"اعلم أن الأحاديث الموضوعة في أزمان أولئك الكذابين كانت كثيرة ، ولكن الله نفى أكثرها بأئمة الهدى الذين سخرهم للذب عن دينه ، ففضح بهم أمر الكذابين ، وكشفوا عن حقيقة أمرهم ، وأبطلوا ما جاءوا به ، ثم صنفت التصانيف الموثقة في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعمد أصحابها إلى انتقاء الحديث فيها ، متقين ما انكشف وظهر بطلانه ووضعه ، وأكثروا تخريج أحاديث الثقات ، وانعدم تارة وندر أخرى فيما خرجوه أحاديث الكذابين ، خصوصًا تلك الكتب الأمهات المحتوية على تفاصيل السنن ، والتي لا يكاد يخرج عنها من الحديث الصحيح إلا ما ندر ."
فحين ترى مثلًا ما جاء عن الرجل الواحد من رءوس الكذب أنه وضع الآلاف من الحديث ، فلا يغرنك هذا فتحسب له أثرًا في حفظ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذلك كقول الحاكم النيسابوري:"مُحمد بن تميم الفاريابي ، قد وضَعَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من عشْرة آلافِ حديث ، وهُو قريبٌ من الجوباري" [1] .
وقول ابن حبان في ( محمد بن يونس الكديمي ) :"يضع على الثقات الحديث وضعًا ، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث" [2] .
فهذا وشبهه جميعًا مما لم يبق له وجود من رواية هؤلاء وأمثالهم إلا الشيء اليسير المتميز الذي تسلم منه أمهات السنة بفضل الله ونعمته ، فله الحمد .
ولعل من حكمة بقاء ذلك اليسير أن يستدلَّ به على كذب هؤلاء وفضيحتهم ، وقد اعتنى ببيانه علماء الأمة ، ولا يزالون ." [3] "
أ) كتاب الموضوعات لابن الجوزي
أَبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ عَلِيٍّ الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، المُفَسِّرُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، مَفْخَرُ العِرَاقِ، جَمَالُ الدِّيْنِ، أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَمَّادِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ القَاسِمِ بنِ النَّضْرِ بنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الفَقِيْهِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابْنِ الفَقِيْهِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ ابْنِ خَلِيْفَةَ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، القُرَشِيُّ، التَّيْمِيُّ، البَكْرِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، الوَاعِظُ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. وُلِدَ: سَنَةَ تِسْعٍ -أَوْ عَشْرٍ- وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَكَانَ رَأْسًا فِي التذكير بِلاَ مدَافعَة، يَقُوْلُ النَّظم الرَّائِق، وَالنّثر الفَائِق بديهًا، وَيُسهِب، وَيُعجِب، وَيُطرِب، وَيُطنِب، لَمْ يَأْت قَبْله وَلاَ بَعْدَهُ مِثْله، فَهُوَ حَامِل لوَاء الوعظ، وَالقيِّم بِفنونه، مَعَ الشّكل الحَسَن، وَالصّوت الطّيب، وَالوقع فِي النُّفُوْس، وَحُسْن السِّيْرَةِ، وَكَانَ بَحْرًا فِي التَّفْسِيْر، علاَّمَة فِي السّير وَالتَّارِيْخ، مَوْصُوَفًا بِحسن الحَدِيْث، وَمَعْرِفَة فُنونه، فَقِيْهًا، عليمًا بِالإِجْمَاعِ وَالاخْتِلاَف، جَيِّد المشَاركَة فِي الطِّبّ، ذَا تَفنُّن وَفَهم وَذكَاء وَحفظ وَاسْتحضَار، وَإِكْبَابٍ عَلَى الجمع وَالتَّصْنِيْف، مَعَ التَّصَوُّنِ وَالتَّجَمُّلِ، وَحسن الشَّارَةِ، وَرشَاقَة العبَارَة، وَلطف الشَّمَائِل، وَالأَوْصَاف الحمِيدَة، وَالحرمَة الوَافرَة عِنْد الخَاص وَالعَام، مَا عَرَفْتُ أَحَدًا صَنَّفَ مَا صَنَّفَ.
تُوُفِّيَ أَبُوْهُ وَلَهُ ثَلاَثَة أَعْوَام، فَرَبَّتْهُ عَمَّتُه، وَأَقَارِبُه كَانُوا تُجَّارًا فِي النُّحاسِ، فَرُبَّمَا كتبَ اسْمَهُ فِي السَّمَاعِ عَبْد الرَّحْمَانِ بن عَلِيٍّ الصَّفَّار ،ثُمَّ لمَا ترعرع، حملته عَمَّته إِلَى ابْنِ نَاصِر، فَأَسمعَهُ الكَثِيْر، وَأَحَبّ الوعظ، وَلهج بِهِ، وَهُوَ مُرَاهِق، فَوَعَظ النَّاس وَهُوَ صَبِيّ، ثُمَّ مَا زَالَ نَافق السُّوق مُعظَّمًا مُتغَاليًا فِيْهِ، مُزدحمًا عَلَيْهِ، مضروبًا بِروَنق وَعظه المَثَل، كَمَالُه فِي ازديَاد وَاشتهَار، إِلَى أن مَاتَ -رَحِمَهُ الله وَسَامَحَهُ- فَلَيْتَهُ لَمْ يَخُض فِي التَّأْوِيْل، وَلاَ خَالف إِمَامه.
صَنّف فِي التَّفْسِيْر (المغنِي) كَبِيْر، ثُمَّ اخْتصره فِي أَرْبَع مُجَلَّدَاتٍ، وَسَمَّاهُ (زَاد المَسِيْر) ، وَلَهُ (تذكرَة الأَرِيب) فِي اللُّغَة مُجَلَّد، (الوُجُوه وَالنَّظَائِر) مُجَلَّد، (فُنُوْن الأَفنَان) مُجَلَّد، (جَامِع المسَانِيْد) سَبْع مُجَلَّدَاتٍ وَمَا اسْتَوْعَبَ وَلاَ كَادَ، (الحدَائِق) مُجَلَّدَان، (نَقْي النّقل) مُجَلَّدَان، (عيون الحِكَايَات) مُجَلَّدَان، (التّحقيق فِي مَسَائِل الخلاَف) مُجَلَّدَان، (مشكل الصِّحَاح) أَرْبَع مُجَلَّدَاتٍ، (المَوْضُوْعَات) مُجَلَّدَان، (الوَاهيَات) مُجَلَّدَان، (الضُّعَفَاء) مُجَلَّد، (تلقيح الفهوم) مُجَلَّد، (المنتظم فِي التَّارِيْخ) عَشْرَة مُجَلَّدَاتٍ، (المَذْهَب فِي المذهب) مُجَلَّد، (الانتصَار فِي الخلاَفِيَات) مُجَلَّدَان، (مَشْهُوْر المَسَائِل) مُجَلَّدَان، (اليَواقيت) وَعظ، مُجَلَّد، (نسيم السّحر) مُجَلَّد، (المنتخب) مُجَلَّد، (المدهش) مُجَلَّد، (صفوَة الصّفوَة) أَرْبَع مُجَلَّدَاتٍ، (أَخْبَار الأَخيَار) مُجَلَّد، (أَخْبَار النِّسَاء) مُجَلَّد، (مثير العَزْم السَّاكن) مُجَلَّد، (المقعد المقيم) مُجَلَّد، (ذَمّ الهَوَى) مُجَلَّد، (تلبيس إِبليس) مُجَلَّد.
(صيد الخَاطر) ثَلاَث مُجَلَّدَاتٍ، (الأَذكيَاء) مُجَلَّد، (المغفّلين) مُجَلَّد، (منَافِع الطِّبّ) مُجَلَّد، (صبَا نَجد) مُجَلَّد، (الظرفَاء) مُجَلَّد، (الملهب) مُجَلَّد، (المطرب) مُجَلَّد، (منتهَى المشتهَى) مُجَلَّد، (فُنُوْن الأَلبَاب) مُجَلَّد، (المزعج) مُجَلَّد، (سلوَة الأَحزَان) مُجَلَّد، (مِنْهَاج القَاصدين) مُجَلَّدَان، (الوَفَا بفَضَائِل المُصْطَفَى) مُجَلَّدَان، (مَنَاقِب أَبِي بَكْرٍ) مُجَلَّد، (مَنَاقِب عُمَر) مُجَلَّد، (مَنَاقِب عليّ) مُجَلَّد، (مَنَاقِب إِبْرَاهِيْم بن أَدْهَمَ) مُجَلَّد، (مَنَاقِب الفُضَيْل) مُجَلَّد، (مَنَاقِب بشر الحَافِي) مُجَلَّد، (مَنَاقِب رَابِعَة) جزء، (مَنَاقِب عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْزِ) مُجَلَّد، (مَنَاقِب سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ) جُزْءانِ، (مَنَاقِب الحَسَن) جُزْءانِ، (الثَّوْرِيّ) مُجَلَّد، (مَنَاقِب أَحْمَد) مُجَلَّد، (مَنَاقِب الشَّافِعِيّ) مُجَلَّد، (مُوَافِق المرَافق) مُجَلَّد، مَنَاقِب غَيْر وَاحِد جزء جزء، (مُخْتَصَر فُنُوْن ابْن عَقِيْل) فِي بَضْعَة عشر مُجَلَّدًا، (مَنَاقِب الحبش) مُجَلَّد، (لِبَاب زِين القصص) ، (فَضل مَقْبَرَة أَحْمَد) ، (فَضَائِل الأَيَّام) ، (أَسبَاب البدَايَة) ، (وَاسطَات العقود) ، (شذور العقود فِي تَارِيخ العهود) ، (الخوَاتيم) ، (المَجَالِس اليَوسفِيَّة) ، (كُنُوز العمر) ، (إِيقَاظ الوسنَان بِأَحْوَال النّبَات وَالحيوَان) ، (نسيم الرّوض) ، (الثبَات عِنْد المَمَاتَ) ، (المَوْت وَمَا بَعْدَهُ) مُجَلَّد، (دِيْوَانه) عِدَّة مُجَلَّدَاتٍ، (مَنَاقِب مَعْرُوف) ، (العزلَة) ، (الرِّيَاضَة) ، (النَّصْر عَلَى مِصْرَ) ، (كَانَ وَكَانَ) فِي الوعظ، (خطب اللآلئ) ، (النَّاسخ وَالمَنْسُوْخ) ، (موَاسم العمر) ، (أَعْمَار الأَعيَان) ، وَأَشيَاء كَثِيْرَة تركتهَا، وَلَمْ أَرَهَا.
وَكَانَ ذَا حظّ عَظِيْم وَصيت بعيد فِي الوعظ، يَحضر مَجَالِسه المُلُوْك وَالوُزَرَاء وَبَعْض الخُلَفَاء وَالأَئِمَّة وَالكُبَرَاء، لاَ يَكَاد المَجْلِس يَنقص عَنْ أَلوف كَثِيْرَة، حَتَّى قِيْلَ فِي بَعْضِ مَجَالِسه: إِن حُزر الجمع بِمائَةِ أَلْف.
وَلاَ رِيب أَنَّ هَذَا مَا وَقَعَ، وَلَوْ وَقَعَ، لَمَا قدر أَنْ يُسْمِعَهُم، وَلاَ المَكَان يَسعهُم.
قَالَ سِبْطه أَبُو المُظَفَّرِ: سَمِعْتُ جَدِّي عَلَى المِنْبَرِ يَقُوْلُ: بأُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ كَتَبتُ أَلْفَي مُجَلَّدَةٍ، وَتَاب عَلَى يَدَيَّ مائَةُ أَلْفٍ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيَّ عِشْرُوْنَ أَلْفًا، وَكَانَ يَخْتِم فِي الأُسْبُوْع، وَلاَ يَخْرُج مِنْ بَيْته إِلاَّ إِلَى الجُمُعَةِ أَوِ المَجْلِس.
وَعنِي بِأَمره شَيْخه ابْن الزَّاغونِيّ، وَعَلّمه الوَعْظَ، وَاشْتَغَل بِفنُوْن العلُوْم، وَأَخَذَ اللُّغَة عَنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ ابْن الجَوَالِيْقِيِّ، وَرُبَّمَا حضَر مَجْلِسه مائَة أَلْف، وَأَوقع الله لَهُ فِي القُلُوْب القبول وَالهَيْبَة.
قَالَ: وَكَانَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، متقلّلًا مِنْهَا، وَكَانَ يَجلسُ بِجَامِع القَصْر وَالرُّصَافَة وَببَاب بدر وَغَيْرهَا...، إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا مَازح أَحَدًا قَطُّ، وَلاَ لعِب مَعَ صَبِيّ، وَلاَ أَكل مِنْ جِهَةِ لاَ يَتيقّن حلّهَا.
وَقَدْ نَالَتْهُ محنة فِي أَوَاخِرِ عُمُره، وَوَشَوْا بِهِ إِلَى الخَلِيْفَة النَّاصِر عَنْهُ بِأَمر اخْتُلف فِي حَقِيْقته، فَجَاءَ مَنْ شَتَمَه، وَأَهَانه، وَأَخَذَه قبضًا بِاليد، وَختم عَلَى دَاره، وَشتّت عيَاله، ثُمَّ أُقعد فِي سَفِيْنَة إِلَى مدينَة وَاسِط، فَحُبس بِهَا فِي بَيْتٍ حرجٍ، وَبَقِيَ هُوَ يغسل ثَوْبه، وَيطبخ الشَّيْء، فَبقِي عَلَى ذَلِكَ خَمْس سِنِيْنَ مَا دَخَلَ فِيْهَا حَمَّامًا.
قَالَ المُوَفَّق عَبْد اللَّطِيْفِ فِي تَأْلِيْف لَهُ: كَانَ ابْن الجَوْزِيّ لطيف الصّورَة، حلو الشَّمَائِل، رخيم النّغمَة، موزون الحَرَكَات وَالنّغمَات، لذِيذ المفَاكهة، يَحضر مَجْلِسه مائَة أَلْف أَوْ يَزِيدُوْنَ، لاَ يَضيّع مِنْ زَمَانه شَيْئًا، يَكتب فِي اليَوْمِ أَرْبَع كَرَارِيْس، وَلَهُ فِي كُلِّ علم مشَاركَة، لَكنّه كَانَ فِي التَّفْسِيْر مِنَ الأَعيَان، وَفِي الحَدِيْثِ مِنَ الحُفَّاظِ، وَفِي التَّارِيْخ مِنَ المتوسّعين، وَلَدَيْهِ فَقه كَاف، وَأَمَّا السّجع الوعظِيّ، فَلَهُ فِيْهِ ملكة قويّة، وَلَهُ فِي الطِّبّ كِتَابُ (اللقط) مُجَلَّدَان.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَة الجُمُعَة، بَيْنَ العِشَاءيْنِ، الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فِي دَارِهِ بقَطُفْتَا.
وَحضر غسله شَيْخنَا ابْن سُكَيْنَة وَقت السّحر، وَغلّقت الأَسواق، وَجَاءَ الخلق، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو القَاسِمِ عليّ اتفَاقًا، لأَنَّ الأَعيَان لَمْ يَقدرُوا مِنَ الوُصُوْل إِلَيْهِ، ثُمَّ ذهبُوا بِهِ إِلَى جَامِع المَنْصُوْر، فَصلُّوا عَلَيْهِ، وَضَاق بِالنَّاسِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، فَلَمْ يَصل إِلَى حفرته بِمَقْبَرَة أَحْمَد إِلَى وَقت صَلاَة الجُمُعَة، وَكَانَ فِي تَمُّوْز، وَأَفطر خلق، وَرَمَوا نُفُوْسهُم فِي المَاء...، إِلَى أَنْ قَالَ:وَمَا وَصل إِلَى حفرته مِنَ الكفن إِلاَّ قَلِيْل- كَذَا قَالَ- وَالعهدَة عَلَيْهِ، وَأُنْزِل فِي الحُفْرَة، وَالمُؤَذِّن يَقُوْلُ: الله أَكْبَر، وَحزن عليه الخلق، وَبَاتُوا عِنْد قَبْره طول شَهْر رَمَضَان يَخْتِمُوْنَ الختمَات، بِالشّمع وَالقَنَادِيْل، وَرَآهُ فِي تِلْكَ الليَلة المُحَدِّث أَحْمَد بن سَلْمَانَ السُّكَّرُ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ عَلَى مِنْبَر مَنْ يَاقُوْت، وَهُوَ جَالِس فِي مَقْعَد صدق وَالمَلاَئِكَة بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَأَوْصَى جدّه أَنْ يُكتب عَلَى قَبْرَه:
يَا كَثِيْرَ العَفْوِ عَمَّنْكَثُرَ الذَّنْبُ لَدَيْهِ
جَاءكَ المُذْنِبُ يَرْجُو الصَّفْحَ عَنْ جُرْمِ يَدَيْهِ
أَنَا ضَيْفٌ، وَجزَاءُ الضَّيْفِ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ [4]
"وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو مجلدين, أعنى أبا الفرج بن الجوزي فذكر في كتابه كثيرًا ممَّا لا دليل على وضعه, بل هو ضعيف بل وفيه الحسن والصَّحيح, وأغرب من ذلك أنَّ فيها حديثا من «صحيح» مُسلم كما سأُبينه."
قال الذَّهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في «الموضُوعات» أحاديث حِسَانًا قوية.
قال: ونقلتُ من خطِّ السَّيد أحمد بن أبي المَجْد قال [5] : صنَّف ابن الجَوْزي كتاب «الموضُوعات» فأصاب في ذكره أحاديث شَنيعة مُخَالفة للنَّقل والعقل, وما لم يُصب فيه إطْلاقهِ الوَضْع على أحاديث بكلام بعض النَّاس في أحد رُواتها, كقوله: فلانٌ ضعيف, أو ليس بالقوي, أو لين, وليس ذلك الحديث مِمَّا يشهد القلب ببطلانه, ولا فيه مُخَالفة, ولا مُعَارضة لكتاب, ولا سنة, ولا إجماع, ولا حُجَّة بأنَّه موضوع سوى كلام ذلك الرَّجل في راويه, وهذا عُدوان ومُجَازفة. انتهى. [6]
وقال شيخُ الإسْلام [7] : غالب ما في كِتَاب ابن الجوزي موضوع, والذي يُنتقد عليه بالنسبة إلى ما لا يُنتقد قليل جدًّا.
قال: وفيه من الضَّرر أن يظن ما ليس بموضوع موضُوعًا, عكس الضَّرر «بمستدرك» الحاكم, فإنَّه يظن ما ليسَ بصحيح صحيحًا.
قال: ويتعيَّن الاعتناء بانتقاد الكِتَابين, فإنَّ الكلام في تساهلهما عدم الانتفاع بهمَا, إلاَّ لعالم بالفنِّ, لأنَّه ما من حديث إلاَّ ويمكن أن يَكُون قد وقع فيه تساهل.
قلتُ: قد اختصرتُ هذا الكِتَاب فعلقتُ أسانيدهُ وذكرتُ منها موضع الحاجة, وأتيتُ بالمُتون, وكلام ابن الجوزي عليها, وتعقَّبتُ كثيرًا منها, وتتبعتُ كلام الحُفَّاظ في تلك الأحاديث, خُصوصًا شيخ الإسلام في تصانيفه وأماليه, ثمَّ أفردتُ الأحاديث المتعقبة في تأليف, وذلك أنَّ شيخ الإسلام ألَّف «القول المُسدَّد في الذَّب عن المُسند» أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في «المسند» وهي في «الموضُوعات» وانتقدها حديثًا حديثًا. [8]
ومنها حديث في صحيح مسلم (7375 ) َدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكْتَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِى سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِى لَعْنَتِهِ فِى أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ » .
قال شيخ الإسْلام: لم أقف في كتاب «الموضُوعات» على شيء حُكِمَ عليه بالوضع, وهو في أحد «الصَّحيحين» غير هذا الحديث, وإنَّها لَغَفْلة شديدة, ثمَّ تكلَّم عليه وعلى شواهده. [9]
وذيلتُ على هذا الكتاب بذيل في الأحاديث الَّتي بقيت في الموضُوعات من المُسْند, وهي أربعة عشر مع الكلام عليها, ثمَّ ألفتُ ذيلًا لهذين الكتابين سميتهُ «القولُ الحسن في الذَّب عن السُّنن» أوردتُ في مئة وبِضْعة وعِشْرين حديثًا ليست بموضُوعة.
منها: ما هو في «سُنن» أبي داود, وهي أربعة أحاديث:
منها: حديث صلاة التَّسبيح سنن أبى داود (1299 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ النَّيْسَابُورِىُّ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ « يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلاَ أُعْطِيكَ أَلاَ أَمْنَحُكَ أَلاَ أَحْبُوكَ أَلاَ أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ أَنْ تُصَلِّىَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِى أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِى كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى عُمُرِكَ مَرَّةً » .. [10]
ومنها: ما هو في «جامع» التِّرمذي, وهو ثلاثة وعشرون حديثا.
ومنها: ما هو في «سنن» النَّسائي وهو حديث واحد.
ومنها: ما هو في ابن ماجه, وهو ستة عشر حديثًا.
ومنها: ما هو في «صحيح» البُخَاري رواية حمَّاد بن شاكر, وهو عن ابن عمر ، قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحين دخلنا على بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من الثمر ويأكل فقال لي: « يا ابن عمر ما لك لا تأكل ؟ » قال: قلت: يا رسول الله ، لا أستسيغه قال: « لا كل ، أشتهيه وهذه صبح رابعة لم أذق طعاما ولم أجده وإن شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى ، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين » فوالله ما برحنا مكاننا حتى نزلت ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ، ولا باتباع الشهوات يريد به حياة باقية ، وإن الحياة بيد الله تبارك وتعالى ، ألا وإني لا أكنز دينارا أو درهما ولا أخبئ رزقا بعد » [11]
هذا الحديث أوردهُ الدَّيلمي في «مسند الفِرْدوس» وعزاهُ للبُخَاري, وذكر سنده إلى ابن عُمر, ورأيتُ بخطِّ العِرَاقي أنَّه ليسَ في الرِّواية المشهورة, وأنَّ المِزِّي ذكر أنَّه في رواية حمَّاد بن شاكر, فهذا حديث ثان من أحاديث «الصَّحيحين» .
ومنها: ما هو في تأليف البُخَاري غير الصَّحيح, «كخلق أفعال العباد» أو تعاليقهُ في الصَّحيح.
أو في مُؤلف أُطلق عليه اسم الصَّحيح, «كمُسند» الدَّارمي و «المُستدرك» و «صحيح» ابن حبَّان.
أو في مُؤلف مُعتبر, كتصانيف البيهقي, فقد التزم أن لا يُخرج فيها حديثًا يعلمهُ موضوعًا. [12]
ومنها: ما ليس في أحد هذه الكتب.اهـ [13]
والتحقيقُ: أن زعم أن يكون شيء مما أورده ابن الجوزي في"الموضوعات"مما هو من قسم المقبول ، محل بحث في أكثره ، فقد يسلم فيه الحديث بعد الحديث ، لكن أغلب ذلك مما اجتهد في دفع الضعف عنه بتكلف لا يخفى على من تأمله .
وإنما يصدق النقد لابن الجوزي في أنه حكم على ما ضمنه كتابه بالوضع ، وفيه أحاديث كثيرة لا تهبط إلى ذلك القدر ، بل هي من قسم الضعيف ، ( أو الحسن )
وعلة أوهام ابن الجوزي في كثير منها ناتجة عن التقليد لمن تقدمه كابن عدي والعقيلي وابن حبان ، حيث يتابعهم في إيراد أحاديث انتقدوها على بعض الرواة ، ربما لم يحكموا عليها بأكثر من النكارة ، فيوردها ابن الجوزي على أنها موضوعة .
والثاني: أنه بنى في نقده على إعماله الجرح غير المحرر في الراوي المختلف فيه ، وأوهامه في هذا كثيرة في جميع كتبه التي تعرض فيها لنقد الأحاديث أو الرجال ، فإنه يذكر الجرح ويقصر في التعديل ، أو يغفله جملة ، وغاية أمر الراوي أن يكون ضعيفًا لا يتهم .
قال الذهبي وذكر قدر معرفة ابن الجوزي بنقد الحديث:"أما الكلام على صحيحه وسقيمه ، فما له فيه ذوق المحدثين ، ولا نقد الحفاظ المبرزين ، فإنه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة ، مع كونه كثير السياق لتلك الأحاديث في الموضوعات ، والتحقيق أنه لا ينبغي الاحتجاج بها ، ولا ذكرها في الموضوعات وربما ذكر في الموضوعات أحاديث حسانًا قوية."
قلتُ: نعم ، أكثر ما في كتاب"الموضوعات"من الحديث الأحاديث الموضوعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [14] :
"إنَّ الْمَوْضُوعَ فِي اصْطِلَاحِ أَبِي الْفَرَجِ هُوَ الَّذِي قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُحَدِّثُ بِهِ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ ،بَلْ غَلِطَ فِيهِ ،وَلِهَذَا رَوَى فِي كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَقَدْ نَازَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ وَقَالُوا إنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ بَلْ بَيَّنُوا ثُبُوتَ بَعْضِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .اهـ."
(1) - سؤالات مسعود السجزي ( النص: 137 ) .
(2) - المجروحين ( 2 / 313 ) .
(3) ت تحرير علوم الحديث 2/334
(4) - سير أعلام النبلاء (21/365-385) (192 )
(5) - هو الحافظ سيف الدين أبو العباس أحمد بن مجد الدين عيسى بن موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ( المتوفى سنة: 643 ) .
(6) - تاريخ الإسلام ( حوادث وفيات 591 - 600 ) ( ص: 300 ) .
(7) - النكت 2/848-850
(8) - تذكرة الموضوعات - (ج 1 / ص 4) وتنزيه الشريعة المرفوعة - (ج 1 / ص 10) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 216)
(9) - انظر م (2857) 53و54 والمجمع 5/234 وحم 2/323 وك 4/435 وهب (5358) وعن أبي أمامة طس (5251) وحم 5/250 والشاميين (542) وطب (7616و8000) والسنن الواردة في الفتن (434)
(10) - حم 1/209 و 6/339 و هق 3/52 و خزيمة (1216) و ش 12/216 و سنة 4/156 و د (1297) و ك 1/318 وصحيح الجامع (7937و7955) والصواب من القول أنه صحيح لغيره
(11) - تفسير ابن أبي حاتم (16427 ) و الموضوعات - (ج 2 / ص 282) وتذكرة الموضوعات - (ج 1 / ص 176) وتنزيه الشريعة المرفوعة - (ج 2 / ص 210) وفيه راو مجهول
(12) - قلت: في هذا الالتزام نظر ، فقد ضعف كثيرا من الأحدايث ، وبعضها موضوع
(13) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 217)
(14) - مجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 248)