هناك فوارقُ كثيرةٌ بين الحديث الضعيف والموضوع منها:
? إنَّ الحديث الضعيف هو في الأصل منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , بخلاف الموضوع فهو مكذوب مختلق مصنوع, فلا يجوز معاملتهما على حدٍّ سواء .
? إنَّ سبب ضعف الحديث هو إما سقط في السند أو لعوارض بشرية, من سوء حفظٍ أو وهم أو غلط .. بالإضافة إلى جهالة الراوي, بينما الموضوع فهو مكذوب, وملصق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - , وله أسباب مختلفة كالزندقة, ونصرة المذاهب والأهواء, والرغبة في الدعوة إلى الخير مع الجهل, والأغراض الدنيوية, في تفاصيل ذكرتها كتب الحديث،فلا يجوز أن يعاملا على أنهما واحد.
? إنَّ الحديث الضعيف تحلُّ روايته بالإجماع, لذا أدخله عامة أهل الحديث في مصنَّفاتهم, حتى الذي أفرد الصحيح أدخله فيه عدا الشيخين, فلم يدخلاه في الصحيحين إلا المعلقات, لكنهما أدخلاه في غيرهما من كتبهما, بخلاف الموضوع, فلا تجوز روايته إلا لبيان وضعه حتى يحذره الناس, فافترقا.
? إنَّ الحديث الضعيف عمل به العلماء- بالإجماع - في الفضائل والترغيب والترهيب, كما عمل به عامة أهل العلم في الأحكام إذا خلا الباب من حديث مقبول،والأمة لا تجتمع على ضلالة, بخلاف الموضوع فإنه يحرم العمل به, فافترقا.
? إنَّ علماء الحديث قد أدخلوا الحديث الضعيف في مصنفاتهم مع الصحيح والحسن, أو أفردوا بعض أصنافه في مصنفات, كالمرسل والمضعَّفِ،ولم يدخلوا الموضوع, ومن أدخله فقد عابوه, بخلاف الموضوع, فمن أفرده لم يدخل معه شيئا من الحديث الضعيف - حسب وجهة نظره - فافترقا .
? إنَّ الحديث الضعيف مندرجٌ تحت أصلٍ معمولٍ به في الشريعة, لذا يعمل به, فإن كان في الأصل كما هو,كان كذلك, وإلا فالعملُ بالأصل المعمول به, بخلاف الموضوع,فإنه مكذوب, ولا يحلُّ العمل به, فافترقا .
? إنَّ الحديث الضعيف بين الراجح والمرجوح, فإن ثبت صدقه فهو الخير وإلا فلا يضرُّ .
قال ابن تيمية وهو يتكلم عن أقسام الحديث [1] :"فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا،فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يُجَزِ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ, وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ"بخلاف الموضوع, فيحرمُ العمل به, فافترقا .
? إنَّ رواية الحديث الضعيف والعمل به هو موافق لإجماع علماء الأمة منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم - الذين يرسلون ولا يسندون -حتى نهاية عصر التدوين, بخلاف الموضوع, حيث لم يعمل به أحد،لأنه يحرمُ العمل به بالإجماع, وكذا روايته إلا لبيان وضعه, فافترقا .
? نحن مأمورون بالعمل بغلبة الظنِّ, والحديثُ الضعيفُ يغلب على الظنِّ إضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , حتى يقوم الدليل على نفيه, بخلاف الموضوع حيث يجزم بكذبه للقرائن التي تدلُّ عليه, كما بينت كتب علوم الحديث.
? إنَّ الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه, أو وجد له المتابع أو الشاهد فإنه يرتقي إلى مرتبة الحسن, بخلاف الموضوع, فمهما تعددت طرقه فهو مكذوب لا يحلُّ العمل به, فافترقا.
? إنَّ علماء الحديث يتساهلون في بيان ضعف الحديث, كما مرَّ لكنهم لا يجوِّزون وراية الموضوع, إلا لبيان حاله, فضلًا عن السكوت عليه, فافترقا.
? إنَّ الحديث الضعيف يوجد ما يشهد له - وهو الأصل المعمول به في الشريعة - بخلاف الموضوع, فقد دلت الدلائل على أنه مكذوب مصنوع, ولا يوجد ما يشهد له .
? إنَّ العلماء لم يختلفوا في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والرقائق والترغيب والترهيب, ولكنهم اختلفوا من حيث النظر - في العمل به في الأحكام -،وقد سبق ذلك وأن عامتهم عمل به إذا خلا الباب من حديث مقبول, ولكن الموضوع لم يختلفوا في عدم جواز روايته - إلا لبيان حاله - فضلا على عدم العمل به, فافترقا0
? إنَّ عدم الأخذ بالحديث الضعيف هو مخالفةٌ لكلِّ علماء الأمة, بل هو طعنٌ فيهم, لأنهم أدخلوه في كتبهم, ولا شكَّ أنهم أزكى وأتقى وأورع, وأخوف وأحرص على دين الله تعالى, ممن جاء بعدهم, فلو لم يجز لما فعلوه, والله أعلم.
? إنَّ عدم الأخذ بالحديث الضعيف هو مخالفٌ لكل علماء الأمة الذين أخذوا بالعمل به وطعن فيهم, سواء قصروه على الترغيب والترهيب والرقائق ونحو ذلك, وهذا بإجماعهم, أو الذين أخذوا به في الأحكام, عند فقد الحديث الصحيح أو الحسن،وهم عامتهم كما مرَّ .
? إنَّ الأخذ بالحديث الضعيف هو أولى من رأي الرجال, وذلك لوجود قرينة تدلُّ على نسبته إلى صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - , بخلاف الموضوع, فافترقا .
? إنَّ الأخذ بالحديث الضعيف - إذا لم يكن شديد الضعف،وبشروطه التي مرَّ ذكرها- هو اتباع لعامة علماء الأمة؛ من محدِّثين وفقهاء وغيرهم, وأمَّا الموضوعُ فلم يقل بالعمل به أحد منهم, والله أعلم .
? إنَّ قرنَ الحديث الضعيف بالموضوع مخالفةٌ للأمة- المتمثلة بعلمائها- الذين رووه وعملوا به, وقد نهانا الشارع عن اتباع غير سبيل المؤمنين, والله أعلم
? لذا فإنَّ تقسيم كتب الحديث إلى صحيح وضعيف خطورة وأيما خطورة, ومغايرة لما أراده أصحاب تلك الكتب, مع إمكانهم فصلها, وكان بإمكانهم ذلك, لكن جعله مع الموضوع أشدُّ خطورةً .
? قال ابن محرز رحمه الله [2] :"سمعت علي بن المديني يقول: ليس ينبغي لأحدٍ أن يكذِّب بالحديث إذا جاءه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وإن كان مرسلًا, فإنَّ جماعة كانوا يدفعون حديث الزهريِّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من احتجم يوم السبت أو الأربعاء فأصابه وضَحٌ - يعني البرصُ- فلا يلومنَّ إلا نفسهُ" [3] فكانوا يفعلونه فبُلوا, منهم عثمان البتيِّ،فأصابه الوضحُ, ومنهم عبد الوارث -يعني: ابن سعيد التنَّنوري- فأصابه الوضح،ومنهم أبو داود, فأصابه الوضح،ومنهم عبد الرحمن فأصابه الوضح اهـ [4] "
فلو اقتصرَ ( الشيخ ناصر رحمه الله ) على الشديدِ الضَّعفِ الذي لا ينجبرُ والموضوع, لكانَ هو الأليقُ بأمثالهِ, ونحنُ لا ننكر جهودَهُ وخدمتهُ الفذةَ لحديثِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , لكنَّ إيرادَ الضعيفِ ضعفًا يسيرًا معهما خطأٌ كبيرُ, إذْ أنَّ الحديثَ الضعيفَ قدِ اتفقوا على العمل بهِ في فضائلِ الأعمالِ - ضمن الشروط السابقة- فإلغاؤُه مطلقًا معناهُ الحكمُ عليهِ وكأنَّهُ موضوعٌ, وهذا لا يقول به أحدٌ .
بلْ ذكرَ الشيخُ في سلسة الأحاديث الضعيفة وضعيف الجامع الصغير وغيرها كثيرًا من الأحاديث التي لا تستحِقُّ التضعيفَ أصلًا !!!
وكذلك قامَ من تابعه على ذلك بالإنكار الشديد على منْ يعملُ بحديث ضعيفٍ في فضيلةٍ خلقيةٍ, واعتبروه مبتدعًا في الدِّين مخالفًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - , وهذا خطأٌ جسيمٌ, فلا يجوز التسرُّع في الإنكار في المسائل المختلَف فيها،وهذا منها فلا إنكارَ فيها كما هو معلومٌ, لكنْ لسنا ملزمين بقولٍ معيَّنٍ فيها, وإنما الذي يسوغُ فيها النصحُ والإرشادُ من قِبل أهل العلم المختصين في هذا الباب ليس إلا.
وسببُ وقوعِ هذا الخطأ برأيي: هو ابتعادُ هؤلاء عن منهجِ السَّلفِ الصالحِ في علم مصطلحِ الحديث والجرحِ والتعديلِ, وأصول الفقهِ،لذلك أرجوا من هؤلاء أن يعيدوا النظر فيما قالوه, وأنْ يعودوا لما قاله جمهورُ الأمةِ من السَّلفِ والخلَفِ حول حكمِ الحديثِ الضعيفِ .
ـــــــــــــــ
(1) - مجموع الفتاوى (ج 18 / ص 66 )
(2) - معرفة الرجال 2/190
(3) - مسند البزار (7807 ) الصواب أنه مرسل
(4) - انظر كتاب خطورة مساواة الضعيف بالموضوع ص 105-109