الفصل السادس
تفسير عبارات الجرح والتعديل
المبحث الأول
تفسير عبارات الجرح والتعديل
هذا المبحث معقود لبيان دلالات الألفاظ التي ورد عن السلف من أئمة هذا الشأن بيان معانيها، أو كانت كثيرة الاستعمال شائعة، يجدر التنبيه على بعض ما يتصل بها مما تكون له فائدة لكشف أثر استعمالها.
ولم أقصد إلى حصر ألفاظ الجرح والتعديل، فهذا مما لا يتحمله هذا المقام [1] ، ولم أر تتبع ذلك استقصاء مما له كبير فائدة، وذلك أن منها ما يندر استعماله، بل فيها ما لم يستعمل إلا في الراوي الواحد [2] ، ومنها الشائع المنتشر، وهذا غالبه بين في دلالته اللغوية، فالأصل أن تلك الألفاظ موضوعة على دلالاتها في كلام العرب، ومنها ما يعرف بالمقايسة بما أذكر.
فإن كانت للفظ دلالة خاصة، فالطريق إلى العلم بها أحد أمور ثلاثة:
الأول: بيان مستعملها أنه يعني بها كذا.
والثاني: دلالة قرينة في السياق على إرادة معنى معين.
والثالث: إفادة التتبع لاستعمالات الناقد لتلك اللفظة.
1 -من هو (الحجة) ؟
قولهم: (فلان حجة) ، أو: (يحتج بحديثه) أو: (لا يحتج بحديثه) مما يتكرر كثيرًا في كلام النقاد في تعديل الرواة وتجريحهم.
فقولهم: (حجة) يعني (ثقة) ، بل فوق الثقة [3] ، يصحح حديثه ويحتج به.
وتأتي عبارة (يحتج به) ، في أكثر الأحيان وصفًا إضافيًا مع لفظ آخر أو أكثر من ألفاظ التعديل، لكن قد يستعملها الناقد أحيانًا وصفًا مستقلًا، وهي عندئذ من أوصاف التعديل، وصريحة في صحة الاحتجاج بحديث الموصوف بها عند قائلها.
من ذلك الدار قطني في (مغيرة بن سبيع الكوفي) يروي عن بريدة الأسلمي:"يحتج به" [4] .
ويقابلها قولهم: (لا يحتج به) في التجريح، وستأتي.
فإذا قال الناقد: (فلان لا بأس به) فيقال له: يحتج به؟ فيقول: (لا) ، دلَّ ذلك على أنه لم يرد بعبارة التعديل ما يفهمه إطلاقها من صحة أو حسن حديث ذلك الراوي.
ويأتي في شرح عبارة: (لا بأس به) من أمثلة ما يوضح ذلك.
وللأئمة في إطلاق وصف"حجة"إرادة خاص.
وقال المروذي: وسئل أبو عبد الله، عن شعيب، فقال: ما فيهم إلا ثقة، وجعل يقول: تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة، وسفيان حجة، ومالك حجة. قلت: ويحيى؟ قال: يحيى، وعبد الرحمان، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتًا."سؤالاته" (45) . [5] "."
وقال المروذي: وسئل أبو عبد الله، عن شعيب. فقال: ما فيهم إلا ثقة، وجعل يقول: تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان."سؤالاته" (45) .. [6]
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجّة، فقلت له: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال:"كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز" [7] .
قال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيبًا؟ قال:"لا، ولكنه كان ثقة" [8] .
قلت: وهذه العبارات وشبهها من هؤلاء الأعلام أرادوا بها الحجة الذي يكون حكمًا على غيره فيما يرويه، ينازع الرواة إلى روايته، ولا ينازع هو إلى غيره، لكونه قد تجاوز في الحفظ والإتقان أن يكون محكومًا عليه، أو أرادوا من يليق إطلاق القول:"هو ثقة"، أو"هو حجة"دون تحفظ.
وإلا فإنهم احتجوا بروايات الثقات المقلِّين، وبالثقات الذين قورنوا هنا ببعض كبار المتقنين، بل واحتجُّوا بحديث الصدوق لكن بعد عرضه على المحفوظ من حديث الثقات.
ـــــــــــــــ
(1) - ولسْتُ أرى ابتداع أمْر كهذا أن يكون على سبيل الاستقصاءِ إلا مما يثْقل به هذا العلم، فإنَّ المتعرض له الناظر في مصطلحات أهْله المشتغل به، المدمن للنظر في تراجم النقلة، لا يحتاج إلى أن يُتكلف له تتبع مثل ذلك، وهُو أمْرٌ لم يفعله المتقدمون، إنما شرحوا من تلك العبارات ما يُشكل وما يكثر، وقد رأيت كتابًا حافلًا لشيخ فاضل جمع فيه تلك الألفاظ كالمستقصي، لكني استثْقلته للمبتدئ، واستبْعدتُ فائدته للمتخصص.
(2) - وللعالم الفاضل الدكتور سعدي الهاشمي كِتابان فريدان في جمع الألفاظ النادرة والقليلة الاستعمال، أحدهما في (ألفاظ التوثيق والتعديل) ، والثاني في (ألفاظ التجريح) .
(3) - انْظر: تَذكرة الحفاظ، للذهبي (3/ 979) .
(4) - سؤالات البرقاني (النص: 511) .
(5) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 9 / ص 241)
(6) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 3 / ص 353)
(7) - تاريخ أبي زُرعة (1/ 460 - 461) .
(8) - (تاريخه:462) وتهذيب الكمال للمزي - (ج 24 / ص 424)