فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 522

1-تعريفُه:

أ) لغة: هو اسم مفعولٍ من"أرسلَ"بمعنى"أطلق"فكأن المُرسِل أَطْلَقَ الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف.

ب) اصطلاحًا: هو ما سقطَ من آخر إسناده مَنْ بَعْدَ التابعي [2]

2-صورتُه:

وصورتُه أن يقول التابعيُّ ـ سواء كان صغيرًا أو كبيرًا ـ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو فعل كذا أو فُعِلَ بحضرته كذا وهذه صورة المرسل عند المحدِّثين.

قال السيوطي [3] :

" [اتَّفقَ عُلماء الطَّوائف على أنَّ قول التَّابعي الكبير] كعُبيد الله بن عَدي بن الخِيَار, وقَيْس بن أبي حازم, وسعيد بن المُسيب [قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَذَا, أو فعله, يُسمَّى مُرسلًا, فإن انقطعَ قبل التَّابعي] هكذا عبَّر ابن الصَّلاح [4] تبعًا للحاكم [5] , والصَّوابُ قبلَ الصَّحابي [واحد أو أكثر, قال الحاكم وغيره من المُحدِّثين: لا يُسمَّى مُرسلًا, بل يَخْتصُّ المُرسلُ بالتَّابعي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , فإن سقط قبله] تقدَّم ما فيه [ واحد فهو منقطع, وإن كان] السَّاقط [أكثرَ] من واحدٍ [فمُعضلٌ ومُنقطعٌ] أيضًا."

3-مثالُه:

ما أخرجه مالك في الموطأ [6] عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ.""

فسعيد بن المسيب تابعيٌّ كبيرٌ، روى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلي الله عليه وسلم، فقد أسقطَ من إسناد هذا الحديث آخِرَهُ وهو من بعد التابعي ، وأقلُّ هذا السقط أن يكون قد سقط الصحابي ويحتمل أن يكون قد سقط معه غيره كتابعيٍّ مثلًا .

4-المُرْسَلُ عند الفقهاءِ والأصوليين [7] :

" [والمشهور في الفِقْهِ والأصُول, أنَّ الكل مُرْسلٌ, وبه قطعَ الخطيب[8] ]وقال: إلاَّ أنَّ أكثر ما يُوصفُ بالإرْسَال, من حيث الاسْتعمال, ما رَواهُ التَّابعيُّ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ."

قال المُصَنِّف [9] : [وهذا اختلافٌ في الاصْطلاح, والعِبَارة] لا في المَعْنى, لأنَّ الكُلَّ لا يُحتجُّ به عند هؤلاء ولا هؤلاء, والمُحدِّثون خَصُّوا اسم المُرسل بالأوَّل دونَ غيره, والفُقهاء والأصُوليون عمَّمُوا. [10]

[وأمَّا قول الزُّهْري وغيره من صِغَار التَّابعين: قال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - , فالمَشْهُور عند من خصَّه بالتَّابعي أنَّه مُرسلٌ كالكبير, وقيل: ليسَ بمُرسلٍ, بل مُنقطعٌ] [11] لأنَّ أكثر رواياتهم عن التابعينَ. [12]

ويُردُ على تخصيص المُرْسل بالتَّابعي, مَنْ سمعَ من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كافرٌ ثمَّ أسلم بعد موتهِ, فهو تابعيٌّ اتِّفاقًا, وحديثهُ ليسَ بِمُرسل, بل موصُولٌ لا خِلاف في الاحْتجَاجِ به, كالتَّنوخي رَسُول هرقل - وفي رِوَاية قيصر - فقد أخرجَ حديثهُ الإمام أحمد وأبو يَعْلى في مُسنديهما, وسَاقاه مَسَاق الأحاديث المُسْندة.

وهذه روايته في مسند أحمد (16060) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى رَاشِدٍ قَالَ َقِيتُ التَّنُوخِىَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحِمْصَ - وَكَانَ جَارًا لِى شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الْفَنَدَ أَوْ قَرُبَ - فَقُلْتُ َلاَ تُخْبِرُنِى عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى هِرَقْلَ. فَقَالِ َلَى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَبُوكَ فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِىَّ إِلَى هِرَقْلَ فَلَمَّا أَنْ جَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا قِسِّيسِى الرُّومِ وَبَطَارِقَتَهَا ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَابًا فَقَالَ قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَىَّ يَدْعُونِى إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ يَدْعُونِى إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَه مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا وَالأَرْضُ أَرْضُنَا أَوْ نُلْقِىَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَءُونَ مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَىَّ فَهَلُمَّ نَتَّبِعْهُ عَلَى دِينِهِ أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا. فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ وَقَالُوا تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لأَعْرَابِىٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ. فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرُّومَ رَفَأَهُمْ وَلَمْ يَكَدْ وَقَالَ إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لأَعْلَمَ صلاَبَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ ادْعُ لِى رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ عَرَبِىَّ اللِّسَانِ أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ فَجَاءَ بِى فَدَفَعَ إِلَىَّ هِرَقْلُ كِتَابًا فَقَالَ اذْهَبْ بِكِتَابِى إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَمَا ضَيَّعْتُ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِى مِنْهُ ثَلاَثَ خِصَالٍ انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ الَّتِى كَتَبَ إِلَىَّ بِشَىْءٍ وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِى فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ وَانْظُرْ فِى ظَهْرِهِ هَلْ بِهِ شَىْءٌ يَرِيبُكَ. فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا عَلَى الْمَاءِ فَقُلْتُ أَيْنَ صَاحِبُكُمْ قِيلَ هَا هُوَ ذَا.

فَأَقْبَلْتُ أَمْشِى حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ كِتَابِى فَوَضَعَهُ فِى حَجْرِهِ ثُمَّ قَالَ « مِمَّنْ أَنْتَ » . فَقُلْتُ أَنَا أَحَدُ تَنُوخَ. قَالَ « هَلْ لَكَ فِى الإِسْلاَمِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ » . قُلْتُ ِنِّى رَسُولُ قَوْمٍ وَعَلَى دِينِ قَوْمٍ لاَ أَرْجِعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَضَحِكَ وَقَالَ « ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) يَا أَخَا تَنُوخَ إِنِّى كَتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَهُ وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقٌ مُلْكَهُ وَكَتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِىِّ بِصَحِيفَةٍ فَخَرَقَهَا وَاللَّهُ مُخْرِقُهُ وَمُخْرِقٌ مُلْكَهُ وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأَمْسَكَهَا فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجِدُونَ مِنْهُ بَأْسًا مَا دَامَ فِى الْعَيْشِ خَيْرٌ » . قُلْتُ هَذِهِ إِحْدَى الثَّلاَثَةِ الَّتِى أَوْصَانِى بِهَا صَاحِبِى وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِى فَكَتَبْتُها فِى جِلْدِ سَيْفِى ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ قُلْتُ مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الَّذِى يُقْرَأُ لَكُمْ قَالُوا مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا فِى كِتَابِ صَاحِبِى تَدْعُونِى إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فَأَيْنَ النَّارُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ » . قَالَ فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِى فَكَتَبْتُهُ فِى جِلْدِ سَيْفِى. فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِى قَالَ « إنَّ لَكَ حَقًّا وَإِنَّكَ رَسُولٌ فَلَوْ وُجِدَتْ عِنْدَنَا جَائِزَةٌ جَوَّزْنَاكَ بِهَا إِنَّا سَفْرٌ مُرْمِلُونَ » . قَالَ فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ قَالَ َنَا أُجَوِّزُهُ. فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِى بِحُلَّةٍ صَفُورِيَّةٍ فَوَضَعَهَا فِى حَجْرِى قُلْتُ َنْ صَاحِبُ الجَائِزَةِ قِيلَ لِى عُثْمَانُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ » . فَقَالَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ أَنَا. فَقَامَ الأَنْصَارِىُّ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ نَادَانِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ « تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخَ » . فَأَقْبَلْتُ أَهْوِى إِلَيْهِ حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِى مِجْلِسِى الَّذِى كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَقَالَ « هَا هُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ » . فَجُلْتُ فِى ظَهْرِهِ فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِى مَوْضِعِ غُضُونِ الْكَتِفِ مِثْلِ الحَجْمَةِ الضَّخْمَةِ. [13]

ومن رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غير مُميِّز, كمُحمَّد بن أبي بكر الصِّديق [14] , فإنَّه صحابيٌّ, وحُكم رِوَايته حُكم المُرسل لا الموصُول, ولا يجيء فيه ما قيل في مَرَاسيلُ الصَّحابة, لأنَّ أكثر رِوَاية هذا وشبههِ عن التَّابعي بخلاف الصَّحابي الَّذي أدركَ وسمعَ, فإنَّ احتمال رِوَايته عن التَّابعيِّ بعيدٌ جدًّا.

وقال العِرَاقيُّ [15] : قال ابن القطَّان: إنَّ الإرْسَال رِوَاية الرَّجُل عمَّن لم يسمع منه, قال: فعلَى هذا هو قولٌ رابع في حدِّ المُرْسل.

[وإذا قال] الرَّاوي في الإسْنَاد [فُلان عن رجل] أو شيخ [عن فُلان, فقال الحاكم[16] ]هو [منقطع ليس مرسلًا, وقال غيره] حكاهُ ابن الصَّلاح [17] عن بعض كتب الأصول [مرسل] .

قال العِرَاقيُّ [18] : وكلٌّ من القولين خلاف ما عليه الأكْثرون, فإنَّهم ذهبُوا إلى أنَّه مُتَّصلٌ في سَندهِ مجهولٌ, حكاهُ الرَّشيد العَطَّار واختاره العَلائي .

قال: وما حكاهُ ابن الصَّلاح عن بعض كُتب الأصُول, أرادَ به البُرْهان لإمام الحرمين, فإنَّه ذكرَ ذلك فيه, وزادَ كتب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الَّتي لم يُسَمَّ حاملها, وزاد في «المَحْصُول» من سُمِّي باسْمٍ لا يُعرف به.

قال: وعلى ذلك مَشَى أبو داود في كتاب «المَرَاسيل» فإنَّه يروي فيه ما أُبهم فيه الرَّجل.

قال: بل زاد البيهقيُّ على هذا في «سُننه» فجعل ما رواه التَّابعي عن رجل من الصحابة لم يُسمَّ مُرسلًا, وليس بجيِّد, اللهمَّ إلاَّ إن كانَ يُسميه مُرسلا, ويجعله حجَّة كمراسيل الصَّحابة, فهو قريبٌ.

وقد روى البُخَاري عن الحُميدي قال: إذا صحَّ الإسْنَاد عن الثِّقات إلى رجل من الصَّحابة فهو حُجَّة, كمراسيل الصَّحابةِ وإن لم يُسم ذلك الرَّجل. [19]

وقال الأثْرم: قلتُ لأحمد بن حنبل: إذا قال رجلٌ من التَّابعين: حدَّثني رجل من الصَّحابة ولم يُسمِّه, فالحديث صحيح؟ قال: نعم [20] .

قال: وفرَّق الصَّيرفي من الشَّافعية بين أن يرويه التَّابعي عن الصَّحابي مُعنعنًا, أو مُصرَّحًا بالسَّماع.

قال: وهو حسنٌ متَّجهٌ, وكلام من أطلقَ قبوله مَحْمولٌ على هذا التفصيلِ. انتهى.

قلت: وهذا هو الراجح ، والمسالة لها طرفان ؛ فإنَّ قول الراوي عن رجلٍ ولم يسمه لا يخلو: إما أنه سمع منه أو لم يسمع منه ، فإن سمع منه فالعلة الجهالة ، ولا يعرف سماعه منه إلا بالتصريح ، كأن يقول: حدثني رجلٌ ، لأن الحكم بسماع راوٍ من شيخ معين فرعٌ من معرفتنا بهذا الراوي وذلك الشيخ ، وعدم معرفتنا بأحدهما يمنع الحكم بالسماع ، لكن لما صرح بالسماع وهو ثقة قبلنا منه ذلك .

وإن لم يكن سمع منه ، فالعلة الجهالة والانقطاع .

وإذا لم يصرح المبهم بالسماع ممن فوقه ، فقد يحكم أيضًا بالانقطاع بينهما ، حتى ولو صرح ذلك المبهم بالسماع ، لأن المبهَم قد يكون ضعيفًا ، والضعيف قد يخطئ فيصرح ممن لم يسمع منه كما هو معلوم .

على أن الإبهام هو في الحكم كالانقطاع ، وأي فرق بين أن يقول الراوي: قال فلان كذا ، وهو لم يسمع منه ، وبين أن يقول: حدثني شيخ عن فلان بكذا ، فكلا الروايتين في الحكم سواء ،هذه منقطعة جزمًا ، وتلك منقطعة جزمًا ، وإن اختلفت ألفاظ الرواة ، لأن إبهام الراوي حكمه كما لو لم يذكر أصلًا .

ولعله لذلك ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الرواية المبهمة هي من قبيل المرسل أو المنقطع . [21]

5-حكمُه:

المرسَلُ في الأصلِ ضعيفٌ مردودٌ، لفقده شرطًا من شروط المقبول وهو اتصال السند، وللجهلِ بحال الراوي المحذوف ،لاحتمال أن يكون المحذوفُ غيرَ صحابي، وفي هذه الحال يحتمل أن يكون ضعيفًا.

لكن العلماءَ من المحدِّثين وغيرهم اختلفوا في حكم المرسل والاحتجاج به، لأن هذا النوع من الانقطاع يختلفُ عن أي انقطاع آخر في السند، لأن الساقط منه غالبًا ما يكونُ صحابيًا، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ، لا تضرُّ عدمُ معرفتِهم.

قال الزركشيُّ [22] :

"الْمَذَاهِبُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُرْسَلِ ] وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي الْمُرْسَلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا:"

أَحَدُهَا: عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ مُرْسَلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُطْلَقًا ، وَقَبُولُ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ .

قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي"الْمُعْتَمَدِ": وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ كَذَا قُبِلَ ، إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ . [23]

وَالثَّانِي: قَبُولُهُ مِنَ الْعَدْلِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .

وَالثَّالِثُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ حَكَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي"شَرْحِ الْعُدَّةِ"، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .

قَالَ: وَأَمَّا مَرَاسِيلُ التَّابِعِينَ ، فَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُ .

وَالرَّابِعُ: لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا ، وَحُكِيَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَرْهَانٍ فَقَالَ فِي"كِتَابِ الْأَوْسَطِ": إنَّهُ الْأَصَحُّ ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي"الْمُلَخَّصِ": إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي"شَرْحِ الْبُخَارِيِّ"تَصْرِيحًا عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ .

وَالْخَامِسُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ دُونَ غَيْرِهِمْ .

وَالسَّادِسُ: لَا تُقْبَلُ إلَّا إنْ اُعْتُضِدَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ بِأَنْ يُرْسِلَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ ، أَوْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ يُرْسِلُهُ ، أَوْ يُرْسِلَهُ رَاوٍ آخَرُ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ شُيُوخِ الْأَوَّلِ ، أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ فِعْلُهُ ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ الْقِيَاسُ ، أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ ، فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ .

السَّابِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ صَغُرَ عَنْهُمْ .

وَالثَّامِنُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ وَالتَّابِعِيَّ إذَا عُرِفَ بِصَرِيحِ خَبَرِهِ ، أَوْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ قُبِلَ مُرْسَلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَبُولِ رَدِّ الْمُرْسَلِ .

وَالتَّاسِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ .

وَالْعَاشِرُ: يُقْبَلُ مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ .

وَالْحَادِيَ عَشَرَ: مِنَ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِهِ يُقَدَّمُ مَا أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي دَرَجَتِهِمْ .حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ .

وَالثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الثِّقَاتِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدَاتِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُرْسَلُ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ مُسْنَدِهِ .

وَالثَّالِثَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُرْسَلُ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدِ ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ .

وَالرَّابِعَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لِلْمُسْنَدِ مَزِيَّةُ فَضْلٍ لِوَضْعِ الِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ .

الْخَامِسَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ ، فَيَقْبَلُ مَرَاسِيلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ دُونَ بَعْضٍ .

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ .

السَّادِسَ عَشَرَ: مِنَ الْمُنْكَرِينَ لِلْمُرْسَلِ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ الصَّحَابَةِ .

السَّابِعَ عَشَرَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَخْتَارُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُرْسَلَاتِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - .

الثَّامِنَ عَشَرَ: لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ أَنْ يُعَضِّدَهُ إجْمَاعٌ فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْنَدِ .قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ"الْإِحْكَامِ".

هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ ، وَفِي بَعْضِهَا تَدَاخُلٌ .

(1) - كشف الأسرار - (ج 5 / ص 168) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 254) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 348) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 391) ومذكرة أصول الفقه - (ج 1 / ص 43) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 13) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 176) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 137)

(2) - نزهة النظر ص 43 . والتابعي هو من لقي الصحابي مسلمًا ومات على الإسلام.

(3) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 136)

(4) - في علوم الحديث ص 71

(5) - في معرفة علوم الحديث ص 28

(6) - برقم (1318 )

(7) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 136)

(8) - الكفاية ص 58

(9) - يعني النووي

(10) - بل استعمال المحدثين يدلُّ على العموم أيضًا ، وهذا واضحٌ في كتب العلل والرجال ، فإنهم كثيرًا ما يقولون فلان عن فلان مرسل ، ويكون الساقطُ تابعيًّا أو دونه ، وكتاب المراسيل لابن أبي حاتم أصل في هذا ، فقد سماه المراسيل ، مع أن موضوعه عامٌّ فيما لم يتصل على أي وجه كان ، والله أعلم .

(11) - التمهيد لابن عبد البر 1/20-21

(12) - قال الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 6) :"نعم وإن صَحَّ الإسنادُ إلى تابعيٍّ متوسِطِ الطبقة ، كمراسيل مجاهد ،وإبراهيم ، والشعبي فهو مرسَل جيّد ، لا بأسَ به ، يقَبلُه قومٌ ويَرُدُّه آخَرون ."

ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيلُ الحَسَن .

وأوهى من ذلك: مراسيلُ الزهري ، و قتادة ، وحُمَيد الطويل ،من صغار التابعين .

وغالبُ المحقَّقين يَعُدُّون مراسيلَ هؤلاء مُعْضَلاتٍ ومنقطِعات ، فإنَّ غالبَ رواياتِ هؤلاء عن تابعيٍّ كبير ، عن صحابي ، فالظنُّ بممُرْسِلِه أنه أَسقَطَ من إسنادِه اثنين"."

قلت: وفي بعض كلامه نظر

(13) - وفي البداية والنهاية لابن كثير (ج/ص: 5/21) قال: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به تفرَّد به الإمام أحمد.

قلت: فالحديث حسن ورجاله ثقات ، وفيه سعيد بن أبي راشد قال الذهبي في الكاشف (1881 ) صدوق

حبوة: ملتقى طرفى ثوبه عند صدره ، المحتبى: الاحتباء أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها الحجمة: الآلة التى يجمع فيها دم الحجامة عند المص رفأ: سكن المرمل: الذى نفد زاده الصفورية: نسبة إلى صفورية وهى بلدة من نواحى الأردن بالشام الغضون: جمع الغضن وهو كل تثن في ثوب أو جلد الفند: الفند الكذب ويقال للشيخ إذا هرم أفند لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام نخر: النخير صوت الأنف أهوى: أتناول باليد

(14) - محمد بن أبي بكر الصديق أبو القاسم له رؤية وقتل سنة ثمان وثلاثين وكان علي يثني عليه س ق .تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 470 ] (5764 )

(15) - في التبصرة 1/146 وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 112) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 10)

(16) - في المعرفة ص 28

(17) - علوم الحديث ص 73

(18) - التقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 16)

(19) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 144) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 151) والتقييد والإيضاح للحافظ العراقي - (ج 1 / ص 16)

(20) - التمهيد لابن عبد البر 4/94

(21) - راجع المعرفة للحاكم ص 27 و28 والعلل لابن المديني ص 101 والتاريخ الكبير للبخاري 1/1/260/829 والناسخ والمنسوخ للأثرم ص 135 وسير أعلام النبلاء للذهبي 5/339 والإصابة 4/421-422

(22) - البحر المحيط في أصول الفقه - (ج 3 / ص 463) وانظر:الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 387) وأبحاث هيئة كبار العلماء - (ج 1 / ص 503) ومجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 17025) والمستصفى - (ج 1 / ص 340)

(23) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 145) والنكت على ابن الصلاح - (ج 2 / ص 547) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 3 / ص 11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت