا من الأخطاء الشائعة حولهما ، وهوعمل جليل ونادر،نسأل الله تعالى أن يثيبه عليه خير الجزاء

ولا شك أنه قد بذل جهدا كبيرا في تبيان معنى المقبول عند الحافظ ابن حجر ، ووصل إلى نتائج طيبة بلا ريب ، ولا سيَّما فيما يتعلقُ برجال الصحيحين .

فأما ما نوافقه عليه فهو من قال عنه الحافظ ابن حجر من رجال الصحيحين: ( مقبول) فلا شكَّ أن حديثهم يدور بين الصحَّة والحسن ، وذلك لإجماع الأمة على صحة أحاديث الصحيحين ، ولكلام العلماء كالذهبي وغيره عن هؤلاء المقلِّين ، ففي الصحيحين من هذا النمط خلقٌ عديدٌ مستورون ، ماضعفهم أحدٌ ، ولاهم بمجاهيل .

فكلام العاني عنهم في غاية الروعة والدقةِ ، وفي هذا ردٌّ على من يعتمدون على كتاب التقريب وحده ويضعِّفون أحاديث في الصحيحين بحجة أن ابن حجر ذكر فيهم كلاما أو قال عنهم ( مقبولون) ونحو ذلك ، فلم يقصد الحافظ ابن حجر تضعيف روايتهم في الصحيحين ، بل دافع عن رجال الصحيحين دفاعًا رائعًا ولا سيما في مقدمة فتح الباري-هدي الساري- والفتح وغيرهما من كتبه النفيسة والمحررة

قلت: من الاستقراء المبدئي الذي قمت به نلاحظ أنَّ غالب هؤلاء يدور حديثهم بين الصحة والحسن ، وقد توبعوا إلا نادرًا.

وهذا فيه تأكيد لقول العاني رحمه الله ، ولكن الأمر يحتاج لتفصيل كامل حول كلِّ راو ، لأن حديث الثقة غير حديث الصدوق ، فما قاله العاني من عدم تصحيح الحديث إذا تفردوا به فيه نظر كبير ، كما رأينا .

ويمكن أن نقيس عليهم بقية الرواة الذين قال فيهم ذلك .والله أعلم

يعني أن حديثهم على حديثهم على الأقل حسنًا لذاته ، ليس ضعيفًا .

إن مقصود الحافظ ابن حجر أنهم مقبولون استوفوا الشروط التي وضعها في التعريف بهم ، ومن ثمَّ فتضعيف الحديث الذي يرد من طريقهم عند عدم التابعة فيه نظر .

وهذا مثال أخير يدلُّ على تصحيح حديث المقبول أحيانًا عند الحافظ ابن حجر ، وغيره ، وهو حديث من طريق نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنها ، وقد تفرد به ولم يتابع .

وهو في سنن أبى داود (4114 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « احْتَجِبَا مِنْهُ » . فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا لأَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً أَلاَ تَرَى إِلَى اعْتِدَادِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَدْ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ « اعْتَدِّى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ » .

وفي سنن الترمذى (3005 ) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَيْمُونَةُ قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « احْتَجِبَا مِنْهُ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [13]

وقال النووي:"وَهَذَا الْحَدِيث حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ حَدِيث حَسَن وَلَا يُلْتَفَت إِلَى قَدَح مِنْ قَدَح فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّة مُعْتَمَدَة" [14] .

قلت: أما نبهان فالصواب أنه صدوق [15]

ورجال إسناده ثقات مشاهير كلهم ؛ غير نبهان مولى أم سلمة وقد وثق،وكفاه في توثيقه وعدالته أمران:

( أولهما ) تابعيته وكونه مولىً لأم المؤمنين أم سلمة زوج النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولهذا ذكره ابن حبان في الثقات قال:"نبهان أبو يحيى مولى أم سلمة . يروى عن أم سلمة . روى عنه الزهرى . وكانت أم سلمة قد كاتبته،وأدى كتابته فعتق" [16] . وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:"مقبول من الثالثة" [17] ،يعنى من أوساط التابعين الذين يتلقَّى حديثهم بالقبول تبعًا لقاعدة الحافظ الذهبي - رحمه الله- حيث قال في ديوان الضعفاء:"وأما المجهولون من الرواة،فإن كان من كبار التابعين أو أوساطهم ؛ احتمل حديثه وتلقي بحسن الظنِّ ؛ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ".

ولهذا صرَّح الذهبي بتوثيقه من غير تورية،فقال في الكاشف:"نبهان . عن مولاته أم سلمة . وعنه: الزهري،ومحمد بن عبد الرحمن . ثقة" [18] .

وفى هذا التصريح بتوثيقه وتعديله ؛ ردٌّ على من زعم أن ذكر الذهبي في ذيل الضعفاء تجهيل ابن حزم إيَّاه إقرار منه بأنَّه مجهول !! .

وهاهنا ينبغي تنبيه الناظر في بعض كتب الحافظ الذهبي،وبخاصةٍ ميزان الاعتدال،أنَّه ربما ذكر كلَّ ما يقال عن الراوي من تضعيف أو تجهيل،وينسبه لقائله من غير تعقيب أو نفيٍ لجهالةٍ،فيظنُّ من لا يعلمُ خطَّة الذهبي وشرطه في المذكورين أن ذلك إقرارٌ منه بالضعف أو التجهيل،وهذا بخلاف مقصد الذهبي وغايته من صنيعه هذا ! .

قال أبو الحسنات اللكنوي في الرفع والتكميل في الجرح والتعديل:"قد أكثر علماء عصرنا من نقل جروح الرواة من ميزان الاعتدال ؛ مع عدم اطلاعهم على أنَّه ملخَّص من الكامل لابن عدي،وعدم وقوفهم على شرطهما فيه في ذكر أحوال الرجال،فوقعوا به في الزلل،وأوقعوا النَّاس في الجدل،فإنَّ كثيرًا ممن ذكر فيه ألفاظ الجرح: معدود في الثقات ؛ سالم من الجرح،فليتبصر العاقل،وليتنبه الغافل،وليجتنب المبادرة إلى جرح الرواة بمجرد وجود أالفاظ الجرح في حقِّه في الميزان،فإنه خسران أيُّ خسران . قال الذهبي في ديباجة ميزانه:"وفيه من تُكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنَى لينٍ،وبأقلِّ جرحٍ،فلولا أن ابن عدي وغيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروه لما ذكرته لثقته،ولم أر أن أحذف اسم واحدٍ ممن له ذكرٌ بتليينٍ في كتب الأئمة المذكورين،خوفًا من أن يُتعقب عليَّ،لا أني ذكرته لضعفٍ فيه عندي" [19] بتمامه ."

( ثانيهما ) رواية الزهري عنه،ولا يضرُّه تفرده،فقد تفرَّد الزهري عن جماعة من تابعي المدنيين ؛ لم يرو عنهم غيره،ووثقهم أئمة التزكية والتعديل .

(1) - مقدمة فتح الباري 385 .

(2) انظر نخبة الفكر ذيل سبل السلام 4/230) . ونزهة النظر (ج 1 / ص 26)

(3) - التعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ج 1 / ص 21)

(4) - انظر مقدمة فتح الباري/ 385

"فأما الخوارج فبدعتهم أول البدع في الإسلام ، وذلك حينَ شقوا عصا الطاعة وخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه . والقدرية ، هُم القائلون بنفي القدر ، أي: أن الشر من خلق العبْد لا من خلق الله ، ومنه من يقول: لا يعلمه الله من المخلوق حتى يفعله . والرافضة: مبْغضو أبي بكر وعُمر وعثمان ، أو مكفروهم ، والغلاة في علي بن أبي طالب وأهل بيته ، والشيعة لقَبٌ يَشملهم ، لكن يدْخل فيه: مُجرد تقديم علي على أبي بكر وعُمر دونَ البُغض . والناصبة: من قابلوا الرافضة في بُغض علي وأهْل بيته . والمرجئة: من ذهب إلى أن الإيمان مُجرَّد اعتقادِ القلب وإقرار اللسان ، وأنَّ الأعمال ليست من الإيمان ، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص ، ومنهم من غلا فقال: لا يضرُّ مع الإيمان معصية . والجهمية: أتباع جهم بن صَفوان في نفي صِفات الباري تعالى ، واعتقاد خلق القرآن . والواقفة: هم من توقَّف في القرآن حين ظهرت المقالة فيه فقالوا: لا نقول هو مخلوق ، ولا غير مخلوق". تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع (ج 1 / ص 480)

(5) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع (ج 1 / ص 258-269)

(6) - الباعث الحثيث، أحمد شاكر، 84 .

(7) - انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 7/153 ـ 154 .

(8) - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، 396 .

(9) - انظر تهذيب التهذيب [ ج3 - ص180 ] (397 ) والكامل 3/112-115 .

(10) - الكاشف (2336) وديوان الضعفاء (1903) وانظر الجامع في الجرح والتعديل (1838) والميزان: 2/284 والجرح والتعديل [ ج4 - ص382 ] (1668) والثقات للعجلي [ ج1 - ص461 ] (741) والتاريخ الكبير [ ج4 - ص258 ] (2730) وتهذيب الكمال [ ج12 - ص578 ] (2781) وتهذيب التهذيب [ ج4 - ص324 ] (635 )

(11) - سير أعلام النبلاء (4/372) (151 ) فما بعد

(12) - وقد تولَّى بالرد على من اتهمه بالتدليس صاحب كتاب تنبيه المسلم إلى تعدي الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- على صحيح مسلم فأفاد وأجاد

(13) - وانظر طريقه في المسند الجامع (ج 20 / ص 1061) (17622) وسنن البيهقي 7/92 والفتح 1/550 و12/37 وشرح السنة 9/24 والإتحاف 6/491 والخطيب في التاريخ 3/16 و8/339 وموارد الظمآن (1968) والإحسان (5575) والنسائي في الكبرى (9241) وإسحاق في مسنده (34) وأبو يعلى (6922) والتمهيد لابن عبد البر 19/154و156وابن سعد 8/175و178 وعشرة النساء للنسائي (341-7997 بتحقيقي) ،وقال ابن الملقن في البدر المنير (ج 7 / ص 512) هَذَا الحَدِيث صَحِيح.

(14) - شرح النووي على مسلم (ج 5 / ص 240) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة (ج 10 / ص 2426) رقم الفتوى 72743 تعليل اعتداد فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم

(15) - انظر تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 559 ] (7092 ) وقال: مكاتب أم سلمة مقبول من الثالثة وفي الكاشف [ ج 2 -ص 316 ] (5795 ) ثقة، وسكت عليه البخاري في التاريخ الكبير [ ج 8 -ص 135 ] (2466 ) والثقات لابن حبان [ ج 5 -ص 486 ] (5854) وسكت عليه في الجرح والتعديل [ ج 8 -ص 502 ] ( 2300 )

(16) - الثقات (5/486/

(17) - التقريب (1/559/ 7092 )

(18) - الكاشف (2/316/5759)

(19) - الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ( ص142)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت