لغة: اسم فاعل من"استفاض"مشتق من فاض الماء وسمى بذلك لانتشاره.
اصطلاحًا: اختلف في تعريفه على ثلاثة أقوال وهي:
هو مرادف للمشهور .
هو أخص منه ، لأنه يشترط في المستفيض أن يستوي طرفا إسناده ، ولا يشترط ذلك في المشهور .
هو أعم منه أي عكس القول الثاني .
وقال الزركشيُّ [2] :
" [ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفِيضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ ] قِيلَ: إنَّهُ وَالْمُتَوَاتِرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ ، كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابَيْهِمَا ."
وَقِيلَ: بَلِ الْمُسْتَفِيضُ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ [3] ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَتْبَاعُهُ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ [4] ، وَجَرَى عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ مِعْيَارِ النَّظَرِ"، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ"فَقَالَ: ضَابِطُهُ أَنْ يَنْقُلَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ يَرْبُو عَلَى الْآحَادِ ، وَيَنْحَطُّ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ .
وَجَعَلَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ قِسْمًا مِنَ الْآحَادِ .
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ تَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ [5] ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَقِيلَ:"الْمُسْتَفِيضُ"مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَعَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ مَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالِاشْتِهَارِ مَعَ التَّسْلِيمِ ، وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ فُورَكٍ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ: مُشْكِلِ الْحَدِيثِ"إلَى هَذَا أَيْضًا ،وَمَثَّلَهُ بِخَبَرِ: { فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ } [6] ."
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ": الْمُسْتَفِيضُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رُتْبَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ."
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ الشَّائِعُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَقَدْ صَدَرَ عَنْ أَصْلٍ لِيُخْرِجَ الشَّائِعَ لَا عَنْ أَصْلٍ .
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي"وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ"تَقْسِيمًا غَرْبِيًّا جَعَلَا فِيهِ الْمُسْتَفِيضَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الْمُتَوَاتِرِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ .
فَقَالَا: الْخَبَرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: الِاسْتِفَاضَةُ ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَشِرَ مِنِ ابْتِدَائِهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ ، وَيَتَحَقَّقُهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَلَا يَشُكُّ فِيهِ سَامِعٌ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ ، وَعَنَيَا بِذَلِكَ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ .قَالَا: وَهَذَا أَقْوَى الْأَخْبَارِ وَأَثْبَتُهَا حُكْمًا .
وَالثَّانِي: التَّوَاتُرُ: وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ حَتَّى يَكْثُرَ عَدَدُهُمْ ، وَيَبْلُغُوا قَدْرًا يَنْتَفِي عَنْ مِثْلِهِمُ التَّوَاطُؤُ وَالْغَلَطُ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِي آخِرِهِ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفَاضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الِانْتِهَاءِ .
الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ الِاسْتِفَاضَةِ لَا تُرَاعَى فِيهِ عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ ، وَفِي الْمُتَوَاتِرِ يُرَاعَى ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ تَنْتَشِرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ ، وَالْمُتَوَاتِرُ مَا انْتَشَرَ عَنْ قَصْدٍ لِرِوَايَتِهِ ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي انْتِفَاءِ الشَّكِّ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِمَا وَلَيْسَ الْعَدَدُ فِيهِمَا مَحْصُورًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ انْتِفَاءُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ مِنَ الْمُخْبِرِينَ .
قَالَا: وَالْمُسْتَفِيضُ مِنْ أَخْبَارِ السُّنَّةِ مِثْلُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، وَالتَّوَاتُرُ مِنْهَا مِثْلُ وُجُوبِ الزَّكَوَاتِ اهـ
هَكَذَا قَالَا ، وَهُوَ غَرِيبٌ ، لَكِنَّ قَوْلَهُمَا فِي الِاسْتِفَاضَةِ مُوَافِقٌ لِمَا اخْتَارَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ طُرُقِهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُتَأَخِّرِينَ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ: أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ .
وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ ، أَنَّ أَقَلَّ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ سَمَاعُهُ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ كَجٍّ ، وَنَقَلَ وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ ؟ قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا غَيْرَ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ خَبَرُ عَدَدٍ يُؤْمَنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ .
وَالْمُسْتَفِيضُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَاسِطَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَأَبِي مَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ ، وَابْنُ فُورَكٍ ، وَمَثَّلَهُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ": بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ، وَأَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْحَوْضِ ، وَالشَّفَاعَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ [7] ، وَمَثَّلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ بِحَدِيثِ: { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } [8] ، وَحَدِيثِ: { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا } [9] ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعَمَلِ ، مُقَارِبًا لِلْيَقِينِ ."
وَسَبَقَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَضَعَّفَ مَقَالَةَ الْأُسْتَاذِ بِأَنَّ الْعُرْفَ وَإِطْرَادَ الِاعْتِبَارِ لَا يَقْتَضِي الصِّدْقَ قَطْعًا ، بَلْ قُصَارَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: كَأَنَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالتَّجْرِبَةِ يَحْصُلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ مَالَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ ،نَعَمْ ، هُوَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ .
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ [10] لَا ضَرُورِيٌّ فِي قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ"."
ــــــــــــــ
المشهورُ غير الاصطلاحي [11]
1-تعريفه: ويقصد به ما اشْتُهِرَ على الألْسِنةِ من غير شروط تعتبر، فيشمل:
ما لَهُ إِسنادٌ واحِدٌ فصاعِدًا
ما لا يوجَدُ لهُ إِسنادٌ أَصْلًا .
2-أنواعُ المشهور غير الاصطلاحيِّ:
له أنواعٌ كثيرةٌ أشهرُها:
المشهورُ بين أهل الحديث خاصةً:
ومثاله حديث أنس"أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ" [12]
المشهورُ بين أهل الحديث والعلماء والعوام:
مثاله حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" [13]
المشهورُ بين الفقهاءِ:
مثاله حديث: « أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ » [14] .
المشهورُ بين الأصوليين:
مثاله حديث: « وُضِعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » . [15] .
المشهورُ بين النحاةِ:
مثاله حديث"نِعْمَ العبدٌ صٌهَيْبُ لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِهِ"لا أصل له [16] .
مشهور بين العامة: مثاله حديث « الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ » [17] .
3-حكمُ المشهور:
المشهورُ الاصطلاحيُّ وغيرُ الاصطلاحي لا يوصفُ بكونه صحيحًا أو غير صحيحٍ ، بل منه الصحيحُ ومنه الحسنُ والضعيفُ بل والموضوعُ ، لكن إن صحَّ المشهورُ الاصطلاحيُّ فتكون له ميزةٌ ترجحُه على العزيزِ والغريبِ .
4-أشهرُ المصنَّفات فيه:
المراد بالمصنفات في الأحاديث المشهورة هو الأحاديث المشهورة على الألسنة وليس المشهورة اصطلاحًا ، ومن هذه المصنفات .
ا-المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة:
للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902هـ
وهو كتاب جامع لكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ، مما ليس في غيره ، وتبلغ عدة أحاديثه 1356 حديثًا .
عُني فيه مؤلفه بفن الصناعة الحديثية ، فأتى فيه بفوائد ليست في غيره ، مع الدقة والإتقان ، فشفى وكفى في بيان حال الأحاديث ، ومن مصطلحاته في هذا الكتاب قوله في الحديث:"لا أصل له"، أي ليس له سند ، وليس في كتاب من كتب الحديث ، وقوله:"لا أعرفه"فيما عرض له التوقف ، خشية أن يكون له أصل لم يقف عليه ، وهاتان العبارتان من المحدث الحافظ من علامات الوضع .
أمثلةٌ منه:
الذي لا أصل له: (15) حديث: أبى اللَّه أن يصح إلا كتابه، لا أعرفه، ولكن قد قال اللَّه تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء، ولذا قال إمامنا الشافعي رحمه اللَّه فيما رويناه في مناقبه لأبي عبد اللَّه ابن شاكر من طريق محمد بن عامر عن البويطي، قال: سمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن اللَّه تعالى يقول {ولو كان من عند غير اللَّه} الآية، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه ولبعضهم شعر:
كم من كتاب قد تصفحته وقلت في نفسي أصلحته
حتى إذا طالعته ثانيا وجدت تصحيفا فصححته
مثال الحديث الصحيح (20) حديث: اتقوا دعوة المظلوم، أحمد وأبو يعلى في مسنديهما من حديث أبي عبد اللَّه الأسدي عن أنس رضي اللَّه عنه مرفوعًا بزيادة: وإن كانت من كافر فإنه ليس دونها حجاب، والطبراني، والدينوري، ومن طريقهما القضاعي في مسنده من حديث خزيمة بن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن جده عن خزيمة رضي اللَّه عنه رفعه بزيادة: فإنها تحمل على الغمام، ويقول اللَّه جل جلاله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين، وهما من هذين الوجهين عند الضياء في المختارة، والحاكم من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما مرفوعًا بزيادة: فإنها تصعد إلى السماء كأنها الشرار، وصححه على شرط مسلم، ورواه أبو يعلى من حديث عطية عن [ص 18] أبي سعيد رضي اللَّه عنه رفعه بلفظ: اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب، واتفق الشيخان عليه بهذا اللفظ من حديث أبي معبد نافذ عن مولاه ابن عباس رضي اللَّه عنهما مرفوعًا في حديث إرسال معاذ رضي اللَّه عنه إلى اليمن. وفي الباب عن جماعة. فلأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وغيرهم - مما صححه ابن خزيمة وابن حبان - عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه رفعه: ثلاث دعوات يستجاب لهن لا شك فيهن دعوة المظلوم، وذكر الحديث، زاد بعضهم: ودعوة المظلوم يرفعها اللَّه دون الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول لها الرب بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين.
مثال الحديث الضعيف: (26) حديث: الإثنان فما فوقهما جماعة، ابن ماجه، والدارقطني في سننيهما، والطحاوي في شرح معاني الآثار، وأبو يعلى في مسنده، والحاكم في صحيحه كلهم من حديث الربيع بن بدر بن عمرو عن أبيه عن جده عمرو بن جراد السعدي عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه رفعه بهذا، وهو ضعيف لضعف الربيع، لكن في الباب عن أنس عند البيهقي، وعن الحكم بن عمير عند البغوي في معجمه، وعن عبد اللَّه بن عمرو عند الدارقطني في أفراده، وعن أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط، وفي لفظ لأحمد عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، فقام رجل فصلى معه، فقال: هذان جماعة، والقصة المذكورة دون قوله"هذان جماعة"أخرجها أنو داود والترمذي من وجه آخر صحيح، وعن أبي هريرة وآخرين، واستعمله البخاري ترجمة، وأورد في الباب ما يؤدي معناه، فاستفيد كما قال شيخنا من ذلك ورود هذا الحديث في الجملة.
مثال الحديث الحسن لطرقه (46) حديث: ادرؤوا الحدود بالشبهات، الحارثي في مسند أبي حنيفة له من حديث مقسم عن ابن عباس به مرفوعًا، وكذا هو عند ابن عدي أيضًا، وفي ترجمة الحسين بن علي بن أحمد الخياط المقري من الذيل لأبي سعد بن السمعاني من روايته عنه عن أبي منصور محمد بن أحمد بن الحسين النديم الفارسي، أنا جناح بن نذير حدثنا أبو عبد اللَّه ابن بطة العكبري، حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي حدثنا محمد بن علي الشامي، حدثنا أبو عمران الجوني عن عمر بن عبد العزيز فذكر قصة طويلة فيها: قصة شيخ وجدوه سكران، فأقام عمر عليه الحد ثمانين، فلما فرغ قال: يا عمر ظلمتني فإنني عبد فاغتم عمر ثم قال: إذا رأيتم مثل هذا في هيئته وسمته وفهمه وأدبه فاحملوه على الشبهة، فإن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: ادرؤوا الحدود بالشبهة، قال شيخنا: وفي سنده من لا يعرف، ولابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي عن عمر قال: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات، وكذا أخرجه ابن حزم في الإيصال له بسند صحيح، وعند مسدد من طريق يحيى بن سعيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قال: ادرؤوا الحدود عن عباد اللَّه عز وجل، وكذا أشار إليه البيهقي من حديث الثوري عن عاصم بلفظ: ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم، وقال: أنه أصح ما فيه، وفي الباب ما أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي وأبو يعلى من طريق الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم،
وانظروا إلى هذه الفائدة القيمة في الحديث (37) حديث: إحياء أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى آمنا به، أورده السهيلي عن عائشة، وكذا الخطيب في السابق واللاحق، وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا، وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة اللَّه تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه، وفي الوسيط للواحدي عند قوله تعالى {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} . قال: قرأ نافع تسأل بفتح المثناة الفوقانية، وجزم اللام على النهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أنه سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه، فدله عليهما، فذهب إلى القبرين، ودعا لهما، وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة، فنزلت. وما أحسن قول حافظ الشام ابن ناصر الدين:
حبا اللَّه النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا
وقد كتبت فيه جزءًا، والذي أراه الكف عن التعرض لهذا اثباتًا ونفيًا اهـ [18]
قلت: فهذه مسألة دقيقة وقد خاض فيها الناس قديمًا، ومما لا خلاف فيه أن أبوي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يدركا الإسلام ، فهما من أهل الفترة بيقين ، وأهل الفترة فيهما مذاهب كثيرة ذكرها الإمام ابن القيم وغيره ، والصواب فيها الكف عن هذا الموضوع سلبًا أو إيجابًا ، فليس الحساب موكولًا إلى اجتهادنا ، بل هو لله وحده دون سواه قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (23) سورة الأنبياء.
وقد خاض فيها القدامى والمحدثون بما لا طائل تحته [19] .
والخلاصة أنه كتاب لا يستغني عنه طالب علم ، ونلاحظ عليه استيعابه لكل طرق الحديث وشواهده لفظًا ومعنى وما قيل فيه . ولكن له طبعات محققة بعضها مليئة بالأوهام والتعليقات غير الدقيقة .!!!
ب- كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الحديث على السنة الناس
(1) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 87) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 277) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 72) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 4) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 13) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 4) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 192) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 194) ونزهة النظر - (ج 1 / ص 49) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 74)
(2) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 265) والبحر المحيط - (ج 3 / ص 312)
(3) - انظر أصول السرخسي 1/291، والإحكام للآمدي 2/21، وشرح تنقيح الفصول ص: 349، فواتح الرحموت 2/111.
(4) - انظر البرهان 584.
(5) - الإحكام في أصول الأحكام - (ج 1 / ص 283)
(6) - رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، حديث 1454.
(7) - قلت: تواترت هذه الأخبار ، فصار المستفيض والمتواتر على هذا بينهما عموم وخصوص
(8) - مرَّ تخريجه
(9) - صحيح البخارى (5108 ) ومسلم (3506 ) وحم 1 / 87 و2 / 78 و 186 و 207 و 255 و 432 و 474 و 489 و 508 و 516 و 3 / 338 وش 4 / 246 و 247 وعب ( 10758 ) وتلخيص 3 / 167 ومجمع 4 / 263 و 6 / 178 و 293 و د ( 2065 ) وصحيح الجامع (7473 ) .
(10) - يعني استنباطي يعرف من خلال النظر في سند الحديث ومتنه
(11) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 86) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 240) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 2 / ص 72) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 4) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 5) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 176) والتعليقات البازية على نزهة النظر شرح نخبة الفكر - (ج 1 / ص 3) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 18)
(12) - صحيح البخارى برقم (3170 و ، 1002 ، 1003 ، 1300 ، 2801 ، 2814 ، 3064 ، 4088 ، 4089 ، 4090 ، 4091 ، 4092 ، 4094 ، 4095 ، 4096 ، 6394 ، 7341 ) ومسلم برقم (580 )
(13) - صحيح البخارى برقم (10 ) ومسلم برقم (171 )
(14) - سنن ابن ماجه برقم (2096 ) و السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 7 / ص 322) برقم (15292) ود (2178) وهـ (2018) وهق 7/322 وسنة 9/195 وك2/196 والفتح 9/356والإتحاف 5/391 وكثير 2/382 والترغيب 3/84 وجامع الأصول 7/623 موصولًا ومرسلًا -الصواب مرسل
(15) - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 6 / ص 84) برقم (11787) و فتح 5/160 و161 وعدي 2/573 أبو بكرة وتلخيص 1/281 وطب (1430) وعن ابن عباس الإحسان (7219) وقط4/170 ومعاني2/331 وطس (2137و8273) وهق7/356 وعن ابن عمر هق6/84 وعن عقبة 7/357 وعن أبي ذر ه (2043) وعن الحسن (11416) وصحيح الجامع (3515) والمجمع 6/250
(16) - حديث: نعم العبد صهيب، لو لم يخف للَّه لم يعصه، اشتهر في كلام الأصولين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وذكر البهاء السبكي أنه لم يظفر به في شيء من الكتب، وكذا قال جمع جم من أهل اللغة، ثم رأيت بخط شيخنا أنه ظفر به في مشكل الحديث لأبي محمد ابن قتيبة لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادًا وقال: أراد أن صهيبًا إنما يطيع اللَّه حبالا لمخافة عقابه، انتهى المقاصد الحسنة للسخاوي - (ج 2 / ص 93) برقم (1259 ) وكشف الخفاء من المحدث - (ج 2 / ص 356) برقم (2831)
(17) - سنن الترمذى برقم (2144) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 10 / ص 104) برقم (20767) ومسند أبي يعلى الموصلي - (ج 9 / ص 291) برقم (4143 ) عن أنس ووالصحيحة ( 1795 ) والإتحاف 5/251 و 252 و 7/278 و 8/47 وترغيب 2/437 و3/418 ومطالب ( 2812) والشعب (( 4367) وصحيح الجامع ( 3011 ) صحيح
(18) - وقارنه بكلام صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس ( 150 ) أحيا أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى آمنا به) لترى الفرق الكبير .
(19) - انظر: فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 316) أهل الفترة وفتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 237) والدا الرسول وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 5 / ص 306) مصير أهل الفترة وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 4308) سؤال رقم 43045- هل أسلم والدا النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 269) من مات قبل أن تبلغه الدعوة وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 13 / ص 502) المقصود بأهل الفترة وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 16 / ص 277) أهل الفترة و فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 18) رقم الفتوى 1041 مصير أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - . و (ج 3 / ص 251) رقم الفتوى 10467 مصير والد النبي - صلى الله عليه وسلم - (ج 7 / ص 1730) رقم الفتوى 49293 أهل الفترة وأبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 7 / ص 1730)
وقال الشنقيطي رحمه الله بعد أن تكلم طويلا في المسالة: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:
الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع معه البتة.
الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
ملخصًا من تفسير أضواء البيان مبحث"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"
هذا وقد تكلمت في كتابي (الإيمان باليوم الآخر وأهواله) عن أهل الفترة بالتفصيل ، فارجع إليه إن شئت .