فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 522

المذهبُ الثالثُ

الشروطُ التي قيَّد بها المتأخرون العمل بالحديث الضعيفِ

يرَى أستاذُنا الخطيبُ - حفظهُ اللهُ -أنَّ هذه الشروطَ- وإنْ تحققتْ لا تقوَى على جعلِ الضعيفِ مصدرًا لإثباتِ حُكْمٍ شرعيٍّ,أو فضيلةٍ خُلُقيَّةٍ, وفي رأيه أنَّ الحديثَ الضعيفَ الذي توفرت فيه هذه الشروط شبهةُ استحبابِ العملِ به منْ بابِ الاحتياطِ,لا منْ بابِ الإثباتِ.

ثم إنَّ المرءَ يطمئنُّ إلى ما ثبتت صحتُه أكثرَ من اطمئنانه إلى ما تبينَ له ضعفهُ،وإنا لا نتصورُ فضيلةً خلقيةً أو أمرًا في ترغيبٍ أو ترهيبٍ لا يُكتَبُ له الانتقالُ إلينا بطريقٍ صحيحٍ أو حسنٍ,أو بطرقٍ ضعيفةٍ محتملةٍ ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرهِ - وهو أدنَى درجاتِ القبولِ - لا نتصوَّرُ هذا،بعد أنْ عرفنا الجهودَ التي بذلها العلماءُ منذُ الصدرِ الأولِ،في سبيلِ حفظِ السُّنَّة, وصيانتِها ونقلِها،وبيان صحيحِها من سقيمِها, وجمعِها في مدوناتٍ كثيرةٍ تؤكدُ أنَّ السُّنَّة قدْ حُفظتْ بعناية المسلمينَ عنايةً فائقةً جليلةً, وحسبُنا أنْ نعتمدَ في كلِّ هذا على صِحاحِ الحديثِ وحسانهِ, بعد أنْ عرفنا اختلافَ مفهومِ الضعيفِ بين القدامَى و المتأخرينَ." [1] "

ويشكلُ على كلام أستاذنا أنَّ هناكَ أحاديثَ ضعيفةٍ قد ترتقي إلى درجةِ الحسَنِ لغيرها, إذا تتبعنا طرقَها - بل هناكَ أحاديثُ ضعيفةٌ لم تتَّبعْ طرقُها إلى الآن،ولو تتبعناها لوجدنا لبعضها شواهدَ تقويه - في مصادر حديثيةٍ كادتْ أنْ تنسَى. [2]

وكذلك فإنَّ خيرةَ علماءِ الحديث قد رووا هذه الأحاديثَ - كالإمام أحمد وأصحاب السنن والحاكم والطبري والبيهقي وابن حبان وغيرهم- وهم علماءُ أجلاءُ لا يجوزُ لنا أنْ نغمطَهم حقَّهم .

والراجح المذهب الثالث - وهو مذهب جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم- وحكَى الاتفاقَ عليه بين العلماء الإمامُ النووي وابنُ حجر الهيثمي والشيخُ ملَّا علي القاري. [3]

وقال الحافظ العراقي في شرح ألفية الحديث:"وأمّا غيرُ الموضوعِ فجوّزوا التساهُل في إسنادِهِ وروايتِهِ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ الأحكامِ والعقائدِ. بلْ في الترغيبِ والترهيبِ, من المواعظِ والقصصِ, وفضائلِ الأعمالِ،ونحوِها . أما إذا كانَ في الأحكامِ الشرعيةِ من الحلالِ والحرامِ وغيرِهما, أو في العقائدِ كصفاتِ اللهِ تَعَالَى, وما يجوزُ ويستحيلُ عَلَيْهِ, ونحوِ ذلكَ . فَلَمْ يَرَوا التساهلَ في ذَلِكَ . وممَّنْ نصَّ عَلَى ذَلِكَ من الأئمةِ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ, وأحمدُ بنُ حنبلٍ, وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ, وغيرُهُمْ" [4] .

وقال ابن حجر المكيِّ:"قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال،لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أعطيَ حقَّه منَ العمل به وإلا لم يترتبْ على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريمٍ ولا ضياعِ حقٍّ للغير، وأشار المصنِّفُ بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الردِّ على مَن نازع فيه, بأن الفضائل إنما تتلقَّى منَ الشرعِ, فإثباتها بالحديثِ الضعيفِ اختراعُ عبادةٍ وشرعٌ في الدين بما لم يأذنْ بهِ اللهُ". [5]

ووجهُ ردِّه: أنَّ الإجماع لكونه قطعيًا تارةً وظنيا ظنًّا قويًّا تارةً أخرى, ولا يرَدُّ بمثل ذلك لو لم يكنْ عنه جوابٌ, فكيفَ وجوابُه واضحٌ ؟! إنَّ ذلك ليس منْ بابِ الاختراعِ, وإنما هو ابتغاءُ فضيلةٍ ورجاؤها بأمارةٍ ضعيفةٍ، منْ غيرِ ترتُّبِ مفسدةٍ عليهِ كما تقررَ ." [6] "

وقال ابن حجر المكي أيضًا بعد أن سئل عن بعض الأذكار:"فينبغي ندبُ هذه التي وردت بها تلك الأحاديث على كيفية ورودها وإن لم أر من صرح بذلك, ولا يضر أن في بعض أحاديثها ضعفا, لأن الحديث الضعيف والمرسل والمعضل والمنقطع يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا بل إجماعا على ما فيه". [7]

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر المكي:"وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ إذَا اشْتَدَّ ضَعْفُهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ, كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ, وَالْإِرْشَادِ" [8]

وقال في الفتاوى الفقهية الكبرى أيضًا:"وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضِلَ, وَالْمَوْقُوفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إجْمَاعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْمَ رَجَبٍ مِن فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ مَغْرُورٌ" [9]

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى:" ( وَسُئِلَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنَ الذَّكَرِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَالْمَأْثُورُ أَفْضَلُ مِنهَا مَا الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ ؟"

( فَأَجَابَ ) بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قِيلَ مَا أُثِرَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ لَكِنْ فِي كَوْنِ الْمَأْثُورِ عَنْ صَحَابِيٍّ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَمَّا كَانَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ أَلِيقَ مِنهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلِمَّا كَرِهَهَا بَعْضُهُمْ فِيهِ مُطْلَقًا قَدَّمُوا الْمَأْثُورَ وَلَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ،وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا،لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوع ." [10] "

ورجح أستاذنا العتر هذا المذهب وقال عنه:"إنه أوسطُ هذه المذاهب وأقواها وأعدلها, وذلك أننا إذا تأمَّلنا الشروط التي وضعها العلماءُ للعمل بالحديث الضعيف, فإننا نلاحظُ أنَّ الحديثَ الضعيفَ الذي نبحث فيه لم يحكمْ بكذبِهِ،لكنْ لم يترجحْ جانبُ الإصابةِ, إنما بقي محتملًا, وهذا الاحتمال قد تقوَّى بعدم وجود معارضٍ لهُ, ولانطوائِه ضمنَ أصلٍ شرعيٍّ معمولٍ بهِ, مما يجعلُ العملَ به مستحبًّا ومقبولًا رعايةً لذلك ."

أمَّا زعمُ المعارضين أن العمل بالضعيف في الفضائل اختراعُ عبادة وتشريع في الدين لما لم يأذن به الله تعالى. فقد أجاب عنه العلماء:بأن هذا الاستحبابَ معلومٌ من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين،والعملُ بالحديث الضعيف من هذا القبيل،فليس ثمة إثبات شيء من الشرع بالحديث الضعيف.

وفي رأيي أن الناظر في شروط العمل بالحديث الضعيف يجد فيها ما ينفي الزعم بأنه إثباتُ شرعٍ جديدٍ،وذلك أنهم اشترطوا أن يكون مضمونه مندرجًا تحت أصلٍ شرعي عام من أصول الشريعة الثابتة،فأصلُ الشريعة ثابتٌ بالأصل الشرعي العام،وجاء هذا الخبر الضعيف موافقا له" [11] ."

ـــــــــــــــ

(1) - أصول الحديث 353-354، وقد سبقه إلى هذا الرأي العلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث ص 91-92

(2) - وقد يسَّر الله لي كثيرا من ذلك في موسوعتي (موسوعة السنة النبوية ) - مخطوطة-حيث حسّنت وصححت كثيرا من الأحاديث التي كان يظنُّ أنها غير مقبولة ، وذلك بعد تتبعي لطرقها وشواهدها ، أو مناقشة سبب ضعفها .

(3) - انظر الأذكار للنووي ص 7 و217 ، والمنهل للطيف ص 13، والأجوبة الفاضلة ص 37 و42 ، ومنهج النقد في علوم الحديث ص 274 -275

(4) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 101 )

(5) - الفتح المبين ص 32

(6) - المصدر السابق

(7) - ذكره ضمن جوابه على سؤال عما في أذكار النووي من أنه يسن أن يقرأ في كل يوم يس والواقعة والدخان والسجدة وإذا زلزلت ، فهل بقي سور وآيات أخر ورد فيها نظير ذلك ؟ . الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي- (ج 1 / ص 284 )

(8) - (ج 1 / ص 468 )

(9) -- (ج 3 / ص 294 )

(10) -- (ج 4 / ص 1 )

(11) - منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية (ج 1 / ص 294 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت