يختلف تعريف السنَّة في الاصطلاح تبعًا لاختلاف أغراض العلماء من بحوثهم حسب تخصصاتهم المختلفة، وفيما يلي تعريفها عند المحدِّثين، والأصوليين، والفقهاء.
السنَّةُ في اصطلاح المحدِّثين:
للمحدثين تعريفاتٌ متعددة للسنَّة، من هذه التعريفات:
1.هي أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.
هذا هو المشهور عند جمهور المحدثين، وكأن السنَّة عندهم خاصة بالحديث المرفوع فقط، أما الموقوفُ والمقطوعُ فلا.
ولعل سند هؤلاء فيما ذهبوا إليه هو: تسميةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لكلِّ ما جاء به في مقابلة القرآن بالسنَّة مثل قوله في خطبته في حجة الوداع:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -" [1]
وعلى هذا القول يحملُ تسميةُ كثير من المحدثين لكتبهم في الحديث باسم السُّنن مثل: سننِ أبي عيسى الترمذي المتوفى سنة 279هـ، وسنن الإمام أبي داود السجستاني المتوفى سنة 275هـ، وسنن النسائي المتوفى سنة 303هـ، وسنن ابن ماجه القزويني المتوفى سنة 373هـ، أو سنة 275هـ.
2.وقيل: هي - أي السنَّة- أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وكذلك أقوال الصحابة وأفعالهم.
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه المتوفى سنة 150هـ، فقد ورد عنه أنه قال:"ما جاءنا عن الصحابة اتبعناهم وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم".
وقال:"إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم" [2] .
وكأن السنَّة عند أبي حنيفة مخصوصةٌ بالمرفوع والموقوف فقط، أما ما عداهما من المقطوع فلا، ولعل سنده فيما ذهب إليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: « فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » [3] .
3.وقيل: هي - أي السنة- أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته وصفاته الخَلقية والخُلقية وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وكذلك أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم.
وممن ذهب إلى هذا القول الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين المعروف بالبيهقي المتوفى سنة 458هـ، حيث أسمى كتابه - الذي جمع فيه ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتاوى الصحابة والتابعين وأفعالهم - بالسُّنن الكبرى، وكأن السنَّة عنده تشملُ: المرفوع، والموقوف، والمقطوع.
ولعله استند فيما ذهب إليه إلى: أن الصحابة خالطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهدوا الوحي والتنزيل، وكذلك خالط التابعون الصحابة وجالسوهم، وسمعوا منهم، فكان قولهم وفعلهم أولى بالقبول من غيرهم، وأصبح داخلًا في مفهوم السنَّة.
السُّنَّةُ في اصطلاح الأصوليين:
عرف الأصوليون السنة بأنها: أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن، وأفعاله وتقريراته التي يمكن أن تكون دليلًا لحكم شرعي [4] .
كأن ما صدر عنه من الأقوال والأفعال والتقريرات التي تعدُّ من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ليست داخلة في تعريف السنة عند الأصوليين، وكذلك صفاته - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنها لا تفيد حكمًا شرعيًا يتعبدُ الناسُ به.
لذلك ترى الأصوليين غالبًا ما يغفلون الكلام عن الأمور التي هي من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ، ومن تكلَّم منهم عنها فمن باب بيان أنها ليست ملزمة للناس.
السُّنَّةُ في اصطلاح الفقهاء:
1.هي كل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن مفروضًا ولا واجبًا مثل تثليث الوضوء، ومثل المضمضة، والاستنشاق عند بعضهم، ومثل تقديم اليمنى على اليسرى، ومثل الركعتين قبل فرض الصبح ونحو ذلك.
2.وقد يطلقها الفقهاء ويعنون بها، ما يقابل البدعة كقولهم فيمن طلَّق زوجته في غير حيض وفي غير طهر التقيا فيه - هذا طلاقٌ سٌنِّيٌّ - في مقابلة الطلاق البدعيِّ، وهو الذي يحدثُ في طهرٍ التقيا فيه، أو يحدثُ في حيضٍ، حيث يأبى الإسلام بنظامه العام أن يشقَّ على المطلقات بإطالة العدة [5] .
ومردُّ هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض التي تعني بها كل فئة من أهل العلم.
فعلماء الحديث: إنما بحثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإمام الهادي الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق، وشمائل وأخبار، وأقوال وأفعال، سواء أثبت ذلك حكمًا شرعيًا أم لا.
وعلماء الأصول: إنما بحثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشرِّعُ الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.
وعلماء الفقه: إنما بحثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا تخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعيٍّ، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمةً أو إباحةً، أو غير ذلك [6] .
والذي نعنيه بالسنة هنا: هو اصطلاح المحدِّثين؛ لأننا سنعالج جهودهم في خدمتها، وعطاءهم في حفظها وصيانتها.
شرحُ التعريف:
انتهينا فيما سبق إلى أن السنة عند المحدثين:"هي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية، وسائر أخباره، سواءً كان ذلك قبل البعثة أم بعدها". وإليك شرح هذا التعريف.
يقصد بأقواله - صلى الله عليه وسلم -:
كلُّ ما تلفظَ به في مختلف الظروف والمناسبات، ويسميه العلماء أيضًا بالسنَّة القولية، ويجمع فيقال: سننَ الأقوال، ومثاله:
1.قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » . [7] .
2.وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ ، قَالَتِ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ . قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ . وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ . قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ فَهْوَ لَكِ » . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (22) سورة محمد [8] .
3.وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ ، يُوصِى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ » . [9] ، وغير ذلك.
ويقصد بأفعاله - صلى الله عليه وسلم -: سلوكُه وتطبيقُه العمليُّ لوحي الله تعالى المنزَّل عليه، ومثاله:
1.ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ . حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ { بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ } وَلَكَ الْحَمْدُ - ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِى ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى الصَّلاَةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا ، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ . [10] .
2.ما رواهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِى الاِسْتِسْقَاءِ ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ [11] ..
3.ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ ، وَيَمْشِى أَرْبَعَةً ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ [12] . وغير ذلك.
ويقصَدُ بتقريراته - صلى الله عليه وسلم -:
كلُّ ما صدر عن بعض أصحابه من قول أو فعل, وأقرَّه - صلى الله عليه وسلم - إمَّا بسكوت منه وعدمِ إنكار، وإمَّا بموافقة وإظهار استحسان.
وقد يسأل سائلٌ: كيف يكونُ الإقرار منَ السنَّة وهي واجبةُ الاتباع مع أنه ليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من فعله؟
والجوابُ: أنَّ الإقرارَ صار من السنَّة الشريفة بموافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - , فهو عليه السلام لا يقرُّ باطلًا ولا يسكتُ على منكرٍ, فما أقره دلّ على أنه لا حرج فيه, - وذلك كما قال العلامة ابن حزم رحمه الله: لأن الله - عز وجل - افترض عليه التبليغ وأخبره أنه يعصمه من الناس، وأوجب عليه أن يبين للناس ما نزّل إليهم؛ فمن ادعى أنه عليه السلام علم منكرًا فلم ينكره فقد كفرَ؛ لأنه جحد أن يكون عليه السلام بلّغ كما أمر، ووصفه بغير ما وصفه ربه تعالى، وكذّبه في قوله عليه السلام:"اللهم هل بلغت"؟ [13] فقال الناس: نعم. فقال:"اللهم اشهد". قال ذلك في حجة الوداع" [14] "
ومن أمثلة الإقرار:
1.إقراره - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه على اجتهادهم في شأن صلاة العصر في غزوة بني قريظة: حين قال لهم: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . [15]
فقد فهم بعضهم من هذا النهي أنه على حقيقته وأنه تحرم صلاة العصر إلا في بني قريظة، فأخرها إلى هناك حتى خرج وقتها، وفهم البعض الآخر من هذا النهي: أنه ليس على حقيقته وأن المقصود منه الحثُّ على الإسراع، فصلاها في وقتها، ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما صنع الفريقان لم يعنف واحدًا منهما ولم ينكره عليه، فكان ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - إقرارًا بصواب صنيعهما، وصار ذلك سنة تقريرية عنه - صلى الله عليه وسلم - .
2.ما روي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِى الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ » . فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى مَنَعَنِى مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. [16]
3.ما رواه عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِى ، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ . [17] .
ويقصد بصفاته - - صلى الله عليه وسلم - - الخَلقية:
ما يتعلق بذاته وتكوينه، ومن أمثلة ذلك:
1.حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ . [18] .
2.حديث البراء أيضًا، قال: كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرْبُوعًا ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ ، رَأَيْتُهُ فِى حُلَّةٍ حَمْرَاءَ ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ . قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ إِلَى مَنْكِبَيْهِ . [19] .
3.حديث أنس رضي الله عنه، قال:"مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلاَ دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلاَ شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ عَرْفًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ عَرْفِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - [20] ."
وقد يسأل سائل: كيف نعتبر الصفات الخَلقية له - صلى الله عليه وسلم - من السنة مع أنه لا يمكن الاقتداء بها؛ لأنها من قدر الله تعالى, ونحن لا نتعلم السنَّة إلا لكي نقتدي برسولنا - صلى الله عليه وسلم - ونتبعه في هديه كله؟
والجواب من عدة وجوه:
أولًا: لكي نعلمَ الصفاتِ الخَلقية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يعقل أن يكون هو رسولنا الذي هدانا الله تعالى به، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ثم لا نعلم ما هي الهيئة الخَلقية التي أوجده الله تعالى عليها.
ثانيًا: حتى يتأكد لنا أن الله تعالى قد خلقه على أحسن هيئة وأكمل صورة بشرية - كما خلقه أيضًا بريئًا من العيوب الخلقية - حتى تجتمع القلوب حوله، وهذا يعتبر من الأدلة على صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم - ، لأن الله تعالى قد برأ الأنبياء جميعًا من أيِّ عيب خَلقي.
ثالثًا: لكي يتأكد لنا أن الله تعالى قد أوجده على نفس الهيئة وبنفس الصفات التي ذكرت في الكتب السابقة، وفي هذا دليل واضح على صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم - ، ولعل ما ورد في كتب السيرة من قصة بحيرا الراهب الذي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صباه في الثانية عشرة من عمره أثناء رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب، وعرف بحيرا الراهب أنه النبي المنتظر بجملة من العلامات ذكرت له في الكتب السابقة، [21] من بينها خاتم النبوة بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم - ، والخاتم هذا أمر خَلقي عرف به بحيرا أنه - صلى الله عليه وسلم - هو النبي المنتظر.
وقد ذكر القرآن الكريم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مكتوبًا في التوراة والإنجيل، فقال عزّ من قائل: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [سورة الأعراف: 157] .
وقد نعى الله تعالى على أهل الكتاب عدم اتباعهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع تأكدهم من صدق رسالته، بل ومعرفتهم به كما يعرفون أبناءهم, ومع ذلك كتموا الحق الواضح الصريح وهم يعلمون، قال تعالى: (( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ) [سورة البقرة: 46] .
يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:"يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَعْرِفُونَ صِحَّة مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - كَمَا يَعْرِف أَحَدهمْ وَلَده وَالْعَرَب كَانَتْ تَضْرِب الْمَثَل فِي صِحَّة الشَّيْء بِهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ صَغِير اِبْنُك هَذَا"قَالَ نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه أَشْهَد بِهِ قَالَ"أَمَا إِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْك وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ .."
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا التَّحَقُّق وَالْإِتْقَان الْعِلْمِيّ"لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ"أَيْ لَيَكْتُمُونَ النَّاس مَا فِي كُتُبهمْ مِنْ صِفَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -"وَهُمْ يَعْلَمُونَ"" [22] ."
رابعًا: ومن الأسباب التي تجعلنا نعتبر الصفات الخَلقية له - صلى الله عليه وسلم - من السنة أيضًا، ما حاوله بعض أعداء الإسلام من إلصاق بعض الصفات غير الحقيقية به - صلى الله عليه وسلم - .
ومعرفتنا بصفاته الخَلقية تجعلنا ندافع عنه ونحن في موقف القوة والثبات لأنه ثبت بكل الأدلة كمال خلقته - صلى الله عليه وسلم - .
خامسًا: نتعلم صفاتِه الخَلقية ونعتبرها من السنة حتى نقتدي بكل ما يمكن الاقتداءُ به منها، مثل صفة لحيته - صلى الله عليه وسلم -" [23] ."
ويقصد بصفاته الخُلُقية:
ما يتعلق بأخلاقه الشريفة - صلى الله عليه وسلم - ، ومن أمثلة ذلك:
1.قول السيدة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت للسائل:"قَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى. قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِىِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ." [24] .
2.ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا" [25] ."
3.ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال:"لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ « إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا » [26] ."
(1) - المستدرك للحاكم (318) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 114) (20833) وهو صحيح لغيره
وقال ابن عبد البر:"هذا حديث مشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد"، الزرقاني في شرحه للموطأ (4/246) وفتح المالك بترتيب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك (9/282-283)
(2) - أصول السرخسي (1/313) .
(3) - عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا أَوْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » . مسند أحمد (17608) و سنن الترمذى (2891 ) وهو حديث صحيح مشهور
(4) - ينظر: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ( 2/96) ، بهامش المستصفى للغزالي، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ( 1/127) ، التحرير في أصول الفقه لابن الهمام ( 3/19- 20) ، إرشاد الفحول للشوكاني، ص: 33.
(5) - إرشاد الفحول للشوكاني، ص: 33.
(6) - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص: 47-49.
(7) - صحيح البخارى (1 )
(8) - صحيح البخارى (5987 ) ومسلم (6682 )
(9) - صحيح البخارى (2738 )
(10) - صحيح البخارى (789 ) ومسلم (894 )
(11) - صحيح البخارى (1031 ) ومسلم (2113 )
(12) - صحيح البخارى (1617 ) ومسلم (3107 )
ومعنى: خب: أي يرمل، والرمل: الهرولة ، يسعى: يسرع، بطن المسيل: أي الوادي الذي بين الصفا والمروة، وهو قبل الوصول إلى الميل الأخضر المعلق بركن المسجد إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين أحدهما بفناء المسجد والآخر بدار العباس
(13) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ . أَىُّ يَوْمٍ هَذَا » . قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ . قَالَ « فَأَىُّ بَلَدٍ هَذَا » . قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ . قَالَ « فَأَىُّ شَهْرٍ هَذَا » . قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ . قَالَ « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا » . فَأَعَادَهَا مِرَارًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ « اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ » . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ - « فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » صحيح البخارى (1739 ) .
(14) - الإحكام في أصول الأحكام 1/ 146.
(15) - صحيح البخارى (946 )
(16) - سنن أبى داود (334 ) صحيح
(17) - صحيح البخارى (454 ) وانظر لمحات في أصول الحديث، ص: 29، 30.
(18) - صحيح البخارى (3549 ) ومسلم (6212 )
(19) - صحيح البخارى (3551 )
الحلة: الثوب الجيد الجديد وكانت عند العرب تتكون من قميص وإزار ورداء
(20) - صحيح البخارى (3561 )
(21) - انظرها في سيرة ابن هشام - (ج 1 / ص 180) والروض الأنف - (ج 1 / ص 312) وزاد المعاد - (ج 1 / ص 70) وخبرها حسن
(22) - تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 462) و تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 493)
(23) - تيسير اللطيف الخبير في علوم حديث البشير النذير الدكتور مروان شاهين 1/ 21، 22.
(24) - صحيح مسلم (1773 ) مطولا
(25) - صحيح البخارى (3562 ) ومسلم (6176 )
(26) - صحيح البخارى (3559 )