المثال الثاني
تلقينُ الميت
روى الطبراني في الكبير حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ أَنَسُ بن سَلْمٍ الْخَوْلانِيُّ،حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهِيمَ بن الْعَلاءِ الْحِمْصِيُّ،حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَيَّاشٍ،حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ،عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِيرٍ،عَنْ سَعِيدِ بن عَبْدِ اللَّهِ الأَوْدِيِّ،قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ،فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ،فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا،أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِن إِخْوَانِكُمْ،فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ،فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ،ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ،فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلا يُجِيبُ،ثُمَّ يقول: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ،فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا،ثُمَّ يقول: يَا فُلانَ بن فُلانَةَ،فَإِنَّهُ يقول: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ،وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ،فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ،وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا،وَبِالإِسْلامِ دِينًا،وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا،وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا،فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ،وَيقول: انْطَلِقْ بنا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ،فَيَكُونُ اللَّهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا"،فَقَالَ:رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ:"فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ،يَا فُلانَ بن حَوَّاءَ".. [1]
قال ابن المقن رحمه الله [2] :"إِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا, وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي «جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح» , وَزَاد بعد قَوْله: «قد لقن حجَّته» : «وَيكون الله (حجَّته ) دونهمَا» . قَالَ: وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين الْمَيِّت, وَأَعْجَبهُ ذَلِك, وَقَالَ: (أهل ) الشَّام يَفْعَلُونَهُ . قَالَ:أَبُو مَنْصُور: وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه, و (السماح ) بذلك مأثور عَن السّلف, وَقَالَ:الْحَافِظ زَكى الدَّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي التَّلْقِين بعد أَن سَاقه: وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ «وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا, وَأَن الله (يبْعَث ) من فِي الْقُبُور» . قَالَ:أَبُو نعيم الْحداد: هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد, مَا كتبته إِلَّا من حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ ) , وَقَالَ:ابْن أبي حَاتِم: سعيد (الْأَزْدِيّ ) عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ ... سَمِعت أبي يقول: ذَلِك [3] . قَالَ:الْمُنْذِرِيّ: هَكَذَا قَالَ: (الْأَزْدِيّ ) وَوَقع فِي روايتنا «الأودي» , وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول, وَقَالَ:الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» : سعيد (الْأَزْدِيّ ) لم أر لَهُ ذكر فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم."
قلت: لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا - والغريب أَن الشَّيْخ زَكي الدَّين لم يذكر فِي مُصَنَّفه الْمَذْكُور مِنهَا غير حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ وَحده -
مِنهَا حَدِيث: « واسألوا لَهُ (التثبيت ) » [4] وَقد سلف .
وَمِنهَا: حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «إِذا دفنتموني فسنوا عَلّي التُّرَاب سنّا, ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا؛ حَتَّى أستأنس بكم, وَأعلم مَاذَا أراجع رسل رَبِّي» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» فِي كتاب الْإِيمَان, وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل [5] .
«سنوا» : رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وبالمهملة, وَكِلَاهُمَا مُتَقَارب الْمَعْنى صَحِيح .
وَالْجَزُور - بِفَتْح الْجِيم - من الْإِبِل, والجزرة من غَيرهَا . ذكره عِيَاض, وَفِي كتاب «الْعين» : الجزرة من الضَّأْن والمعز خَاصَّة .
وَمِنهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مُحَمَّد بن حمْرَان, عَن عَطِيَّة الرعاء, عَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ «أَنه غزا مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثَلَاث غزوات, قَالَ: قَالَ:لنا: إِذا دفنتموني ورششتم عَلَى قَبْرِي المَاء فَقومُوا عَلَى قَبْرِي, واستقبلوا الْقبْلَة, وَادعوا لي» [6] .
وَمِنهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» قَالَ: سَأَلت (أبي عَن حَدِيث ) ثُمَامَة بن النَّضر بن أنس (قَالَ:(كَانَ أنس ) إِذا شهد جَنَازَة الْأَخ من إخوانه وقف عَلَى قَبره بعد أَن يدْفن, فَيقول: جَاف الأَرْض عَن (جَنْبَيْهِ ) » . فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس [7] .
وَمِنهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا, من حَدِيث مُبشر بن إِسْمَاعِيل, ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج, عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ:أبي: «يَا بني, إِذا أَنا مت فألحدني, فَإِذا وَضَعتنِي فِي لحدي فَقل: باسم الله, وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله . ثمَّ سنّ عليّ التُّرَاب سنًّا, ثمَّ اقْرَأ عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها, فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ذَلِك» [8] . (وَعبد الرَّحْمَن هَذَا،الراوي عنه مُبشر بن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي ) , ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» [9] .
وَمِنهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث (إِبْرَاهِيم بن بكر بن عبد الرَّحْمَن ) , عَن إِدْرِيس الأودي, عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة, فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ: باسم الله, وَفِي سَبِيل الله, وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله, فَلَمَّا أَخذ فِي اللَّبِن عَلَى اللَّحْد قَالَ: اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان, وَمن عَذَاب الْقَبْر . فَلَمَّا سُوَى اللَّبن عَلَيْهَا قَامَ إِلَى جَانب الْقَبْر, ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبيها, وَصعد روحها, ولقها مِنك رضوانًا . فَقلت: أشيئًا سمعته من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أم شَيْئا قلته من رَأْيك ؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل, بل سَمِعت من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - » [10] . وَإِدْرِيس هَذَا مَجْهُول . قَالَه أَبُو حَاتِم.. .
وَمِنهَا: مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي «سنَنه» عَن رَاشد بن سعد, وضمرة بن حبيب, وَحكم بن عُمَيْر, قَالُوا: «إِذا سوي عَلَى الْمَيِّت قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ؛ كَانُوا يستحبون أَن يُقَال للْمَيت عِنْد قَبره: يَا فلَان, قل: لَا إِلَه إِلَّا الله, أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاث مَرَّات - قل: رَبِّي الله, وديني الْإِسْلَام, ونبيي مُحَمَّد (ثمَّ ينْصَرف ) " [11] . فَهَذِهِ شَوَاهِد لحَدِيث أبي أُمَامَة الْمَذْكُور."
قَالَ:الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم, وَلكنه (يعتضد) بشواهد وبعمل أهل الشَّام بِهِ قَدِيما .
وَقَالَ:النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» [12] :"هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيفا فيستأنس بِهِ, وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُحدثين وَغَيرهم عَلَى الْمُسَامحَة فِي أَحَادِيث الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب, لَا سِيمَا وَقد اعتضد بشواهد, وَلم يزل أهل الشَّام عَلَى الْعَمَل بِهَذَا فِي زمن من يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَى الْآن".
قلت: لَكِن قَالَ:الْأَثْرَم: قلت لأبي عبد الله - يَعْنِي: ابْن حَنْبَل: فَهَذَا الَّذِي تصنعونه إِذا دفن الْمَيِّت ! يقف الرجل وَيقول: يَا فلَان ابْن فُلَانَة, اذكر مَا فَارَقت عَلَيْهِ؛ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله . فَقَالَ: مَا رَأَيْت أحدا فعل هَذَا إِلَّا أهل الشَّام حِين مَاتَ أَبُو الْمُغيرَة, (جَاءَ إِنْسَان فَقَالَ:ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْمُغيرَة ) يرْوَى مَتنه عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم, عَن أَشْيَاخهم أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ, وَكَانَ ابْن عَيَّاش يروي بِهِ . يُشِير بذلك إِلَى حَدِيث أبي أُمَامَة السالف ." [13] "
قلتُ: هذا التلقين ليس فيه جديدًا, لأن مفرداته ثابتة بنصوص صحيحة, والمنكر فيه عندي هو لفظة يا ابن فلانة, لأن الثابت بالنصوص الشرعية النسبة للأب لا الأم . ولهذا استحبَّ هذا التلقين كثير من السلف والخلف.
وأمَّا ما زعمه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- في الضعيفة (599 ) من رده للحديث واعتباره منكرًا وذلك بسبب عدم إطلاعه على بقية أسانيده وشواهده حيث قال:"وجملة القول: أن الحديث منكر عندي إن لم يكن موضوعًا . ونقل عن الصنعاني في سبل السلام:"ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة, ولا يغترَّ بكثرة من يفعله" [14] ."
أقولُ: هذا كلامٌ مردودٌ من الاثنين، فمن هم الذين أنكروا الحديث من السلف ؟! ومن قال من السلف بأن العمل بهذا الحديث بدعة ؟!
قلت: وقد ناقض نفسه فرد على الصنعاني في أمكنة عدة ففي السلسلة الصحيحة - (ج 1 / ص 152) "وهو حديث صحيح كما تقدم ، فلا يغتر بقول الصنعاني في"سبل السلام" ( 3 / 133 ) :"و الاستهلال روي في تفسيره حديث مرفوع ضعيف:"الاستهلال العطاس". أخرجه البزار"."
وفي السلسلة الصحيحة (191 ) "وأما الصوم في السفر ، فقد بدرت من الصنعاني في"سبل السلام"كلمة نفى فيها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر فرضا فقال ( 2 / 34 ) : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يتم رباعية في سفر ، و لا صام فيه فرضا"!
ولهذا توجهت الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي المذكور ،وقد وهم في الحديث الصنعاني في"العدة"و هما آخر فقال ( 3 / 368 ) :"وهذا الحديث في مسلم لأبي الدرداء و في البخاري نسبة لأم الدرداء". والصواب أن الحديث عند البخاري كما هو عند مسلم من مسند أبي الدرداء ، لكنهما أخرجاه من طريق أم الدرداء عنه .
وفي السلسلة الصحيحة (239 ) "ومن الغرائب قول الصنعاني في شرح حديث عائشة الضعيف:"والظاهر أنه مجمع على حل الطيب و غيره إلا الوطء بعد الرمي ، و إن لم يحلق""
فإن هذا وإن كان هو الصواب ، فقد خالف فيه عمر وغيره من السلف و حكى الخلاف فيه غير واحد من أهل العلم منهم ابن رشد في"البداية" ( 1 / 295 ) فأين الإجماع ؟ ! اهـ
قلت: مع أن ابن القيم رحمه الله قد ذكر في كتاب الروح أن العمل قد جرى على هذا الحديث في أمصار المسلمين فأيهما أولى بالإتباع ؟!
قال الإمام النووي رحمه:"وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَوْقُوفَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَهَذَا مِنهَا" [15] .
وقال عقب حديث:"وَكَيْفَ كَانَ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَكِنَّ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ , وَهَذَا مِن ذَاكَ" [16]
وقال أيضا:"وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الْخَطِّ ; لِأَنَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ - فَفِيهِ تَحْصِيلُ حَرِيمٍ لِلْمُصَلِّي , وَقَدْ قَدَّمْنَا اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ دُونَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , وَهَذَا مِن نَحْوِ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ" [17]
وقال أيضًا:"وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّسَامُحِ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَنَحْوِهَا , مِمَّا لَيْسَ مِن الْأَحْكَامِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" [18] .
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية [19] :"اخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ, فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لاَ بَأْسَ بِهِ, فَرَخَّصُوا فِيهِ, وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ, لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَقَدْ نُقِل عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ, أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ كَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ, وَصِفَتُهُ أَنْ يقول: يَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ: اذْكُرْ دِينَكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبِيًّا [20] ."
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُلَقَّنُ, إِذِ الْمُرَادُ بِمَوْتَاكُمْ فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ, وَفِي الْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَمَّا التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ شَيْئًا, وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ لِلأَْئِمَّةِ قَوْلًا سِوَى مَا رَوَاهُ الأَْثْرَمُ, فَقَال: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَل هَذَا إِلاَّ أَهْل الشَّامِ حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ, جَاءَ إِنْسَانٌ فَقَال ذَلِكَ [21] "."
وانظر إلى ما يقول: هؤلاء المانعون:
يقول صالح الفوزان:"وإنما استحب تلقين الميت بعد دفنه جماعة من العلماء،وليس لهم دليل ثابت عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لأن الحديث الوارد في ذلك مطعون في سنده،فعلى هذا يكون التلقين بعد الدفن لا أصل له من سنَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،وإنما قال به بعض العلماء اعتمادًا على حديث غير ثابت" [22] .
وسئل ابن باز- رحمه الله- عن حكم التلقين بعد الدفن ،فقال:"بدعة وليس له أصل , فلا يلقن بعد الموت وقد ورد في ذلك أحاديث موضوعة ليس لها أصل , وإنما التلقين يكون قبل الموت". [23]
قلتُ: وأبلغ ردٍّ عليهم لابن تيمية رحمه الله:"فقد سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِن دَفْنِهِ هَلْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ عَنْ صَحَابَتِهِ ؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يَجُوزُ فِعْلُهُ ؟ أَمْ لَا ؟ ."
فَأَجَابَ: هَذَا التَّلْقِينُ الْمَذْكُورِ قَدْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ كَأَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ . وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَكِنَّهُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ؛ وَلَمْ يَكُنْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ:الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لَا بَأْسَ بِهِ فَرَخَّصُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ, وَاسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ .وَاَلَّذِي فِي السُّنَن عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ:كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا فَرَغَ مِن دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: « اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ » [24] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . [25] .
فَتَلْقِينُ الْمُحْتَضِرِ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْبُورَ يُسْأَلُ وَيُمْتَحَنُ وَأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ فَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ التَّلْقِينَ يَنْفَعُهُ فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ, وَتُوُلِّىَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ, أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيقول: اَنِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَيقول: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ, أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ - قَالَ:النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - وَأَمَّا الْكَافِرُ - أَوِ الْمُنَافِقُ - فَيقول: لاَ أَدْرِى, كُنْتُ أَقُولُ مَا يقول: النَّاسُ . فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ . ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ, فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ » [26] .
وَأَنَّهُ قَالَ: « وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنهُمْ » [27] وَأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى . فَقَالَ:"مَا مِن رَجُلٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ" [28] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" [29] ."
(1) - الطبراني (7979 ) وتاريخ ابن عساكر 24/73والمجمع 3/45 والدعاء للطبراني (1214 ) وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 10/368 و369 ونيل الأوطار 4/89 - 90 وهو حديث حسن لغيره - دون لفظة لأمه - فإنها منكرة ومخالفة لما ورد من دعوة الناس لآبائهم وليس لأمهاتهم .
(2) - البدر المنير (ج 5 / ص 334 )
(3) - الجرح والتعديل [ ج4 -ص 76 ] 323
(4) - عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ « اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ » .اثبات عذاب القبر للبيهقي (186 ) والزهد لأحمد بن حنبل (693 ) وسنن أبى داود (3223 ) صحيح
(5) - صحيح مسلم (336 )
(6) - المعجم الكبير للطبراني (3100 ) ومجمع الزوائد (4245 ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَفِيهِ عَطِيَّةُ الدَّعَّاءُ ، وَلَمْ أَعْرِفْهُ .
(7) - علل الحديث (1090 )
(8) - المعجم الكبير للطبراني (15833 ) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 4 / ص 56 ) (7319 ) ومجمع الزوائد (4243 ) وقال عقبه:"وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ".قلت:وهو حديث قوي
(9) - الثقات لابن حبان [ ج 7 - ص 90 ] (9144 ) وفي تقريب التهذيب [ج 1 - ص 348 ] -3975 - عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج بجيمين نزيل حلب مقبول من السابعة ت
(10) - سنن ابن ماجه (1620 ) والمعجم الكبير للطبراني (12917 ) وهذا إسناد فيه حماد بن عبد الرحمن وهو متفق على تضعيفه.
(11) - بلوغ المرام من أدلة الأحكام (583 ) والتلخيص الحبير (ج 2 / ص 311 ) (796 ) وهو صحيح مقطوع
(12) - المجموع (ج 5 / ص 304 )
(13) - انظر التلخيص الحبير (ج 2 / ص 397 ) والمغني لابن قدامة (ج 4 / ص 465 ) (1590 )
(14) - سبل السلام (2/161 )
(15) - المجموع شرح المهذب (ج 2 / ص 94 )
(16) - المصدر السابق (ج 3 / ص 122 )
(17) - المصدر السابق (ج 3 / ص 248 )
(18) - المصدر السابق (ج 8 / ص 261 )
(19) ج 13 / ص 296 )
(20) - الزيلعي 1 / 234 ط الأميرية ببولاق ، والحطاب 2 / 219 ، ومغني المحتاج 1 / 330 ، وفتاوى ابن تيمية 23 / 296 .
(21) - المغني والشرح الكبير 2 / 385 ، والفتاوى الهندية 1 / 157 ، ومغني المحتاج 1 / 330 ، والزيلعي 1 / 134 ، وانظر: الفقه الإسلامي وأدلته (ج 2 / ص 677 ) و فتاوى الأزهر (ج 5 / ص 467 ) تشييع النساء للجنازة وتلقين الميت وفتاوى الأزهر (ج 5 / ص 497 ) ما يشترط في تلقين الميت وفتاوى الأزهر (ج 6 / ص 3 ) تلقين الميت وفتاوى الأزهر (ج 8 / ص 303 ) تلقين الميت
(22) - المنتقى من فتاوى الفوزان (ج 41 / ص 3 ) الشاملة 2
(23) - مجموع فتاوى ابن باز - (ج 13 / ص 39 )
(24) - سنن أبى داود (3223 ) صحيح
(25) - قلت: هو في صحيح مسلم (2162 ) فقط ، ولم يخرجه البخاري وانظر طرقه ومخرجيه في المسند الجامع (ج 6 / ص 459 ) (4302 ) و (ج 17 / ص 1 ) (13212 )
(26) - صحيح البخاري (1338 ) ومسلم (7395 )
(27) - صحيح البخاري (3976 )
(28) - فوائد تمام (132 ) وأخرجه ابن عساكر (43/312 ) ومُعْجَمُ الشُّيُوخِ لِابْنِ جُمَيْعٍ الصَّيْدَاوِيِّ (326 )
وفي عون المعبود (ج 9 / ص 117 ) قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ"مَا مِنْ رَجُل يَمُرّ بِقَبْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّم عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ رُوحه حَتَّى يُرَدّ عَلَيْهِ السَّلَام"وفي شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ (8989 ) قَالَ ونا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا نا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ أنا هِشَامُ بْنُ سَعْدِ نا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:"إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ" (وهو حديث صحيح ) قلت: فالحديث حسن لغيره
(29) - مجموع الفتاوى لابن تيمية (ج 24 / ص 296 ) وانظر (ص 497 ) ففيه نحوه