"الاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعًا ووقفًا أمرٌ طبيعي ، وجد في كثيرٍ من الأحاديث ، والحَدِيْث الواحد الَّذِي يختلف بِهِ هكذا محل نظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ ، وَهُوَ أن المُحَدِّثِيْنَ إذا وجدوا حديثًا روي مرفوعًا إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ نجد الحَدِيْث عينه قَدْ روي عن الصَّحَابيّ نفسه موقوفًا عَلَيْهِ ، فهنا يقف النقاد أزاء ذَلِكَ؛ لاحتمال كون المَرْفُوْع خطأً من بَعْض الرواة و الصَّوَاب الوقف ، أو لاحتمال كون الوقف خطأ و الصَّوَاب الرفع ؛ إذ إن الرفع علة للموقوف و الوقف علة للمرفوع . فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما ، فإنه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء وخلاصة أقوالهم فِيْمَا يأتي:"
إذا كَانَ السَّنَد نظيفًا خاليًا من بقية العلل ؛ فإنّ للعلماء فِيهِ الأقوال الآتية:
القَوْل الأول: يحكم للحديث بالرفع ،لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافيًا فالمثبت مقدم عَلَى النافي ؛ لأَنَّهُ علم ما خفي ، وَقَدْ عدوا ذَلِكَ أيضًا من قبيل زيادة الثِّقَة، وَهُوَ قَوْل كَثِيْر من المُحَدِّثِيْنَ ، وَهُوَ قَوْل أكثر أهل الفقه و الأصول [2] ، قَالَ العراقي: (( الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أن الرَّاوِي إذا رَوَى الحَدِيْث مرفوعًا وموقوفًا فالحكم للرفع ، لأن مَعَهُ في حالة الرفع زيادة ، هَذَا هُوَ المرجح عِنْدَ أهل الحَدِيْث ) ) [3] .
القَوْل الثَّانِي: الحكم للوقف [4] .
القَوْل الثَّالِث: التفصيل فالرفع زيادة ، والزيادة من الثِّقَة مقبولة ، إلا أن يوقفه الأكثر ويرفعه واحد ، لظاهر غلطه [5] .
والترجيح برواية الأكثر هُوَ الذي عَلَيْهِ العَمَل عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأن رِوَايَة الجمع إذا كانوا ثقات أتقن وأحسن و أصح و أقرب للصواب ؛ لذا قَالَ ابن المبارك: (( الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثةٌ: مَالِك ومعمر و ابن عيينة ، فإذا اجتمع اثنان عَلَى قولٍ أخذنا بِهِ ، وتركنا قَوْل الآخر ) ) [6] .
قَالَ العلائي:"إن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حَدِيث كَانَ القَوْل فِيْهِمْ للأكثر عددًا أو للأحفظ و الأتقن... ويترجح هَذَا أيضًا من جهة المَعْنَى ، بأن مدار قبول خبر الواحد عَلَى غلبة الظن ، وعند الاختلاف فِيْمَا هُوَ مقتضى لصحة الحَدِيْث أو لتعليله ، يرجع إلى قَوْل الأكثر عددًا لبعدهم عن الغلط و السهو ، وَذَلِكَ عِنْدَ التساوي في الحفظ والإتقان . فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قَوْل الأحفظ و الأكثر إتقانًا ، وهذه قاعدة متفق عَلَى العَمَل بِهَا عِنْدَ أهل الحَدِيْث" [7] .
القَوْل الرابع: يحمل المَوْقُوْف عَلَى مَذْهَب الرَّاوِي ، و المُسْنَد عَلَى أَنَّهُ روايته فَلاَ تعارض [8] . وَقَدْ رجح الإمام النَّوَوِيّ من هذِهِ الأقوال القَوْل الأول [9] ، ومشى عَلَيْهِ في تصانيفه ، و أكثر من القَوْل بِهِ .
والذي ظهر لي - من صنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ ونقادهم -: أنهم لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث الَّذِي اختلف فِيهِ عَلَى هَذَا النحو أول وهلة ، بَلْ يوازنون ويقارنون ثُمَّ يحكمون عَلَى الحَدِيْث بما يليق بِهِ ، فَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة المرفوعة ، وَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة الموقوفة ، عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالروايات ؛ فعلى هَذَا فإن حكم المُحَدِّثِيْنَ في مِثْل هَذَا لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية مطردة تقع تحتها جَمِيْع الأحاديث ؛ لِذلِكَ فإن مَا أطلق الإمام النَّوَوِيّ ترجيحه يمكن أن يَكُون مقيدًا عَلَى النحو الآتي:
الحكم للرفع - لأن راويه مثبت وغيره ساكت ، وَلَوْ كَانَ نافيًا فالمثبت مقدم عَلَى النافي ؛ لأَنَّهُ علم مَا خفي - ، إلا إذَا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح معها الوقف .
وسأسوق أمثلة لأحاديث اختلف في رفعها ووقفها متفرعة عَلَى حسب ترجيحات المُحَدِّثِيْنَ .
فمثال مَا اختلف في رفعه ووقفه وكانت كلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيْحَة:
حَدِيث عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رضى الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِى بَوْلِ الْغُلاَمِ الرَّضِيعِ: « يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلاَمِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ » . قَالَ قَتَادَةُ وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا فَإِذَا طَعِمَا غُسِلاَ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. رَفَعَ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِىُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَوْقَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. [10] .
وقال ابن الملقن [11] :
"قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي أَوَاخِر «كتاب الصَّلَاة» : هَذَا حَدِيث حسن ، رَفَعَ هِشَام الدستوَائي هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة ، و (وَقفه) سعيد بن (أبي) عرُوبَة عَن قَتَادَة ، وَلم يرفعهُ ."
قَالَ: وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ، فَقَالَ: سعيد بن أبي عرُوبَة لَا (يرفعهُ) ، وَهِشَام يرفعهُ ، وَهُوَ حَافظ .
قَالَ اليبهقي: إلاَّ أَن غير معَاذ بن هِشَام - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَن أَبِيه هِشَام مَوْصُولا - يرويهِ عَن هِشَام مُرْسلا . أَي: فَيكون هِشَام قد اخْتُلف عَلَيْهِ فِي رَفعه.
وَلم يعبأ الْحَاكِم أَبُو عبد الله بذلك ، فَذكره مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ:هَذَا حَدِيث صَحِيح . (قَالَ: و) أَبُو الْأسود الديلِي - يَعْنِي رَاوِيه عَن عَلّي - صَحَّ سَمَاعه من عَلّي ، وَهُوَ عَلَى شَرطهمَا صَحِيح وَلم يخرجَاهُ . قَالَ: وَله شَاهِدَانِ صَحِيحَانِ . وهما الطريقان الآتيان بعد هَذَا .
ثَانِيهَا: عَن أبي السَّمْح رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كنت أخدم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُتِيَ بِحسن - أَو حُسَيْن - فَبَال عَلَى صَدره ، فجئتُ أغسله ، فَقَالَ: يُغسل (من) بولِ الْجَارِيَة ، ويُرَش من بولِ الْغُلَام» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة والحاكمان: أَبُو أَحْمد فِي «كناه» ، وَأَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح .
وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث أبي السَّمْح هَذَا حَدِيث حسن .
وَرَوَاهُ أَيْضا: أَبُو بكر الْبَزَّار فِي «مُسْنده» (بِلَفْظ) : «يُنْضَحُ بولُ الغلامِ ، ويُغْسَلُ بولُ الْجَارِيَة» . وَقَالَ: أَبُو السَّمْح لَا يُعْلَمُ (حدَّث) عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ بِهَذَا الحَدِيث ، وَلَا لهَذَا الحَدِيث إسنادٌ إلاَّ هَذَا ، وَلَا يُحفظ هَذَا الحَدِيث إلاَّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مهْدي .
قُلْتُ: لَهُ حَدِيث آخر . قَالَه بَقِي بن مخلد .
وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا حَدِيث لَا تقوم بِهِ حجَّة ، والمُحِلّ ضَعِيف ، وَرِوَايَة من رَوَى الصب عَلَى بَوْل الصَّبِي ، وإتباعه (بِالْمَاءِ) أصح .
وَتَبعهُ ابْن عبد الْحق فِي كِتَابه: «الرَّد عَلَى ابْن حزم فِي الْمُحَلَّى» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يَحْيَى بن الْوَلِيد بن الْمسير أَبُو الزَّعْرَاء ، وَفِيه جَهَالَة ، لَمْ يذكرهُ ابْن أبي حَاتِم بجَرح وَلَا (تَعْدِيل) ، وَلَا غَيره من المتقدِّمين إلاَّ النَّسَائِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ . وَفِيه أَيْضا: مُحِلّ - بميم مَضْمُومَة ، ثمَّ حاء مُهْملَة مَكْسُورَة ، ثمَّ لَام مُشَدّدَة ، كَذَا ضَبطه صَاحب «الإِمام» -(ابْن خَليفَة ، قَالَ ابْن عبد الْبر فِيهِ: ضَعِيف . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق . انْتَهَى مَا ذكره ابْن عبد الْحق .
وَالْحق: صِحَّته ، كَمَا قَالَه ابْن خُزَيْمَة ، وَالْحَاكِم)وَكَذَا الْقُرْطُبِيّ فِي « (شرح مُسلم» ) . أَو حسنه ، كَمَا قَالَ (البُخَارِيّ) .
وَيَكْفِينَا فِي يَحْيَى بن الْوَلِيد (قَول) النَّسَائِيّ ، وَكَذَلِكَ فِي «مَحل بن خَليفَة» قَول ابْن معِين وَأبي حَاتِم ، وَقد أخرج لَهُ مَعَ ذَلِك البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» "."
وَقَالَ الحافظ ابن حجر:"إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه ، وَفِي وصله وإرساله ، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته وكذا الدَّارَقُطْنِيّ" [12] .
والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام [13] ، قَالَ: حَدَّثَني أبي [14] ، عن
قتادة ، عن أبي حرب بن أبي الأسود [15] ، عن أبيه [16] ، عن عَلِيّ بن أبي طالب ، مرفوعًا [17] .
قَالَ البزار:"وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مُعَاذٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَرْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا." [18] .
أقول: إطلاق البزار في حكمه عَلَى تفرد معاذ بن هشام بالرفع غَيْر صَحِيْح إِذْ إن معاذًا قَدْ توبع عَلَى ذَلِكَ تابعه عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث [19] عِنْدَ أحمد [20] ،
والدارقطني [21] ، لذا فإن قَوْل الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أدق حِيْنَ قَالَ:"يرويه قتادة ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه ، رفعه هشام بن أبي عَبْد الله من رِوَايَة ابنه معاذ وعبدالصمد بن عَبْد الوارث ، عن هشام ، ووقفه غيرهما عن هشام" [22]
قلت: مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من أن غَيْر معاذ وعبد الصمد روياه عن هشام موقوفًا فإني لَمْ أجد هَذَا في شيء من كتب الحَدِيْث ، ولعله وهمٌ من الدَّارَقُطْنِيّ يفسر ذَلِكَ قوله في السُّنَن 1/129 لما ساق رِوَايَة معاذ:"تابعه عَبْد الصمد ، عن هشام ، ووقفه ابن أبي عروبة ، عن قتادة". فلو كَانَتْ ثمة مخالفة قريبة لما ذهب إلى رِوَايَة ابن أبي عروبة ، والله أعلم .
والرواية الموقوفة: رواها يَحْيَى بن سعيد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه ، عن عَلِيّ ، فذكره موقوفًا [23] .
فالرواية الموقوفة إسنادها صَحِيْح عَلَى أن الحَدِيْث مرفوعٌ صححه جهابذة المُحَدِّثِيْنَ: البُخَارِيّ والدارقطني - كَمَا سبق - وابن خزيمة [24] ، وابن حبان [25] ، والحاكم [26] - وَلَمْ يتعقبه الذهبي - ، ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري [27] قَالَ:"قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه ، وَهُوَ حافظ" [28] .
أقول: هكذا صَحّح الأئمة رفع هَذَا الحَدِيْث ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ موقوفًا أيضًا ؛ وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه ، ووقفه ، فإن الحكم عندهم للرفع ، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ اهـ .
16-تنبيه ربما أطلق بعض العلماء عبارة: ( زيادة الثقة ) على ما يأتي به الصحابي من العلم في حديث يشاركه فيه صحابي آخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن هذا الآخر لا يذكر تلك الزيادة في حديثه .
"مثل ما وقع في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ وَرَخَّصَ فِى كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ وَقَالَ « إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ » [29] ."
قال البيهقي في معرفة السنن والآثار:
"470 أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا ، وَأَبُو بكر ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِتُرَابٍ"أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ"وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَنْفَرِدُ بِذِكْرِ التُّرَابِ فِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ رَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ"وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْفِيرُ فِي التُّرَابِ فِي إِحْدَى الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ ، عَدَّهُ ثَامِنَةً ، وَإِذْ صِرْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الْحِفْظِ ، فَقَدْ قَالَ: الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ:"إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ ، ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ فِيهِ الثِّقَاتِ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ مُضَافًا إِلَى فِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ دُونَ قَوْلِهِ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَمَّنْ سَمَّيْنَا ، وَعَمَّنْ لَمْ نُسَمِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مَرَّةً مَرْفُوعًا . كَمَا رُوِّينَا ، وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ نَحْوَ رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - . أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ ، عُقَيْبَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بِمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، مَرْفُوعًا فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِهِ سَبْعًا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِحَّةِ طَرِيقِهِ ، وَقُوَّةِ إِسْنَادِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: زَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ تَتَبَّعَ الْآثَارَ ، ثُمَّ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَتَرَكَ الْقَوْلَ بِالْعَدَدِ الْوَارِدِ فِي تَطْهِيرِ الْإِنَاءِ مِنْهُ ، وَاسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِيهِ ، وَجَعَلَ نَظِيرَ ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ ، وَهُوَ يُوجِبُ غَسْلَ الْإِنَاءِ مِنَ الْوُلُوغِ ، وَلَا يُوجِبُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ . فَكَيْفَ يَشْتَبِهَانِ ؟ ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِنَاءِ يَلِغُ فِيهِ الْكَلْبُ أَوِ الْهِرُّ يُغْسَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْوُلُوغِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ السَّبْعِ ، عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ . وَهَلَّا أَخَذَ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي السَّبْعِ ، وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ فُتْيَا أَبِي هُرَيْرَةَ بِالسَّبْعِ ، وَبِمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ عَلَى خَطَأِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ عَطَاءٍ ، ثُمَّ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ الْحِفْظِ ، وَالثِّقَةِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ، تَرَكَهُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ . وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُخْتَلَفٌ عَلَيْهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُوِي عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَرْكُ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا غَلَطًا بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ قَدْ عُرِفَ بِمُخَالَفَةِ الْحُفَّاظِ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ ؟ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ"
فتعقبه الناقد ابن التركماني الحنفي فقال:"بل رواية ابن مغفل أولى ؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة ، والزيادة مقبولة ، خصوصًا من مثله" [30] .
(1) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 407) و فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 168) وبحوث في المصطلح للفحل - (ج 1 / ص 193)
(2) - شرح التبصرة و التذكرة 1/177 ، و 1/233 طبعتنا ، ومقدمة جامع الأصول 1/170 ،وفتح المغيث 1/194 ، و المحصول 2/229-230 ، و الكفاية (588ت-417هـ ) ، شرح ألفية السيوطي 29 .
(3) - فتح المغيث 1/168 ط عَبْد الرحمان مُحَمَّد عُثْمَان ، و 1/195 ط عويضة .
(4) - مقدمة جامع الأصول 1/170 ، فتح المغيث 1/194 ، شرح ألفية السيوطي: 29 .
(5) - شرح التبصرة والتذكرة 1/179 ، 1/233 طبعة الفحل ، وفتح المغيث 1/195، وشرح ألفية السيوطي:29.
(6) - نقله عَنْهُ النَّسَائِيّ في السُّنَن الكبرى 1/632 عقيب (2072) ، ونقله عَنْهُ العلائي في نظم الفرائد:367 بلفظ: (( حُفَّاظ علم الزُّهْرِيّ ثلاثة: مَالِك ومعمر وابن عيينة ، فإذا اختلفوا أخذنا بقول رجلين مِنْهُمْ ) ).
(7) - نظم الفرائد: 367 .
(8) - فتح المغيث 1/168 ط عَبْد الرحمن مُحَمَّد ، و 1/195 ط عويضة .
(9) - مقدمة شرح النَّوَوِيّ عَلَى صَحِيْح مُسْلِم 1/25 ، و التقريب: 62-63 ، و 107-108 طبعة الفحل ، والإرشاد 1/202 .
(10) - سنن الترمذى (613 )
(11) - البدر المنير - (ج 1 / ص 531)
(12) - التلخيص الحبير طبعة العلمية 1/187 ، وطبعة شعبان 1/50 .
(13) - هُوَ معاذ بن هشام بن أبي عَبْد الله الدستوائي ، البصري ، وَقَدْ سكن اليمن ، ( صدوق رُبَّمَا وهم ) ، مات سنة مئتين ، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة . التقريب ( 6742 ) .
(14) - هُوَ هشام بن أبي عَبْد الله:سَنْبَر - بمهملة ثُمَّ نون موحدة ، وزن جَعْفَر - ، أبو بَكْر البصري الدستوائي ، ( ثِقَة ، ثبت ) ، مات سنة مئة وأربع وخمسين ، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة.الطبقات لابن سعد 7/279-280 ، وتذكرة الحفاظ 1/164 ، والتقريب (7299) .
(15) - هُوَ أبو حرب بن أبي الأسود الديلي ، البصري ، ( ثِقَة ) ، قِيلَ: اسمه محجن ، وَقِيلَ: عطاء ، مات سنة ثمان ومئة ، أخرج حديثه مُسْلِم وأصحاب السُّنَن الأربعة . التقريب ( 8042 ) .
(16) - هُوَ أَبُو الأسود الديلي - بكسر المُهْمَلَة وسكون التحتانية - ، ويقال: الدؤلي 0 بالضم بعدها همزة مفتوحة - ، البصري ، اسمه: ظالم بن عَمْرو بن سُفْيَان ، ويقال: عَمْرو بن ظالم ، ويقال: بالتصغير فِيْهِمَا ، ويقال: عَمْرو بن عُثْمَان ، أو عُثْمَان بن عَمْرو: ( ثِقَة ، فاضل ، مخضرم ) ، مات سنة تسع وستين ، أخرج حديثه أصحاب الكُتُب الستة . التقريب ( 7940 ) .
(17) - هذِهِ الرِّوَايَة أخرجها: أحمد 1/ 97 و 137 ، وأبو دَاوُد ( 378 ) ، وابن ماجه ( 525 ) ، والترمذي ( 610 ) ، وَفِي علله الكبير ( 38 ) ، والبزار ( 717 ) ، وأبو يعلى ( 307 ) ، وابن خزيمة ( 284 ) ، والطحاوي في شرح المعاني 1/92 ، وابن حبان ( 1372 ) ، وطبعة الرسالة ( 1375 ) ، والدارقطني 1/129 ، والحاكم 1/165-166 ، والبيهقي 2/415 ، والبغوي ( 296 ) .
(18) - مسند البزار (717)
(19) - هو أبو سهل التميمي العنبري عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد ، توفي سنة ( 207 هـ ) .الطبقات الكبرى 7/300 ، وسير أعلام النبلاء 9/516 ، وشذرات الذهب 2/17 .
(20) - المُسْنَد 1/76 (1161 )
(21) - السُّنَن 1/129 (480 )
(22) - علل الدَّارَقُطْنِيّ 4/184-185 س ( 495 ) .
(23) - وهذه الرِّوَايَة الموقوفة أخرجها عَبْد الرزاق ( 1488 ) ، وابن أبي شَيْبَة ( 1292 ) ، وأبو دَاوُد ( 377) ، والبيهقي 2/415 .
(24) - صَحِيْح ابن خزيمة ( 284 ) ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يحكم عَلَيْهِ بلفظه ، إلا انا قلنا ذَلِكَ عَنْهُ لالتزامه الصحة في كتابه قَالَ العماد بن كَثِيْر في اختصار علوم الحَدِيْث: 27 ، وطبعة العاصمة 1/109: (( وكتب أخر التزم أصحابها صحتها كابن خزيمة ، وابن حبان ) ). وَقَالَ الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى كِتَاب ابن الصَّلاح 1/291: (( حكم الأحاديث الَّتِي في كِتَاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بِهَا ) ). عَلَى أن الكِتَاب فِيهِ بَعْض مَا انتقد عَلَيْهِ .
(25) - صحيحه ( 1372 ) ، وطبعة الرسالة ( 1375 ) ، وانظر الهامش السابق .
(26) - المستدرك 1/165-166 .
(27) - هو أبو مُحَمَّد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشامي الأصل ، ولد سنة ( 581 هـ) ، من مصنفاته"المعجم"، واختصر"صحيح مسلم"و"سنن أبي داود"، توفي سنة ( 656هـ ) .سير أعلام النبلاء 23/319 و 320 ، والعبر 5/232 ، وتذكرة الحفاظ 4/1436 .
(28) - عون المعبود 1/145 .
(29) - سنن النسائى (67 )
(30) - انظر:"السنن الكبرى"للبيهقي ( 1 / 242 ) ، و"الجوهر النقي"لابن التركماني ، بهامشها ( 1 / 241 ) .