قال السيوطي [1] :
"وأمَّا قولُ التِّرمذي وغيره، كعليِّ بن المَدِيني [2] ويعقُوب بن شَيْبة [3] : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو مِمَّا استشكل, لأنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصَّحيح, فكيف يجتمع إثبات القُصُور ونفيه في حديث واحد ،فمعناه أنَّه رُوي بإسْنَادين أحدهما يقتضي الصحَّة والآخر يَقْتضي الحسن ، فصحَّ أن يُقَال فيه ذلك, أي حسن باعتبار إسناد, صحيح باعتبار آخر."
قال ابن دقيق العيد: يَرُد على ذلك الأحاديث الَّتي قيل فيها ذلكَ, مع أنَّه ليس لها إلاَّ مخرج واحد, كحديث خرَّجه التِّرمذي من طريق الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا بَقِىَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ تَصُومُوا » . قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ. [4]
وأجاب بعض المتأخِّرين: بأنَّ التِّرمذي, إنَّما يَقُول ذلك مُريدًا تفرُّدُ أحدِ الرُّواة عن الآخر, لا الفرد المُطْلق.
قال: ويُوضح ذلكَ ما ذكرهُ في الفتن من خَالِدِ الْحَذَّاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ » . قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِى الْبَابِ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.. [5]
فاسْتغربهُ من حديث خالد, لا مُطْلقًا.
قال العِرَاقي: وهذا الجَوَاب لا يَمْشِي في المَوَاضع الَّتي يقول فيها: لا نعرفهُ إلاَّ من هذا الوجه, كالحديث السَّابق.
وقد أجابَ ابن الصَّلاح بِجَوابٍ ثانٍ هو: أنَّ المُراد بالحَسَن اللُّغوي دُون الاصْطلاحي, كمَا وقع لابن عبد البرِّ, حيثُ روى في كتاب «العِلْم» حديث مُعاذ بن جبل مَرْفُوعًا: « تعلموا العلم ؛ فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ؛ لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنس في الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الأخلاء ، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة يقتص آثارهم ، ويقتدى بأفعالهم وينتهى إلى رأيهم ، ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس ، وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه ؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلا في الدنيا والآخرة ، والتفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء » وقال: هذا حديث حسنٌ جدًّا, ولكن ليس له إسْنَاد قوِّي. [6]
فأراد بالحَسَن حُسن اللَّفظ, لأنَّه من رِوَاية مُوسى البَلْقاوي, وهو كذَّاب نُسِبَ إلى الوَضْع, عن عبد الرَّحيم العَمِّي, وهو مَتْروك.
وروينَا عن أُمَية بن خَالد قال: قلتُ لِشُعبة تُحدِّث عن محمَّد بن عُبيد الله العَرْزمي, وتدع عبد الملك بن أبي سُليمان [7] , وقد كان حسن الحديث؟ فقال: من حُسْنها فررتُ. يعني أنَّها مُنْكرة.
"قلت: هذه هي القصة فعن أمية بن خالد قال قلت أو قيل لشعبة لم تركت الرواية عن عبد الملك بن أبى سليمان وهو حسن الحديث قال من حسن حديثه أفر روى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا » ."
نا عبد الرحمن حدثني أبى نا أبو بكر بن أبى عتاب الاعين قال سمعت نعيم بن حماد قال سمعت وكيعا يقول سمعت شعبة يقول لو روى عبد الملك بن أبى سليمان حديثا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه"الجرح والتعديل [ ج 5 - ص 367 ] "
قلت: والحديث أخرجه سنن الترمذى (1423 ) من طريقه وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ،وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ. وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ شُعْبَةَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ مِيزَانٌ. يَعْنِى فِى الْعِلْمِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِذَا قَدِمَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ.""
وقال النَّخعي: كانُوا يكرهون إذا اجتمعُوا أن يُخرج الرَّجل أحسن ما عندهُ.
قال السَّمعاني: عَنَى بالأحسن الغريب.
قال ابن دقيق العيد: ويلزم على هذا الجَوَاب أن يُطلق على الحديث المَوْضُوع إذا كان حسَنَ اللفظ أنَّه حسنٌ, وذلكَ لا يَقُوله أحد من المُحدِّثين, إذا جَرُوا على اصْطلاحهم.
قال شيخ الإسْلام: ويلزم عليه أيضًا أنَّ كل حديث يُوصف بصفةٍ, فالحسن تابعه, فإنَّ كل الأحاديث حَسَنةُ الألفاظ بليغةُ المَعَاني, ولمَّا رأينا الَّذي وقعَ له هذا كثير الفَرْق, فتارة يقول: حسن فقط, كما في سنن الترمذى (33 ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُمْ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ.
وتارة صحيحٌ فقط, كما في سنن الترمذى (156 ) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِى هَذَا الْبَابِ. وَفِى الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ.
وتارة حسنٌ صحيحٌ, كما في س سنن الترمذى (31 ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وتارة صحيحٌ غريبٌ، كما في سنن الترمذى (2000 ) حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ الْكُوفِىُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَمْشِى وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِى الْبَزَرِىِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَبُو الْبُزَرِىُّ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ.
قلت: وكذلك قوله حسن صحيح غريب كما في سنن الترمذى (210 ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ » . قَالَ أَبُو عِيسَى وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ حُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ.
وتارة حسنٌ غريبٌ, كما في سنن الترمذى (28 ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا. قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِى الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
فعرفنا أنَّه لا مَحَالة جارٍ مع الاصْطلاح, مع أنَّه قال في آخر «الجامع» وما قُلنا في كتابنا: حديث حسن, فإنَّما أردنا به حُسن إسْنَاده عندنَا, فقد صرَّح بأنَّه أرادَ حُسْن الإسناد, فانتفى أن يُريد حُسْن اللَّفظ.
وأجاب ابن دقيق العيد بِجَوابٍ ثالثٍ, وهو: أنَّ الحسَنَ لا يُشْترط فيه القُصُور عن الصحَّة, إلاَّ حيثُ انفردَ الحَسَن, أمَّا إذا ارتفعَ إلى درجة الصِّحة, فالحَسَن حاصلٌ لا مَحَالة تبعًا للصحَّة, لأنَّ وجُود الدَّرجة العُليا, وهي الحفظ والإتْقان, لا يُنَافي وجُود الدُّنيا كالصِّدق, فيصح أن يُقَال: حسنٌ, باعتبار الصِّفة الدُّنيا, صحيحٌ باعتبار العُليا, ويلزم على هذا أنَّ كل صحيح حسن, وقد سبقهُ إلى نحو ذلك ابن المَوَاق.
قال شيخُ الإسْلام: وشبهُ ذلك قولهم في الرَّاوي: صدوق فقط, وصدوق ضابط, فإنَّ الأوَّل قاصرٌ عن درجة رِجَال الصَّحيح, والثَّاني منهم, فكمَا أنَّ الجمع بينهما لا يَضُر ولا يُشْكل, فكذلك الجمعُ بين الصِّحة والحسن.
ولابن كثيرٍ جوابٌ رابعٌ هو: أنَّ الجمع بين الصحَّة والحُسْن درجة متوسطة بين الصَّحيح والحَسَن. قال: فما يقول فيه: حسنٌ صحيحٌ, أعلى رُتبة من الحَسَنِ ودون الصَّحيح.
قال العِرَاقي: وهذا تحكُّمٌ لا دليلَ عليه, وهو بعيد.
ولشيخ الإسْلام جوابٌ خامسٌ, وهو التوسط بين كلام ابن الصَّلاح وابن دقيق العيد, فيخص جواب ابن الصَّلاح بما له إسنادان فصاعدًا, وجواب ابن دقيق العيد بالفرد.
قال: وجَوَابٌ سادس وهو الَّذي أرتضيه, ولا غُبَار عليه, وهو الَّذي مشى عليه في النُّخبة وشرحها: أنَّ الحديثَ إن تعدَّد إسْنَادُه, فالوصفُ راجعٌ إليه باعتبار الإسْنَادين, أو الأسانيد.
قال: وعلى هذا, فمَا قيل فيه ذلك, فوق ما قيل فيه: صحيح فقط, إذا كان فَرْدًا, لأنَّ كَثْرة الطُّرق تُقَوِّي, وإلاَّ فبحسب اختلاف النقاد في راويه, فيرى المُجتهد منهم بعضهم يَقُول فيه: صَدُوق, وبعضهم يقول: ثقة, ولا يترجَّح عندهُ قول واحد منهمَا, أو يترجَّح, ولكنَّه يُريد أن يُشَير إلى كلام النَّاس فيه فيقول ذلك, وكأنَّه قال: حسنٌ عندَ قومٌ, صحيحٌ عند قَوْم.
قال: وغاية ما فيه أنَّه حذف منه حرف التردد, لأنَّ حقَّه أن يقول: حسن, أو حسنٌ صحيح, قال: وعلى هذا ما قيل فيه ذلك, دُون ما قيل فيه: صحيح, لأنَّ الجَزْم أقوى من التردد. انتهى. [8]
وهذا الجواب مُركَّب من جواب ابن الصَّلاح وابن كثير."."
قلتُ:
يتحصل من كلامهم أن الإمام الترمذي رحمه الله له اصطلاحات خاصة في كتابه اجتهد العلماء في فهمها ، وخلاصتها:
أنه إذا قال هذا حديث حسن ، فهو يعني به الحسن لغيره
وإذا قال: هذا حديث حسن غريب ، فهو يعني به الحسن لذاته
وإذا قال: هذا حديث حسن صحيح ، فله أكثر من معنى:
منها أنه يعني حسن عند قوم صحيح عند آخرين
أوحسن السند صحيح المتن ، وهو الصحيح لغيره
أوأن هناك راويا اختلفوا في الحكم عليه ما بين صدوق إلى ثقة
أو أنه ذكرها لزيادة القوة ، أي حسن بل صحيح ، ونحو ذلك . والله أعلم
ـــــــــــــــ
(1) - انظر: مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 5و6) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 5) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 2) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 86) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 106و107)
(2) - علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني الحافظ أبو الحسن عن أبيه وحماد بن زيد وجعفر بن سليمان والطبقة وعنه البخاري وأبو داود والبغوي وأبو يعلى ،قال شيخه ابن مهدي:علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة بحديث ابن عيينة وقال ابن عيينة:يلومونني على حبِّ ابن المديني والله لأ تعلم منه أكثر مما تعلم مني وكذا قال يحيى القطان فيه ،وقال البخاري:ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي ،قال النسائي: كأن الله خلقه لهذا الشأن مات بسامراء في ذي القعدة سنة 234 وله ثلاث وسبعون سنة .خ د ت س"الكاشف [ ج 2 - ص 42 ] (3937 ) "
(3) - يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ بنِ الصَّلْتِ بنِ عُصْفُورٍ البَصْرِيُّ الحَافِظُ، الكَبِيْرُ، العَلاَّمَةُ، الثِّقَةُ، أَبُو يُوْسُفَ، السَّدُوْسِيُّ، البَصْرِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، صَاحِبُ (المُسْنَدِ الكَبِيْرِ) ، العديمُ النَّظيرِ المعلّل، الَّذِي تمَّ مِنْ مسَانيدِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ مجلَّدًا، وَلَوْ كَمُلَ لَجَاءَ فِي مائَةِ مُجَلَّدٍ.مَوْلِدُهُ: فِي حُدُوْدِ الثَّمَانِيْنَ وَمائَةٍ، وَسَمَاعَاتُهُ عَلَى رَأْسِ المائَتَيْنِ.
وَيُخَرِّجُ العَالِي وَالنَّازلَ، وَيذكرُ أَوَّلًا سِيْرَةَ الصَّحَابِيِّ مُستوَفَاةً، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا رَوَاهُ، وَيوضِّحُ عِلَلَ الأَحَادِيْثِ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى الرِّجَالِ، وَيُجَرِّحُ وَيعدِّلُ بكَلاَمٍ مُفِيْدٍ عَذْبٍ شَافٍ، بِحَيْثُ إِنَّ النَّاظرَ فِي (مُسْنَدِهِ) لاَ يَمَلُّ مِنْهُ، وَلَكِنْ قَلَّ مَنْ رَوَى وَثَّقَهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْ كَانَ كِتَابُ يَعْقُوْبَ بنِ شَيْبَةَ مَسطورًا عَلَى حَمَّامٍ لَوَجَبَ أَنْ يُكْتَبَ، يَعْنِي: لاَ يفتقرُ الشَّخْصُ فِيْهِ إِلَى سَمَاعٍ.قَالَ أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ القَاضِي: كَانَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بنِ المُعَدَّلِ، وَالحَارِثِ بنِ مِسْكِيْنَ، فَقِيْهًا، سَرِيًّا، وَكَانَ يَقِفُ فِي القُرْآنِ.
قُلْتُ: أَخذَ الوَقْفَ عَنْ شَيْخِهِ أَحْمَدَ المَذْكُوْرِ، وَقَدْ وَقَفَ عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بنُ أَبِي إِسْرَائِيْلَ، وَجَمَاعَةٌ.وخَالفَهُم نَحْوٌ مِنْ أَلفِ إِمَامٍ، بَلْ سَائِرُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ عَلَى نَفْي الخليقَةِ عَنِ القُرْآنِ، وَتَكْفِيْرِ الجَهْمِيَّةِ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلاَمَةَ فِي الدِّيْنِ.قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ: أَظهرَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ الوَقْفَ فِي ذَلِكَ الجَانبِ مِنْ بَغْدَادَ، فحذَّرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ المُتَوَكِّلُ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَحْيَى بنِ خَاقَانَ أَنْ يَسْأَلَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَمَّنْ يُقَلِّدُ القَضَاءَ ،قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ يَعْقُوْبَ بنِ شَيْبَةَ،فَقَالَ: مُتَبَدِّعٌ، صَاحِبُ هوَى،قَالَ الخَطِيْبُ: وَصفَهُ أَحْمَدُ بِذَلِكَ لأَجلِ الوَقْفِ.
قُلْتُ: قَدْ كَانَ يَعْقُوْبُ صَاحِبُ أَمْوَالٍ عَظِيْمَةٍ، وَحِشْمَةٍ، وَحُرْمَةٍ وَافرَةٍ، بِحَيْثُ إِنَّ حَفِيْدَهُ حَكَى، قَالَ: لَمَّا وُلِدْتُ عَمدَ أَبواي فَمَلآ لِي ثَلاَثَةَ خوَابِي ذَهبًا، وَخبَّآهَا لِي، فذكَرَ أَنَّهُ طَالَ عُمُرُهُ، وَأَنفقهَا، وَفَنِيَتْ، وَاحْتَاجَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ قَبْلَ مَوْتِ جدِّهِ بنيِّف عَشْرَةَ سَنَةً. مَاتَ يَعْقُوْبُ الحَافِظُ: فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ... سير أعلام النبلاء (12/478-480) (174 )
(4) - سنن الترمذى (743 ) وسنن أبى داود (2339 ) وهو حديث حسن
وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُفْطِرًا فَإِذَا بَقِىَ مِنْ شَعْبَانَ شَىْءٌ أَخَذَ فِى الصَّوْمِ لِحَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(5) - صحيح مسلم (6832 ) وسنن الترمذى (2314 )
(6) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (219 ) وقال: وهو حديث حسن جدا ولكن ليس له إسناد قوي
والترغيب والترهيب للمنري (107) وقال عقبه:رواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم من رواية موسى بن محمد بن عطاء القرشي حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن الحسن عنه وقال هو حديث حسن ولكن ليس له إسناد قوي وقد رويناه من طرق شتى موقوفا كذا قال رحمه الله ورفعه غريب جدا والله أعلم
وانظر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 86) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 125) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 56) ونظرات جديدة في علوم الحديث للمليباري - (ج 1 / ص 29) وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 5)
(7) - قلت: بل هو ثقة أخطأ في بعض الأحاديث ولا سيما عن عطاء ، ففي تقريب التهذيب (4184 ) عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزمي بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة صدوق له أوهام من الخامسة مات سنة خمس وأربعين خت م 4
وفي الكاشف (3455 ) عبد الملك بن أبي سليمان الكوفي الحافظ عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء وعنه القطان ويعلى بن عبيد قال أحمد ثقة يخطىء من أحفظ أهل الكوفة رفع أحاديث عن عطاء توفي 145 م 4
(8) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 79) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 10) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 80) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 109) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 2 / ص 24) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 302) ومعجم المصطلحات الحديثية - (ج 1 / ص 20)