المبحث الأول
مقدماتٌ ضروريةٌ لتحقيق القول في الراوي المختلف فيه
تحرير القول في الراوي المختلف فيه جرحًا وتعديلًا يحتاج إلى اعتبار تنبيهات وضوابط ، لا بد من مراعاتها ؛ للمصير إلى ما هو الألصق بالعدل الذي أوجب الله عز وجل في حق نقلة العلم ، ولئلا ينسب إلى الدين برواية من ليس بأهل ما ليس منه ، أو ينفي عنه بالقدح على الثقة ما هو منه .
وتحرير تلك التنبيهات والضوابط في المقدمات التالية:
المقدمة الأولى
أهلية الناقد لقبول قوله
والمقصود: أهليته للكلام في النقلة على ما تقدم بيانه في صفة الناقد .
قال الخطيب في الكفاية:"قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: سَمِعْتُ إِنْسَانًا يَقُولُ لِأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ: عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ضَعِيفٌ ؟ قَالَ:"إِنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيُّ مُبْغِضٌ لِآبَائِهِ , وَلَوْ رَأَيْتَ لِحْيَتَهُ وَخِضَابَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْتَ أَنَّهُ ثِقَةٌ"فَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ ثِقَةٌ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً , لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْأَةِ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَدْلُ وَالْمَجْرُوحُ" [1]
وقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن شداد بن سعيد الراسبي ؟ فقال:"ثقة"، قلت ليحيى: إن ابن عرعرة [2] يزعم أنه ضعيف ، فغضب ، وقال:"هو ثقة"، وتكلم يحيى بكلام وأبو خيثمة يسمع ، فقال أبو خيثمة:"شداد بن سعيد ثقة"، ثم قال لي يحيى:"يزعم ابن عرعرة أن سلم بن زرير ثقة"، قلت: كذلك يقول ، قال:"هو ضعيف ضعيف" [3] .
وكذلك قال ابن الجنيد: قال رجل ليحيى بن معين وأنا أسمع: زعم إبراهيم بن عرعرة أن محمد بن ذكوان والحسين بن ذكوان ، ليسا بشيء ، فغضب يحيى ، وقال:"أما الحسين بن ذكوان فحدثني عنه يحيى بن سعيد وعبد الله بن المبارك ، ولكن كان قدريًا ، وأما محمد بن ذكوان فليس به بأس ، أي شيء كان عنده ؟ روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وعبد الصمد ، لا بأس به ، قل لابن عرعرة: اذهب ازرع" [4] .
والخطأ هنا في جرح ابن عرعرة لثقة وتعديله لمجروح أنه وإن كان ثقة معتنيًا بالحديث ، إلا أن ابن معين لم يراه من أهل الصنعة ، فإنه سئل عنه فقال:"ثقة ، معروف بالحديث ، كان يحيى بن سعيد يكرمه ، مشهور بالطلب ، كيس الكتاب ، ولكنه يفسد نفسه ؛ يدخل في كل شيء" [5] .
ونقل أبو حاتم الرازي عن هشام بن يوسف الصنعاني قوله في ( عبد الله بن معاذ بن نشيط صاحب معمر ) :"هو صدوق ، وكان عبد الرزاق يكذبه"ثم قال أبو حاتم:"أقول: هو أوثق من عبد الرزاق" [6] .
قلت: وهذا لكون عبد الرزاق لم يكن ممن له شأن في الكلام في النقلة ، فحين تكلم أخطأ .
ـــــــــــــــ
(1) - المعرفة والتاريخ ( 2 / 665 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية (254 ) "
(2) - هوَ الثقة إبراهيم بن محمد بن عرْعرة بن البِرنْد السامي . انظر تقريب التهذيب (238)
(3) - سؤالات ابن الجنيد ( النص: 706 ) . وأبو خيْثمة هوَ الحافظ زُهير بن حرْبٍ .
(4) - سؤالات ابن الجنيد ( النص: 645 ) .
(5) - تاريخ بغداد ، للخطيب ( 6 / 149 - 150 ) .
(6) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 173 ) .